• أزمة الخليج 2018: تصعيد وجمود .. و"غَزل بلا حلحلة"

    03:15 م الإثنين 31 ديسمبر 2018
    أزمة الخليج 2018: تصعيد وجمود .. و"غَزل بلا حلحلة"

    الملك سلمان والأمير تميم

    كتبت- رنا أسامة:

    أكثر من 18 شهرًا، وما زال الخِلاف مشتعلا في الكيان الخليجي، دون بادرة أمل تلوح في الأفق تُنبئ بانفراجه قريبة تضع حدًا للمقاطعة الدبلوماسية والتجارية التي فرضتها السعودية ومصر والإمارات والبحرين على قطر منذ 5 يونيو 2017، مُتهمة إيّاها بدعم وتمويل الإرهاب، الأمر الذي تواصل الدوحة نفيه وإنكاره بشدة.

    لم يطرأ تقدّم ملموس في الأزمة خلال 2018 الذي أوشك أن ينصرِم. عِوضًا عن ذلك تبادل أطراف الخِلاف ما يُمكن أن ندعوه "غَزلًا" -على نحو مُغاير بعض الشيء للهجة التحدّي والهجوم التي لازمت تصريحات المسؤولين من كِلا الجانبين، مع استمرار المساعي الدبلوماسية للخروج من الأزمة، لكن دون حلحلة.

    استكمال التصعيد

    انطلق 2018 باستكمال التصعيد بين الجانبين؛ ففي نهاية يناير، شدّدت الدول الأربع في بيان مشترك على أن مقاطعة قطر "تأتي تحت ممارسة الحق السيادي في الدفاع عن الأمن القومي".

    وانتقدت تعامُل الحكومة القطرية مع مبادرات جادة لحل الأزمة السياسية، ومحاولاتها المستمرة لتضليل المجتمع الدولي عن الأسباب الرئيسية للأزمة من خلال توجيه اتهامات ضد الدول الأربع لدى المنظمات الدولية.

    وبعد شهر من أول بيان مُشترك لدول الرُباعي العربي في 2018، دخلت الأزمة حلقة جديدة من التصعيد بتراشُق الاتهامات الكلامية بين قطر والدول الأربعة داخل أروقة منظمة حقوق الإنسان في مدينة جنيف السويسرية.

    البداية جاءت بخطاب لوزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن آل ثاني أمام الدورة رقم 37 لمجلس حقوق الإنسان، طالب خلاله بمعاقبة المسئولين عما وصفه بالحِصار المفروض على بلاده، ومحاسبة المسؤولين عنه وتعويض المتضررين.

    فما كان من الدول الأربع إلا أن تردّ في بيان مُشترك، في فبراير، بأن الدولة الخليجية الصغيرة هي من أشعلت فتيل الأزمة وتأوي جماعات إرهابية وتواصل التحريض على التطرف، مؤكّدة أن "الأزمة سياسية وصغيرة مع قطر ويجب أن يتم حلها في إطار جهود الوساطة الكويتية القائمة".

    1

    مناوشات جوية

    بالتوازي، صعّدت قطر مناوشاتها الجوية مع دول الرُباعي العربي، لاسيّما الإمارات، باعتراض أكثر من طائرة مدنية في 3 حوادث متفرقة ادانتها المنظمات الدولية باعتبارها "خرقًا مُتعمّدًا للمواثيق والاتفاقيات المنظمة للطيران المدني"، فيما نفت الدوحة تلك الاتهامات ووصفتها بأنها "عارية تمامًا عن الصحة".

    وقدّمت الدوحة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ورئيس مجلس الأمن الدولي، مطلع العام، شكوى ضد الإمارات بدعوى اختراق إحدى طائراتها الحربية المجال الجوي القطري، واعتبرت ذلك "انتهاكا صارخًا للسيادة". وردّت أبوظبي بأنها اتهامات "غير صحيحة ومرتبكة".

    وفي نوفمبر، جدّدت قطر مناشداتها للمجتمع الدولي لإدانة ورفض التدابير التي اتخذتها "دول الحصار" ضدها، مؤكدة أنها تتنافى مع الالتزامات الدولية باحترام وتعزيز حقوق الإنسان، وذلك في بيان أدلت به علياء أحمد بن سيف آل ثاني، المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة.

    قناة "سلوى".. قطر جزيرة

    في تلك الأثناء، مضت السعودية في تنفيذ مشروع "قناة سلوى" الذي من شأنه أن يحوّل قطر من شبه جزيرة إلى جزيرة، مع تسلّم سلاح حرس الحدود السعودي، في أبريل، لموقع المنفذ الحدودي مع قطر بالكامل من قطاعيّ الجوازات والجمارك.

    ويشمل مشروع القناة إنشاء قاعدة عسكرية سعودية، ومدفن للنفايات النووية، كما يتضمّن إنشاء مشروع سياحي متكامل يتمثل في شق قناة بحرية امتدادًا للساحل الشرقي للسعودية، ويحتوي منتجعات وشواطئ خاصة، وإنشاء موانئ للرياضات البحرية واليخوت السياحية.

