مجدي الجلاد يكتب: عمري 55 سنة..!

الكاتب الصحفي مجدي الجلاد

مجدي الجلاد يكتب: عمري 55 سنة..!

مجدي الجلاد
08:38 م السبت 07 سبتمبر 2019

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

أتممت الآن الخامسة والخمسين.. ولدت فجر 6 سبتمبر 1964.. ولكن والدي استخرج شهادة ميلادي في أول أكتوبر.. عرفت السبب حين كبرت.. كان والدي معلماً في التربية والتعليم، فأراد أن يجعل سني بـ«المازورة» على دخول المدارس.. أو هو أراد أن يضحك على الحكومة في 24 يوماً من عمري..!!.. المواطن المصري اعتاد أن تقهره الحكومة ليل نهار.. فلماذا لا يخدعها ويخرج لها لسانه فيما يملك؟! عياله طبعاً أغلى ما يملك..!

تقول منظمة الصحة العالمية إنني مازلت شاباً، إذ رفعت المنظمة مؤخراً سن الشباب إلى 65.. أما ثقافتنا فتراني «الحاج مجدي» ويلّا حُسن الختام.. بينما لا أرى نفسي شيخاً عجوزاً ولا شاباً يافعاً.. أنا طفل.. عشت طفلاً وسأموت طفلاً..!

يقول لي بعضهم «عمرك مش باين على وشك».. أقرأ المعوذتين في سرى، ثم أرد: لأنني طفل.. أعيش مع مجدي كما هو.. أفعل ما يسعده مهما كان تافهاً.. وأنأى به عن صراعات ومؤامرات الدنيا التي لا تنتهي.. إن زاحموني في مكان تركته لهم وبنيت مكاناً جديداً.. وإن طعنوني في ظهري نمت ليلاً أضمد جرحي دون كراهية أو رغبة في الانتقام من أحد.. فلا قلبي قادر على أثقال الحقد والضغينة، ولا أنا أرى أو أكترث بمن يقذفني أو يطعنني من الخلف.. يكفي أنه ورائي.. تفصلني عنه سنوات ضوئية.. وقبل أن أغمض عينيّ، أقول لنفسي: لا تحزن.. كان في حياتك ومات..!

عشت ألف عام.. لأنني رأيت ما لم يره الكثيرون.. وتعلمت أن اللحظة التي تمر من حياتي هي نعمة كبيرة من خالقي، وهي أيضاً درس لا يتوفر في المدارس والجامعات.. الحياة أعظم مدرسة لمن يتفكر، وهي أيضاً أعمق مقبرة لأولئك الذين يظنون أنها لن تسير دونهم.. أو الذين يتوهمون أنهم يأمنون مكرها..!

عمري هذا يقول لكم إنني أنتمي لجيل متفرد في تاريخ مصر.. جيل رأى، وعاش كل التحولات الكبرى والأحداث الخطيرة.. جيل «شقلبته» بلده مرات ومرات..!

التاريخ في العالم يكتبه المنتصرون.. وفي مصر يكتبه من يحكم..!

قالوا لنا ونحن نحبو في أول الطريق إن الملك فاروق كانوا يعصرون له خروفاً وخمسين جوز حمام في كوب على الإفطار..! صدقناهم.. ثم قالوا لنا إن الاشتراكية هي الخيار الوحيد للتقدم، الاشتراكية هي العدالة والمساواة والشفافية.. صدقناهم، فغرقت مصر في الفساد والجهل والفقر.. ما زلت أرى أمي- يرحمها الله- وهي تصرخ «عبد الناصر مات.. طيب إزاي يموت؟!.. مصر ضاعت ياولاد!».. كانت أمي واحدة من ملايين لم يدُرْ بخلدهم أن الرجل قد يموت.. غير أنه مات، ولم تضع مصر..!

مات «الزعيم» بعد موت مشروعه القومي بعدة سنوات.. فكتبوا لنا على السبورة إن الاشتراكية أضاعت كل شيء حتى الأرض، صدقناهم، وركبنا خلف السادات في قطار الانفتاح الاقتصادي، فأخذنا القطار إلى بورسعيد.. في المدينة الباسلة اشترينا «شرابات حرير ولبان مستورد وبدلة حمادة وبنطلون شارلستون وقميص مشجر».. هكذا كان انفتاحنا.. فرأينا لأول مرة أثرياء المرحلة، وغرقت مصر في أمواج الفهلوة والثراء السريع..!

