سيناريو "الصحون الفارغة".. هل تدفع حرب إيران العالم نحو مجاعة؟
كتب : محمد جعفر
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي
من حقول البنجاب في الهند إلى سهول كنساس الموجودة في وسط الولايات المتحدة الأمريكية، لا تبدو الحرب الدائرة في الخليج حدثًا بعيدًا كما قد توحي الجغرافيا، فبينما يستعد المزارعون في هذه المناطق من نصف الكرة الشمالي لحصد موسم جديد، تتسلل الأزمة بصمت إلى التربة نفسها حيث بات السماد مهددًا، في لحظة حرجة قد تعيد رسم خريطة الأمن الغذائي العالمي.
مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران تقريباً أسبوعها الخامس، لم تعد أصداء الانفجارات حبيسة جبال "زاغروس" أو القواعد العسكرية، بل تسللت بصمت لتستقر في "صحون الطعام" حول العالم، إنها حرب "الأسمدة"، الكرت الأخطر الذي قد يحول أزمة جيوسياسية إلى مجاعة عالمية تضرب الضعفاء أولاً، ولا ترحم الأقوياء.
مضيق هرمز.. عنق الزجاجة الذي يخنق العالم
مع استمرار الحرب على إيران، فمضيق هرمز الممر الملاحي الاستراتيجي الذي يعبر منه نحو 20% من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال، والذي يمر منه أيضاً نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية، تحول إلى نقطة اختناق عالمية.
ويؤكد تحليل شركة Kpler (شركة تكنولوجيا وبيانات متخصصة في تحليل التجارة العالمية)، أنه منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، توقفت حركة المرور فعليًا مع تعرض بعض السفن لهجمات، ما أدى إلى شلل شبه كامل في سلاسل الإمداد، محذرًة من أن ما يصل إلى ثلث تجارة الأسمدة العالمية مهدد بالتعطل إذا استمر الإغلاق.
هذا الاختناق لم يكن مجرد أزمة لوجستية، بل ضربة مباشرة لصناعة تعتمد أساسًا على الطاقة، حيث تمثل تكاليفها نحو 70% من إنتاج الأسمدة.
نصف غذاء العالم على المحك
في قلب الأزمة، تتكشف حقيقة صادمة وهى أن نحو نصف غذاء العالم يعتمد على الأسمدة، وفق ما أكدته مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في شركة أرجوس (شركة عالمية في مجال معلومات وأسعار أسواق السلع والطاقة) في تصريحاتها لـ"رويترز".
بحسب سيمونوفا يعني هذا أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات واسعة على توافر الغذاء، ففي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 بالمئة من تكلفة إنتاج الحبوب، وهو ما قد يؤدي إلى أزمة كبرى في هذه البلاد.
وأكدت أن السوق العالمي لليوريا يعاني بالفعل من نقص في الإمدادات حتى من قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي نتيجة حرب أوكرانيا 2022، كما أن الصين فرضت قيودا على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.

الأمم المتحدة تحذر من مجاعة عالمية بسبب حرب إيران
ومن جانبه، حذّر الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط خرجت عن نطاق السيطرة بعد أسابيع من التصعيد المتواصل، داعيًا الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إنهاء العمليات العسكرية فورًا، كما طالب إيران بوقف الهجمات التي تستهدف جيرانها.
وأكد جوتيريش أن دول الخليج تُعد من أبرز موردي المواد الخام اللازمة لإنتاج الأسمدة النيتروجينية في العالم، محذرًا من أن أي اضطراب في إمدادات هذه المواد قد يقود إلى أزمة غذاء عالمية، خاصة مع اقتراب موسم الزراعة في العديد من الدول، إذا لم تتوفر الأسمدة بالكميات الكافية.
وأوضح أن إغلاق مضيق هرمز من شأنه أن يعرقل تدفق النفط والغاز والأسمدة إلى الأسواق العالمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى مزيد من الاضطرابات في الاقتصاد العالمي ويترك تأثيرًا مباشرًا على الأمن الغذائي.
اليوريا.. الاستغناء عنها يعني المزيد من الخسائر
وفي تحذير ينذر بمزيد من السوء، تشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة (فاو) أن العديد من الدول منخفضة الدخل كانت تعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل الحرب، ما يجعلها أكثر هشاشة أمام أي صدمة جديدة.
ويشير خبراء، بينهم داويد هيل من شركة "ناينتي ون"، في تصريحات نقلتها CNBC، إلى أن النيتروجين عنصر لا يمكن تفويته، لأن هناك علاقة مباشرة بين استخدامه وإنتاجية المحاصيل، موضحاً أن الأسمدة النيتروجينية، وعلى رأسها اليوريا، تمثل العامل الأكثر حساسية، إذ لا يمكن للمزارعين الاستغناء عنها حتى لموسم واحد دون خسائر مباشرة في الإنتاج، على عكس الفوسفات والبوتاس.
مصانع تتوقف.. وسوق يختنق
ونتيجة لمخاطر المرور عبر هرمز، لجأت بعض الدول الكبرى في المجال باتخاذ خطوات فعلية للتعامل مع الأزمة، فأوقفت شركة قطر للطاقة إنتاج أكبر مصنع لليوريا في العالم بعد استهداف منشآت الغاز الخاصة بها.
وفي آسيا، خفضت الهند إنتاجها في ثلاثة مصانع نتيجة تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر، بينما أغلقت بنجلادش أربعة من خمسة مصانع، أما البرازيل التي تعتمد بنسبة تقارب 100% على واردات اليوريا، فيمر نصف وارداتها عبر مضيق هرمز، ما يجعلها في قلب العاصفة.
وفي الولايات المتحدة، أبلغ مزارعون عن نقص يصل إلى 25% في الإمدادات، مع رفوف شبه خالية، في مؤشر على أن الأزمة لم تعد إقليمية بل عالمية.
لا تتوقف الأزمة عند الخليج، فبحسب صحيفة "الشرق"، فرضت الصين قيودًا على صادرات الأسمدة لحماية سوقها المحلي، بينما علّقت روسيا التي تواجه اضطرابات إنتاجية بسبب الحرب مع أوكرانيا، صادرات نترات الأمونيوم بين 21 مارس و21 أبريل، وفق وكالة "تاس".
أما في أوروبا فيزداد المشهد تعقيدًا وسوءًا، إذ كانت القارة العجوز في الأصل قد خفضت إنتاجها بالفعل بسبب فقدان الغاز الروسي الرخيص منذ 2022، ما جعل السوق يدخل الأزمة الحالية التي أحدثتها حرب إيران وهو يعاني نقصًا مسبقًا، وعلى الصعيد العالمي، توقع "سكوشا بنك" أن تنخفض صادرات اليوريا إلى نحو 1.5 مليون طن في مارس، مقارنة مع 3.5 مليون طن دون إمدادات الصين، أو 4.5 إلى خمسة ملايين طن مع إمدادات الصين.
أسعار تشتعل.. قفزات غير مسبوقة
تعكس الأسعار حجم الصدمة، فوفق بيانات أرجوس نقلتها رويترز، قفزت أسعار اليوريا في الشرق الأوسط بنحو 40% لتتجاوز 700 دولار للطن، مقارنة بأقل من 500 دولار قبل الحرب.

كما أفادت "أكسفورد إيكونوميكس" بأن أسعار اليوريا والأمونيا ارتفعت بنحو 20% و50% على التوالي منذ بداية الحرب، وسط توقعات بأن تتضاعف أسعار الأسمدة النيتروجينية إذا استمر الصراع.
ويؤكد كريس لوسون نائب رئيس قسم استخبارات السوق والأسعار في شركة CRU في تصريحات نقلتها "رويترز"، أن هيمنة الشرق الأوسط على السوق تجعل تعويض النقص "شبه مستحيل" في المدى القصير، مضيفاً: بجانب هذا فروسيا أكبر مصدر للأسمدة في العالم، تواجه تعطلا في الإمدادات بسبب غارات طائرات مسيرة أوكرانية، في حين تفرض الصين قيودا على صادراتها، رغم قدرتها الإنتاجية الكبيرة.
وأوضح: "مع توقف حركة المرور الفعلي عبر مضيق هرمز، هناك جزء كبير من التجارة العالمية غير قادر على التحرك حاليًا، إذ يُقدر أن نحو 30% من الموردين القابلين للتصدير غير متاحين حاليًا للسوق، ويشمل ذلك السعودية وقطر والبحرين، وكذلك إيران".
الدول النامية.. الحلقة الأضعف
في ظل هذه السلسلة المتشابكة من الأزمات، تبدو الدول النامية الأكثر تعرضًا للخسائر، ويحذر برنامج الأغذية العالمي، من أن استمرار الحرب قد يدفع ملايين إضافيين إلى الجوع الحاد، مع ارتفاع تكاليف الغذاء والشحن.