    وقالت صحيفة "سبق" المحلية المُقرّبة من الحكومة، يونيو الماضي، إن جهات سعودية وإماراتية استثمارية من القِطاع الخاص ستُموّل المشروع بالكامل، على أن تكون السيادة سعودية كاملة. وذكرت أن شركات مصرية رائدة في مجال الحفر ستتولى مهام حفر القناة المائية.

    2

    وفي الوقت نفسه، نقلت الصحيفة عن مصادر -لم تُسمها- قولها إنه "سيتم إنشاء قاعدة عسكرية سعودية في جزء من الكيلو الفاصل بين الحدود القطرية وقناة سلوى، وسيتم تحويل الجزء المتبقي إلى "مدفن نفايات" للمفاعل النووي السعودي الذي تخطط السعودية لإنشائه وفق أفضل الممارسات والاشتراطات البيئية العالمية".

    قطر.. خسارة ومحاولات استغناء

    في المقابل، مضت قطر تحاول تعويض الخسائر التي تكبّدتها منذ المُقاطعة، بإبرام اتفاقات مع عدد من الدول في مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى جانب تركيا وإيران- الخِصم الإقليمي اللدود للمملكة. كما استعانت باحتياطاتها النقدية لتعويض الخسائر، لتأمين نظامها من محاولات الإطاحة به أو إخضاعها لسياسات معينة.

    وصل الأمر إلى حظر قطر استيراد المنتجات الغذائية والبضائع من الدول الأربع المقاطعة لها، إلى جانب منع استيراد منتجات الألبان السعودية عبر بلد ثالث. وقالت الحكومة القطرية في بيان، 27 مايو الماضي، إن القرار يتعلّق "بحماية سلامة المستهلك".

    ومع ذلك دأب المسؤولون القطريون، وعلى رأسهم الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، على التظاهر بعدم تأثّر اقتصاد بلادهم بالمقاطعة- التي يسمونها "حِصارًا"؛ في تصريحات سابقة هذا العام، أكّد أمير قطر أن بلاده تمكنت إلى حد كبير من تجاوز آثار الحصار.

    وقال تميم في افتتاح دور الانعقاد العادي الـ47 لمجلس الشورى القطري، نوفمبر الماضي، إن "عدد المصانع في الدولة ازداد عما كان عليه قبل الحصار بنسبة 14 بالمائة"، مُحذرًا من إضعاف العلاقات الخليجية المُترديّة لقدرة الدوحة على حل مشاكل المنطقة.

    لكن تبقى الخسائر أوضح من أن تخفى على الأعين، وتحملها بعض البيانات والتصريحات القطرية الرسمية ذاتها بين طيّاتها. فقد أقرّ وزير المالية القطري علي شريف العمادي، في مايو الماضي، بأن "بلاده واجهت أوقاتًا صعبة بسبب المُقاطعة، لاسيّما خلال الأسابيع الأولى منها"، فيما اعتُبِر أول اعتراف رسمي من الدوحة بخسارتها أمام الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب.

    وفي أبريل الماضي، اعترفت الخطوط الجوية القطرية، بتكبدها خسارة كبيرة في السنة المالية المنقضية، بسبب حظر عمل الشركة في الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب.

    وفي مقابلة سابقة مع قناة دويتشه فيله الألمانية، قال جابر الحرمي، المحلل السياسي ورئيس تحرير جريدة الشرق القطرية، إن "الكل خرج خاسرًا في الأزمة الخليجية".

    وأضاف: "الأُسر والعائلات تشتت شملها كما خسرنا منظومة مجلس التعاون الخليجي وخسرنا الاستقرار في المنطقة ونعيش حالة استنزاف دائم".

    اتفق معه سليمان العقيلي، الكاتب والمحلل السياسي السعودي، على أن الكل قد خسر بالفعل في هذه الأزمة، لكنه أضاف خلال مقابلته أن أهداف المقاطعة لم تتحقق لأن "قطر لم تقدم أي تنازلات وكان العناد هو المحرك لردود الفعل القطرية".

    بداية التحوّل.. إشادة ودعوة

    رغم تأكيدات أطراف الخِلاف أن "الحل في تقديم تنازلات"، فثمة نقطة تحوّل بدت في تغيّر لهجة المملكة العربية السعودية تجاه قطر بعد إشادة ولي العهد باقتصاد الدوحة، للمرة الأولى منذ اندلاع الأزمة.

    وقال الأمير محمد بن سلمان، خلال كلمته بمؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار بالسعودية، أكتوبر الماضي: "رغم خلافنا معها، إلا أن اقتصاد دولة قطر سيكون قويًا ومختلفًا بعد 5 سنوات من الآن".

    وفي الوقت ذاته، أكّد وزير الخارجية السعودي السابق عادل الجبير، في تصريحات سابقة، أن التعاون العسكري مع قطر لم يتأثر رغم الخلاف بين الدولتين. وقال، في مؤتمر صحفي بالمنامة، إن "التمارين العسكرية مستمرة واللجنة الوزارية تلتقي في مواعيدها، وذلك حتى يتم حل الأزمة مع قطر".