أحببت السادات، رغم انفتاحه العشوائي، لأنه أعاد الأرض والعرض.. ولكنهم اغتالوه في نفس يوم انتصاره عام 1981.. مات السادات على يد تيار الإسلام السياسي الذي أخرجه بيده من الجحور..!

«شقلبتنا» الدنيا من جديد مع حسني مبارك.. لم نعد نعرف في أي اتجاه نسير، وبدا الرجل كأنه لم يكن راضياً عن سير عبدالناصر نحو اليسار، ولا عن جري السادات صوب الانفتاح الاستهلاكي.. مبارك ركب عربة مصر المعطوبة، ودخل بها «الجراج».. الرجل ليس مبدعاً ولا مغامراً.. لذا فقد أدارها بمنطق ونظرية «الموظف الميري» فأصبح نموذجاً للفرص الضائعة.. ولكنه رحل حين ظن الكثيرون أنه أقوى من الرحيل..!

علمتني الحياة أن الكراسي بلا قواعد أو مسامير.. تبدو للوهلة الأولى أبدية ثابتة كالجبال.. وفي لحظة تكتشف أنها كانت معلقة في الهواء.. رأيتها تطير في الهواء، وكأن الجالس عليها لم يمكث يوماً أو بعض يوم..!

قرأت في الصغر لنجيب محفوظ والعقاد وتوفيق الحكيم، وقرأت مع أبنائي لأحمد مراد وأحمد خالد توفيق.. تمايلت على صوت عبدالحليم وأم كلثوم وفيروز، ولكنني لم أستطع التعامل مع حمو بيكا ومجدي شطة وحفلات محمد رمضان بجسده العاري.. ضحكت من قلبي على إسماعيل ياسين والنابلسي وزينات صدقي والقصري والريحاني وعادل إمام وسمير غانم.. وما زلت أقهقه مع محمد هنيدي وأحمد حلمي وعمرو عبدالجليل..!

أخذت من أبي مصروفاً 5 قروش وأنا أقبّـل يده، وأعطيت ابني مصروفاً يزيد على أول مرتب تقاضيته في حياتي، فنظر إلي شذراً «إيه ده يا حاج؟!.. ده ما يجيبش سندوتش ماك».. لا أحب برجر ماك لأنني أكلت على الطبلية ولمة العيلة.. وفي بيتي الآن «زير وصينية قلل قناوي».. جربت أن أشرب منها، ولكن طعم الماء تغير، لم يعد بمذاق البراءة بتاعة زمان..!

أي منا لم يعد بريئاً.. أنا، أم الزمن؟!.. سؤال حيرني كثيراً.. في ظني أن كلينا يرى الآخر غريباً.. فلا أنا أريد أن أكبر وأغادر طفولتي.. ولا الزمن يقبل أن أفرض عليه هذه الطفولة.. والمحصلة أننا أبرمنا اتفاقاً ضمنياً.. أعيش طفلاً كما أحب، عليّ أن أتحمل ضربات الزمن مبتسماً، مصطنعاً أنني لا أفهم شيئاً من حولي...!

صفقة رابحة للطرفين.. خصوصاً أنها أثمرت فهماً خاصاً للحياة أراحني ويريحني كثيراً.. فلسفة وطريقة حياة نبتت من دروس وتجارب بعمق المحيط.. صدقني يا صديقي خذها مني وأنا في الخامسة والخمسين صادقة لوجه الله- تعالى-:

- عش كما أنت.. عش نفسك الحقيقية.. لا تحاول إرضاء الآخرين على حسابك.. فلن يرضى عنك الجميع، حتى لو منحتهم روحك على كفيك.

- جبر الخواطر بالدنيا وما فيها.. هو مفتاح رضا الخالق.. لا تردَّ محتاجاً أو مكلوماً.. ولا تنسَ أنك بحاجة دائمة للآخرين، فكن لمسة تضمد الجراح، وذراعًا يتكئ عليه الضعيف، وجيبًا مفتوحًا للقمة تسدّ جوع مسكين.

