إعلان

غزو بري أمريكي لإيران.. بين فشل نابليون ومنعة "جنرال الصمود"

كتب : محمود الطوخي

08:01 م 24/03/2026

حرب إيران - صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

تتناقض المؤشرات الواردة من واشنطن؛ فبينما يتحدث دونالد ترامب عن مفاوضات وشيكة، تتجه قوات أمريكية إلى الشرق الأوسط ضمن خطط لوزارة الدفاع لاحتلال جزيرة "خرج" الإيرانية.
ورغم هذا التلويح العسكري، يظل خيار شن غزو بري أمريكي لإيران كابوسا يستدعي مشاهد الاستنزاف في العراق وأفغانستان.

وتستحضر الذاكرة العسكرية العالمية هزيمة نابليون بونابرت في روسيا عام 1812، ليس على يد الجيوش النظامية فحسب، بل أمام "جنرال الشتاء"؛ ذلك القائد الطبيعي الخفي الذي تولى مهمة تدمير خطوط الإمداد، وتحييد التكنولوجيا العسكرية آنذاك، واستنزاف القدرات البشرية للغزاة.

واليوم، يوضح الباحثان أراش ريسينجاد وهو أستاذ مساعد زائر في كلية "فليتشر" بجامعة "تافتس"، وأرشام ريسينجاد وهو محاضر أول في إدارة الأعمال والاقتصاد في كلية "ريجنت" بلندن، أن طهران تمتلك نسختها الخاصة من هذا القائد: "جنرال الجغرافيا" الذي يسيطر على جبال إيران وممراتها، مهددا بابتلاع أي تفوق تكنولوجي أمريكي في حرب استنزاف لا ترحم.

غزو بري أمريكي لإيران أمام التضاريس الجبلية

وفي تحليل نشرته مجلة "فورين بوليسي"، يحذر الباحثان من أنه على عكس الدول الأصغر في منطقة الخليج التي تقع بنيتها التحتية مباشرة على الساحل وتكون عرضة للضغوط السريعة، تشكل المناطق الجبلية الداخلية لإيران حواجز دفاعية طبيعية. وتهيمن سلسلتا جبال زاجروس وألبرز والهضبة الممتدة بينهما على المشهد، مما يعقد أي غزو بري أمريكي لإيران.
تاريخيا، مثلت هذه السلاسل الجبلية دروعا استراتيجية أضعفت القوات الغازية، بدءا من جيوش مارك أنطوني الرومانية عام 36 قبل الميلاد، وصولا إلى توقف تقدم العراق على جبهة زاجروس خلال الحرب العراقية الإيرانية.
وتؤثر هذه القيود بشكل كبير على الاحتمالات الاستراتيجية اليوم، حيث تطلب غزو العراق عام 2003 أكثر من 300 ألف جندي أمريكي للحملة الأولية، وقوة احتلال بلغت 160 ألف جندي، بينما شهدت أفغانستان قوة قوامها 100 ألف جندي.
لكن إيران، التي تكبر العراق بأربعة أضعاف ويبلغ عدد سكانها أكثر من 90 مليون نسمة، ستحتاج إلى قوة أكبر وخطوط إمداد أطول، مما يجعل عمليات الاحتلال السابقة مجرد حد أدنى للمقارنة.

غزو بري أمريكي لإيران وعوائق العمق الاستراتيجي

في الوقت الراهن، تدور رحى الحرب عبر القوة الجوية والضغط البحري، حيث تتباين سهولة الوصول إلى الأهداف. وتقع الأهداف الأكثر سهولة في غرب وجنوب غرب إيران، مثل خوزستان وبوشهر وجبهة زاجروس؛ لكونها قريبة من الخليج العربي وتضم بنية تحتية للقواعد الجوية، مما يسمح بزيادة معدلات الطلعات الجوية.
على النقيض من ذلك، كلما اتجهنا شرقا نحو الهضبة الوسطى، مثل محافظتي خراسان الجنوبية ويزد والأجزاء الشمالية من كرمان وسيستان وبلوشستان، تزداد صعوبة البيئة العملياتية لأي غزو بري أمريكي لإيران أو حملة جوية. فهذه المناطق تتطلب أوقات طيران أطول وتنسيقا لوجستيا معقدا، كما تتيح التضاريس الوعرة فرصا لتشتيت وإخفاء البنية التحتية النووية والعسكرية، مما يجعل تدميرها بشكل شامل أمرا بالغ الصعوبة.