    3

    كما دعا العاهل السعودي أمير قطر لحضور القمة الخليجية الـ39 التي احتضنتها الرياض في 9 ديسمبر الجاري، وهو ما اعتبره البعض بادرة أمل تُمهّد لإنهاء الخِلاف الذي دبّ في الكيان الخليجي، لكنها في حقيقة الأمر لم تتجاوز حدّ الالتزام بالبروتوكولات، لا رفع المُقاطعة، حسبما قال خبراء.

    تخلّف الشيخ تميم بن حمد آل ثاني عن حضور القمة وإنابة وزير الدولة القطري للشؤون الخارجية سلطان بن سعد المريخي عنه، في خطوة أثارت انتقادات بأوساط الخليج.

    وكتب وزير الخارجية البحريني، خالد بن أحمد آل خليفة، عبر تويتر: "كان الأجدر بأمير قطر أن يقبل بالمطالب العادلة، وأن يتواجد في القمة"؛ لاسيّما وأن أمير قطر حضر القمة الـ38 بالكويت العام الماضي رغم غياب قادة السعودية والإمارات والبحرين وكذلك سلطنة عُمان.

    فيما ردّ وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني، في مقابلة مع قناة "سي إن بي سي" الأمريكية: "لماذا يُتوقّع أن يُلبّي الدعوة لحضور قمة الرياض إلى جانب (دول الحِصار)، في حال لم يتم احترام دعوة ومبادرة أمير الكويت في السنة الماضية؟".

    جاء ذلك فيما لا تزال الدول العربية الأربع متمسّكة بمطالبها الـ13 التي قدّمتها لقطر. وخرج البيان الخِتامي للقمة الـ39 بتوصيات عامة، أبرزها تأكيد موقف الدول الأربع المقاطعة لقطر بالقول إن "الأشقاء في قطر يعلمون ما هو مطلوب منهم للعودة كعضو فعال في المجلس".

    الأزمة "محلك سر": لا تقدّم ملموس

    وفي مقابلة مع صحيفة الشرق الأوسط، قال وزير الخارجية البحريني إن "الخلاف مع قطر عميق جدًا ووصل إلى نقطة غير مسبوقة". وأضاف: "قطر في هذا الخلاف أحرقت جميع سفن العودة إلى مجلس التعاون، فلابد من اتفاق جديد ونظام جديد"، موضحًا أن "القوات الأجنبية على الأراضي القطرية أكبر تهديد وضعته الدوحة لدول التعاون الخليجي".

    أما وزير الخارجية القطري فأرجع سبب استمرار الخِلاف إلى "عدم رغبة بعض الدول المُقاطعة- التي يُطلق عليها دول الحِصار- في حل الأزمة".

    وقال في مقابلة مع الفاينانشال تايمز البريطانية: "لا يوجد تقدم حتى الآن مع المقاطعة، وأي بادِرة نحو المصالحة يجب أن تأتي أولاً من الدول المُقاطعة لقطر، خاصة من المملكة العربية السعودية".

    مباحثات حلحلة بلا نتيجة

    وكشف الوزير القطري أن مُباحثات سعودية كويتية تُجرى لحل الأزمة، غير أن "الموقف الواضح يُشير إلى أنه لا يوجد تقدّم في موقف الدول المُقاطعة لحل الخلاف القائم، فيما تحافظ قطر على موقفها وتدعم الوساطة الكويتية"، بحسب قوله.

    جاء ذلك على خلفية دعوة أمير قطر، أطراف الأزمة إلى التوصل إلى حل عبر "الحوار القائم على الاحترام المتبادل". وقال تميم، في افتتاح مؤتمر "منتدى الدوحة"، إن "موقف قطر لم يتغير في مسألة حل أزمة الخليج برفع الحصار وحل الخلافات بالحوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول".

    الأمر الذي استنكره مسؤولون خليجيون. وقال وزير الخارجية البحريني: "قطر تدعو للحوار ولا يحضر أميرها قمة الرياض، وتدعو للاحترام المتبادل وهي تهاجم قياداتنا ودولنا على مدار الساعة. وفوق ذلك لا ندري عن أي حِصار يتكلمون".

    بالمثل، اعتبر وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية أنور قرقاش، أن دعوة أمير قطر "ازدواجية تحمل بصمات الأمير السابق، والمُختصر أننا في ظل هيمنته لن نرى تغيرًا جوهريًا يتيح للقيادة الشابة إدارة الأمور بواقعية".

    وشدّد على أن الإجراءات التي اتخذتها الدول الأربع لدرء التدخلات القطرية "سيادية وسياسية". وتابع في سلسلة تغريدات عبر تويتر "ندرك أن الدوحة ستعود إلى رُشدها وإلى محيطها الخليجي في الوقت المناسب".

    فيما رأى نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله أن "قطر لم تحرق مراكب العودة إلى المصالحة على الإطلاق، ولن تحرقها.

    إعلان

    إعلان

    إعلان