•  بلقنة إثيوبيا

    محمد جمعة

    بلقنة إثيوبيا

    محمد جمعة
    09:00 م الأربعاء 26 يونيو 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    كشفت محاولة الانقلاب التي أعلن عنها مساء السبت الماضي، 22 يونيو الجاري، في إثيوبيا أن أسفل الصورة البراقة للديمقراطية الإثيوبية تكمن مجموعة من النزاعات الإثنية عميقة الجذور، والتي لا تمثل سياسات النظام الحالي قطعا معها، بقدر ما تمثل محاولة لتغيير ميزان القوى لصالح أبناء هذه الإثنية أو تلك. ففي الوقت الذي كانت فيه إثنية الأمهرة تمثل النخبة الحاكمة لقرون، هناك من يشير الآن إلى أن سياسات آبي أحمد رئيس الوزراء الحالي تدفع في اتجاه التعزيز الإثني لأوروما و"التيجراي" ولو بشكل ضمني، الأمر الذي أضاف عمقا جديدا لدعاوي استقلال الولايات عن بعضها البعض على أساس إثني. وليس بلا مغزى – في سياق كهذا- أن تكون ولاية "الأمهرة" – الواقعة شمال إثيوبيا – هي الساحة التي شهدت الأحداث الرئيسية لمحاولة الانقلاب، كونها من بين أهم الولايات التي تدعو للاستقلال بل وضم أجزاء واسعة من ولايات أخرى لها، وذلك على خلفية نزاعات إثنية عميقة في داخل إثيوبيا، في الوقت الراهن تشير الكثير من التقارير الغربية إلى انقطاع خدمة الإنترنت عن إثيوبيا منذ نحو عشرة أيام، ما يعني ربما محاولة التعتيم على ما يحدث حاليا هناك.

    وهنا تجدر الإشارة إلى أن سياسات أبي أحمد لم تؤد إلى تفكيك النظام الإثني في البلاد، بقدر ما عززت البعد الإثني والدعوات القومية لحكم ذاتي مستقل للولايات، وسيطرة وسلطات أقل للحكومة الفيدرالية. ولهذا تؤكد الكثير من المعطيات أنه يبدو من المستحيل تهدئة جميع الأطراف في ظل صراع واستقطاب حاد أفرز عنفا وعصيانا بالفعل، وكانت محاولة الانقلاب أحدث فصوله.

    فمن جهة، لم تنفذ جبهة تحرير شعب التيجراي المهيمنة سابقًا مذكرة اعتقال فيدرالية لرئيس المخابرات السابق، وهو عضو في المكتب السياسي للحزب، ورفضت لجنة للنزاعات الحدودية الداخلية. وتخوض نزاعا بالفعل مع الجبهة الحاكمة في ولاية أمهرة؛ وتمثل عقبة أمام التطبيع مع إريتريا.

    أما في أمهرة، فالنغمة العرقية الداعية لاستقلال الأمهرة هي السائدة، كما يتضح من الحركة الوطنية الأمهرية (NaMA) التي تطالب بضم أراضٍ من أقاليم التيجراي وأوروميا و بني شنقول "قماز" إلى الأمهرة، حيث تعتقد أنها تنتمي تاريخيا إلى الأمهرة. وفي العام الماضي، طردت مجموعات من السكان المئات من قومية التيجراي إلى خارج الإقليم، فآثر المبعدون اللجوء إلى السودان، حيث وفرت الحكومة السودانية للاجئين مناطق إيواء مؤقتة في نقاط معينة بولاية القضارف الحدودية.

    أما في منطقة الأمم الجنوبية المتعددة الأعراق، فقد فقد حزب الجبهة الحاكم سلطته، حيث يرفع مجتمع سيداما، وآخرون مطالبات باستقلال مناطقهم. وتشهد المنطقة الجنوبية الأكثر هشاشة على نحو متزايد العديد من الدعوات المطالبة بالحكم الذاتي القائمة على العنف، والتي تعود جزئياً إلى الرغبة في التحكم في الميزانيات، فضلاً عن النزاعات القائمة على الموارد.

    باختصار، إثيوبيا مقبلة على دورة اضطرابات وأحداث عنف جديدة. وبالنظر إلى عدم قدرة حزب الجبهة الثورية الحاكم على بسط سيطرته ونفوذه داخل ولاية الأمهرة، ربما تكون محاولة الانقلاب هذه فاتحة أحد فصول العنف والاضطراب في إثيوبيا. والأكثر من ذلك أن بعض التقديرات لمراكز أبحاث غربية مرموقة ترى أن الانتخابات القادمة في العام المقبل –إن حدثت أصلا- وما سيتلوها من تطورات ستؤدي إلى بلقنة إثيوبيا لتتحول إلى "يوغوسلافيا إفريقيا".

    إعلان

    إعلان