كما يشير داويد هيل في تصريحات لـ CNBC إلى أن الأسواق الناشئة، خاصة في إفريقيا، ستكون آخر من يستطيع تحمل الأسعار المرتفعة، موضحاً أن الأسواق بدأت عام 2026 بمخزونات كبيرة نسبيًا من السلع الغذائية الأساسية المعتمدة على الأسمدة، مما يوفر نوعًا من "المخزونات الاحتياطية" التي قد تخفف بعض تأثير النقص في الذرة والقمح وفول الصويا والأرز.

هل العالم على أعتاب المجاعة؟
قال داويد هيل: "إذا تأثرت المحاصيل بنسبة 5% هذا العام، لا أعتقد أننا سنواجه مجاعة، لكن هذا بالتأكيد سيؤدي إلى تضخم في أسعار الغذاء"، وأضاف أن الدول الناشئة هي الأكثر عرضة لتأثير الأزمة، موضحًا: "لسوء الحظ، غالبًا ما تكون الدول الفقيرة أكثر تعرضًا لهذه الأزمات، فبعض الدول الإفريقية التي تستورد كميات كبيرة من الحبوب ستتأثر".
وأشار هيل إلى أن الهند، التي تستورد الأسمدة النيتروجينية وكذلك الغاز الطبيعي لإنتاجها محليًا، تواجه أيضًا تعرضًا كبيرًا للنقص، وأضاف: "أنا أكثر قلقًا بشأن دول مثل الهند والمناطق مثل شرق إفريقيا، حيث تكون الأسواق الناشئة غالبًا آخر من يستطيع تحمل الأسعار المرتفعة".

رغم أن المخزونات العالمية الحالية قد تؤخر الانفجار الكامل للأزمة، فإن المؤشرات تتجه نحو ارتفاع أسعار الغذاء وربما نقص في الإمدادات خلال الأشهر المقبلة، فوفق فاو، ارتفع مؤشر أسعار الغذاء إلى 125.3 نقطة في فبراير في أول صعود له بعد 5 أشهر.
وفي تحذير لافت نقلته "الجارديان"، دعا سفين توري هولسيثر، الرئيس التنفيذي لشركة يارا، قادة العالم إلى التحرك "قبل فوات الأوان"، مؤكدًا أن استمرار الحرب قد يضر بشدة بالإمدادات الغذائية العالمية.
بين الإنتاج والاعتماد.. كيف تأثر الخليج؟
رغم كون الخليج مصدرًا لنحو 20% من الأسمدة العالمية و46% من إمدادات اليوريا، وفق بيانات مجموعة "سيجنال"، إلا أنه يعتمد على استيراد نحو 85% من غذائه، ما يجعله عرضة لارتدادات الأزمة.
وقد تحركت دول الخليج، بحسب التقارير، لتأمين مسارات بديلة عبر موانئ وطرق برية، بينما أعلنت قطر امتلاك مخزون غذائي يكفي لأكثر من ستة أشهر، كما اتخذت الكويت إجراءات استثنائية بحظر تصدير السلع الغذائية وتثبيت الأسعار لمدة شهر، في محاولة لاحتواء التداعيات.
بينما أكدت البحرين أنّ مخزونها من السلع الأساسية "كافٍ وآمن"، أما في إيران، فتزداد الضغوط على السوق الداخلية مع ارتفاع أسعار المواد الغذائية، في وقت كانت البلاد تعاني أصلًا من مستويات تضخم مرتفعة قبل الحرب الجارية.
حين تتحول الحروب إلى أزمات خبز
ما يجري في مضيق هرمز لم يعد مجرد صراع على النفوذ، بل بات اختبارًا قاسيًا لقدرة العالم على تأمين أبسط احتياجاته: الغذاء.
لقد صدق سفين توري، حين دعا قادة العالم للتحرك "قبل فوات الأوان"، إذ أن الحرب في إيران لم تعد مجرد صراع على نفوذ أو حدود، بل أصبحت تهديداً بيولوجياً لملايين البشر الذين قد يجدون أنفسهم ضحايا لـ "رصاصة" لم تطلقها بندقية، بل منعها "خناق هرمز" من الوصول إلى حقولهم.
يبقى السؤال المعلق فوق مائدة طعام كل إنسان اليوم: هل ستدرك القوى المتحاربة أن "النصر" العسكري لا قيمة له إذا كان ثمنه تجويع الكوكب، أم أن العالم سيضطر لمواجهة "حصاد مر" في نهاية عام 2026؟.