- لا تتنازل عن مبادئك، وإن منحوك الذهب.. ولكن لا تتردد في تغيير قناعاتك مع الزمن.. فليس عيباً أن تقول: لقد كنت مخطئاً والآن فهمت أكثر.. السنوات كفيلة بكشف الكثير، وما خفي اليوم ستعرفه بسهولة غداً.. وتغيير القناعات يبدأ بالمعرفة.

- تَصدّق بعلمك وخبراتك، لأن الصدقة ليست مالاً فقط.. إن منحك الله نجاحاً فاعلم أنه ابتلاء واختبار.. فاجعل نجاحك مدرسة مجانية لتلاميذ يبدأون الطريق.. علّمهم بنفس راضية، وافتح لهم طريق النجاح، كما فتحه لك آخرون.. سيقول أحدكم: وإن تنكروا لي فيما بعد؟!.. وأقول عن تجربة: حتى إن طعنك بعضهم.. استمد قوتك من الأوفياء.. ثم افتح باب القبول لدفعة جديدة وواصل العطاء.. واعلم أنك تفعل ذلك لنفسك أولاً.. فاليد العليا خير من اليد السفلى.. ورصيدك في الحياة القصيرة يُقاس ببصماتك وتلاميذك في كل مكان..!

- لأن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة.. ستواجه حتماً عقبات وأزمات كثيرة.. لا تفعل أكثر من استدعاء قدرتك على التحدي.. نعم أنا أستطيع.. فما لا يعرفه الكثيرون أن الله خلق بداخلنا قدرات وإمكانيات خارقة، ولكننا لا نستدعيها، ولا نستخدمها.

- ستواجهك أحياناً صخور وجدران حصينة، قد تغلق عليك الطريق.. لا تحاول تحطيمها أو إزالتها برأسك.. ما عليك سوى التوقف قليلاً للتفكير مع خطوة «محلك سر».. خطوة تنظيم أنفاس مع الحفاظ على الحركة الذاتية.. حتماً ستفتح لك الأقدار طريقاً تمر منه.. الله يا صديقي أقوى من صخور البشر وجدران الظلام.

- الاستغناء فضيلة كبرى، وخط دفاع قوي ضد مغريات وملذات الدنيا.. تعلم أن تستغني برضا عن أي شيء قد يجعلك عبداً له.. لا تدفع إنسانيتك ونقاءك ثمناً رخيصاً لمتعة زائفة.. كن مستغنياً عن دُنيا تلهث هي وراءك.

- اجعل قصة سيدنا الخضر ونبي الله موسى أسلوب حياة.. فالله يحنو علينا بالابتلاءات.. نعم يحنو علينا.. فما يحزنك اليوم وتراه ضُراً ومصيبة، سوف تكتشف يوماً أنه كان فضلاً وخيراً واسعاً.. والله العظيم حدث هذا معي كثيراً ولمسته بيدي.. لذا قل: يا رب مسّني الضُر وأنا أعرف أنه خير لدنياي وآخرتي، فعجل لي خيرك، وأجزل لي عطاءك وفضلك.

- لن تسلم في حياتك من الطعنات والقهر وغلبة الرجال.. لا تحزن يا صديقي.. ارفع يديك إلى السماء وقل «اللهم إني مغلوب فانتصر».. وإن أردت المزيد قل «اللهم أرني في من ظلمني آية».. وعزة الله وجلاله سينصرك، وسترى آياته رأى العين.

وبعد.. هذه خلاصة 55 سنة من «المرمطة والشقلبة والدحرجة واللطمات والهزائم والانتصارات والسباحة ضد التيار ومعه».. تجربة طفل كبير لا يدّعي الفضيلة ولا الحكمة.. أخطأ، وأصاب.. ولكنه عاش، وعايش، ورأى الكثير، مما يقال ولا يقال..!

كل لحظة وأنتم جميعاً مصريون رائعون.. وكل عام- إن كتب الله لي عمراً- وأنا طفل يسبح راضياً مبتسماً وسط الأمواج المتلاطمة.

إعلان

إعلان

إعلان