• 6  أكتوبر.. فصول من بهجة النصر

    د. هشام عطية عبد المقصود

    6 أكتوبر.. فصول من بهجة النصر

    د. هشام عطية عبد المقصود
    09:00 م الجمعة 04 أكتوبر 2019

    جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

    يحفل تاريخ الأمم الكبيرة، ذات الحضارة والثقافة والتراث الممتد عبر آلاف السنين بالتواريخ والأحداث العظيمة، لكن من بينها يبرز بعضها مشرقا طيبا زاهيًا، في السادس من أكتوبر 1973 عرفت مصر وما زالت واحدًا من أهم إشراقاتها التاريخية والباقية أبدا، حيث ذكرى النصر، والذي عبر عن تحول نوعي في العقلية والطريقة والأداء فأنتج أثرًا بهيًا، ومثل بلورة للإرادة والجوهر النقي في نفوس وسلوك الشعب المصري الذي أسس أول دولة في التاريخ وقدم للبشرية مشاركة جليلة هي عنصر محوري في الثقافة والتراث الإنساني العالمي.

    على هذه الأرض قدم أبناء مصر وأبطالها تأكيدًا لم يتوارَ بشغف المحبين الأصلاء، بأن مصر إن أرادت واستعدت أنجزت، وإن سخرت جهدها وفكرها حققت، فانتصرت وعاشت أبية ما شاء الله للتاريخ والحياة أن يستمرا.

    إن الانتصارات والمعارك الملحمية في تاريخ البشرية لا تصنعها الصدفة أو جهد متفرق لا تصهره غاية جماعية، ولهذا تبقى حية نابضة في نفوس وأرواح كل البشر باعتبارها تعبر عن روح الأمة الحضارية، تبقى لتثبت المكانة في المستقبل وتمد للحاضر جذرًا في أرض وسماء الوطن، وهكذا صنع يوم 6 أكتوبر ومثل ملحمة ونصرًا، وكان أبطال مصر من جنودها وضباطها أبناء مواطنيها وأهلها البسطاء العامرين باليقين، هم جوهرة التاج الذي وقف تحت رايته المنصورة المرتفعة الجميع ليأخذوا صورة وضاحة تعبر بها الأجيال وتمضي، مؤكدة على العزم والفعل، على ذلك الشيء الذي نعرفه ويتملكنا فيتخللنا نبضًا وشغفًا حين نسمع نشيدنا الوطني، هي روح الوطن التي نحمل جيناته ونمنحها محبين للأبناء والأحفاد، دمًا وجسدًا وروحًا.

    يمنح تاريخ النصر العظيم مساحة للتأمل عن كيف نعيد تثبيت ما يلزم وجوهري في مدركات وعقول أجيال جديدة، لتعلم بالضرورة أهمية هذا النصر وما صنعه من تحول مهم، عبر بالمجتمع وبسرعة الضوء من هزيمة إلى نصر، ومن ألم إلى تحقق وفرح، ومن عسر إلى يسر مديد، نحتاج أن نستلهم ونستعيد الهدف والعمل والأمل.

    وهكذا يمنحنا السادس من أكتوبر ظله الطيب الممدود، لنعيد ضخ قيمة حب الوطن والعمل الجماعي الملهم في نفوس الشباب، العمل الذي يبتغي الوطن والناس الذين يعيشون على جغرافيته الفذة، يمنحنا فهما ووعيا بكيف قاومت مصر وقع الهزيمة من أول يوم فاستعدت وخططت وعملت، وشارك المواطن محبًا مختارًا متشجعًا صبورًا في التضحيات، إيمانا منه بالهدف والغاية، ثم ذلك الحب "حب الوطن" الذي هو هبة من الله يستقر في النفوس فيمنحها طمأنينة وأملاً.

    تستدل بعض الكتابات عن ذلك التاريخ بشيء نضر، يرونه ملمحًا عابرًا بسيطًا وأراه عظيمًا، أنه لم يُسجل في هذا اليوم العظيم حوادث أو جرائم مما تحتشد به مفردات السلوك اليومي وتدافع البشر في كل المجتمعات وعبر كل التواريخ، لكنني أتوقف مندهشًا ومحبًا معًا أمام هذه الملاحظة البسيطة، وأحمل دلالتها بأن الكل كان هناك مع أبطال جيش مصر وهم يخوضون معركة الجميع، دفاعًا عن الأرض وعن حق الوجود فخرًا وعمقاً في التاريخ والمكانة.

    أتذكر وقد راقبنا أطفالاً اجتماع شمل الأسرة حول مذياع الصالة الذي يحمله المكتب الخشبي العتيق، نتابع ونخرج إلى البلكونات نستطلع الحكاية من وجوه الجيران، ونحفظ الأسماء، أسماء الأبطال المجهولين العاديين ممن صاروا لدينا نجوما حقيقية، تلمع وتضيء، وكيف لا والمجتمع كله يحتفي بهم، ونعيد كأطفال المشاهد كأننا هم وكأنهم نحن، الحكايات ذات التفاصيل البهية عن عبدالعاطي ومحمد المصري صائدي الدبابات، ومحمد العباسي من أوائل من عبروا القناة ورفع العلم انتصارًا ممهورًا بدمه، نتمثل بطولاتهم جميعا، ونفرح معهم ونستعيد بعضا من سيرة العطاء الذي لا يسأل الوطن مقابلاً التي علمونا إياها، والتي تهفو لها القلوب وتصفو بها مقامات الحكي.

    سوف تمنحنا الصور زخمًا نفسيًا طيبًا في ذكري النصر، كما يمكن للأفلام السينمائية أن توثق بعضًا من أبعاد تلك الملحمة العظيمة وتقربها من حيز الزمان، لكننا وفي عصر الوسائط التي تتأسس على الإننرنت، وفي زمن شاشات الموبايل التي تمثل ثقافة العصر ووسيلته العارضة الأهم نحتاج إلى أفكار أخرى مستجدة ونمطًا تفاعليًا خلاقا في إعادة بناء منجزنا المجتمعي العظيم، يأخذ البعدين البطولي والإنساني معًا ويتحرك بهما لبناء حكايات محببة عن البشر والناس عن الحياة والنصر، حكايات ملحمية، جذابة ومشوقة، تقدم الإنسان المصري الذي صنع الفارق، عن الشاب البسيط الذي ترك كل شيء غير وجل - حلمه الشخصي وحياته - ليكون هناك يعبر ويغرس علم الوطن، وهو بلسان صدقٍ مبينٍ يقول: "تعيشي يا بلدي وعلمك مرفوع على يدي"، عن أولئك الجنود والضباط من "ولاد مصر" أبناء الفلاحين والعمال والمهنيين وخريجي الجامعات الذين شكلوا قوام النصر، أبناء مصر الطيبين، وحيث في ذلك الزمان الجميل وفي التاريخ الذي يبقى أبدًا، في السادس من أكتوبر 1973 العظيم "رجعنا ابتسامة مصر".

    إعلان

    إعلان

    إعلان