غزو بري أمريكي لإيران واختناق مضيق هرمز

لا تقتصر أهمية الجغرافيا على البر بل تمتد إلى البحر، حيث يمنح قرب إيران من الممرات الحيوية نفوذا يصعب تحييده بالتكنولوجيا وحدها.
ويبرز هذا النفوذ في مضيق هرمز، الذي يبلغ عرضه 21 ميلا بحريا فقط، ويمر عبره 20% من استهلاك النفط العالمي وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال، مما يمنح طهران القدرة على فرض تكاليف اقتصادية عالمية لردع أي غزو بري أمريكي لإيران.
ورغم أن جزيرة "خرج" تستوعب ما يقارب 90 إلى 96% من صادرات النفط الخام الإيرانية، إلا أن السيطرة عليها لا تعني السيطرة على المضيق. فإيران تمتلك ساحلا يمتد لمسافة 1500 ميل على الخليج العربي وخليج عمان، وتستطيع تهديد الملاحة بالصواريخ والطائرات المسيرة والألغام، مما يجعل فقدان مخزونها من اليورانيوم المخصب البالغ 400 كيلوغرام أمرا ثانويا إذا تمكنت من السيطرة الفعالة على المضيق.

غزو بري أمريكي لإيران وتوسع الصراع بباب المندب

يمثل مضيق هرمز جزءا من نظام جيوسياسي أوسع يشمل نقطة اختناق ثانية في باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن.
ومنذ أكتوبر 2023، تعرض باب المندب لاضطرابات من قبل جماعة أنصار الله "الحوثيين" اليمنية الموالية لإيران، مما يهدد بتوسيع نطاق أي غزو بري أمريكي لإيران لتشمل عواقبه الاقتصاد العالمي بأسره.
ويبلغ عرض باب المندب 20 ميلا فقط، ويمر عبره 10 إلى 12% من التجارة العالمية و6 إلى 9 ملايين برميل من النفط يوميا.
ومن شأن تحويل مسار السفن بعيدا عن هذا المضيق نحو رأس الرجاء الصالح إلى إضافة 10 إلى 15 يوما للرحلة، مما يرفع تكاليف الوقود والتأمين، ويحول النزاع المحلي إلى صدمات هيكلية تضرب الاقتصاد العالمي وسلاسل التوريد.

دروس الجغرافيا في مواجهة التكنولوجيا

تسلط الحرب الإيرانية الضوء على درس حاسم في الصراعات الحديثة؛ ففي عصر الذكاء الاصطناعي والأسلحة الدقيقة، لا تزال الجغرافيا تمارس تأثيرا بالغا يعرقل أي غزو بري أمريكي لإيران. فالجبال والعوائق الجغرافية تحد من جدوى الغزو، بينما تعزز الممرات البحرية الاستراتيجية النفوذ غير المتكافئ، وتربط ممرات الطاقة الصراعات المحلية بالاقتصاد العالمي.
وقد تؤثر التكنولوجيا على كيفية خوض الحرب، لكن الجغرافيا غالبا ما تحدد كيفية انتهائها، بل وحتى ما إذا كانت ستنتهي أصلا، حيث تمتلك طهران حليفين خفيين هما "جنرال الجغرافيا" متمثلا في الجبال والممرات الاستراتيجية، و"جنرال الصمود" المتمثل في قدرتها على خوض حرب طويلة الأمد.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان