إعلان

رقصة المواجهة بين إيران وأمريكا

محمد جادالله

رقصة المواجهة بين إيران وأمريكا

محمد جادالله
07:00 م الإثنين 12 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

تظل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، منذ ثورة 1979، واحدة من أكثر العلاقات الدولية تعقيدًا واضطرابًا، أشبه بـ«رقصة حافة الهاوية» التي لا يعرف أحد متى تنتهي بسقوط مدوٍّ. هذه الرقصة شهدت تحوّلًا دراميًا بين إدارتين أمريكيتين متعاقبتين: الأولى بقيادة باراك أوباما، التي راهنت على «الدبلوماسية الناعمة» و«الاحتواء عبر الاتفاق»، والثانية بقيادة دونالد ترامب، التي تبنّت سياسة «الضغوط القصوى» و«الانسحاب الأحادي».

إن هذا التباين الصارخ في الأسلوب لم يكن مجرد اختلاف في التكتيك، بل كان انعكاسًا لـ«صراع أيديولوجي» داخل العقل الأمريكي حول كيفية إدارة التحدي الإيراني، وهو صراع يدفع الشرق الأوسط ثمنه غاليًا، حيث تتأرجح المنطقة بين «هدوء حذر» و«تأهّب دائم» للحرب.

صديقي القارئ، نحن هنا لا نقرأ تاريخًا منتهيًا، بل نتابع فصولًا مفتوحة من لعبة سياسية ما زالت نيرانها تحت الرماد.

في عهد أوباما، سادت رؤية ترى أن احتواء إيران لا يمكن أن يتم عبر القوة وحدها، بل يتطلب «انخراطًا» و«تفاهُمًا» يضمنان تجميد برنامجها النووي. وقد توّجت هذه الرؤية بـ«الاتفاق النووي» (خطة العمل الشاملة المشتركة)، الذي كان بمثابة «نقطة تحوّل» تاريخية. وكان أوباما يهدف إلى دمج إيران تدريجيًا في النظام الدولي، معتقدًا أن ذلك سيخفف من حدّة سلوكها الإقليمي. هذه السياسة، التي اعتمدت على «الجزرة» (رفع العقوبات) مقابل «العصا» (تجميد النووي)، أثارت قلق حلفاء أمريكا التقليديين في المنطقة، الذين رأوا فيها «تخلّيًا» عن دورهم، وتكريسًا للنفوذ الإيراني.

هنا يا عزيزي تبدأ المعضلة الحقيقية، حين يتحول القرار السياسي في العواصم الكبرى إلى قدر يومي تعيشه شعوب المنطقة.

أما مع وصول دونالد ترامب، فقد انقلبت الطاولة رأسًا على عقب. فرغم أن ترامب يرى في الاتفاق النووي «أسوأ صفقة في التاريخ»، تبنّت إدارته سياسة «الضغوط القصوى»، التي تقوم على فكرة أن «الخنق الاقتصادي» هو السبيل الوحيد لإجبار طهران على تقديم تنازلات أوسع تشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. لقد كان انسحاب ترامب الأحادي من الاتفاق بمثابة «إعلان حرب اقتصادية» أعاد المنطقة إلى «مربّع الصفر»، بل إلى ما هو أسوأ. فبدلًا من أن يرضخ النظام الإيراني، ردّ بـ«تصعيد مضاد»، سواء عبر استئناف تخصيب اليورانيوم أو عبر تكثيف هجمات وكلائه في المنطقة.

يا صديقي، في هذه اللحظة بالذات يتجلّى الفرق بين سياسة تحاول تطويق الخطر وأخرى تختبر حدود الانفجار.

إن هذا التخبط الأمريكي، بين «الاحتواء الدبلوماسي» و«الضغط الأقصى»، يضع المنطقة في حالة «سيولة خطِرة». ففي عهد أوباما، كان القلق يتركز حول «النفوذ الإيراني» المتزايد، بينما تحوّل في عهد ترامب إلى «احتمالية اندلاع حرب» إقليمية شاملة. لقد أثبتت حادثة اغتيال قاسم سليماني والرد الإيراني عليها أن المنطقة أصبحت على «حافة الهاوية»، وأن أي خطأ في الحسابات قد يفضي إلى كارثة لا تُحمد عقباها.

لحظة واحدة يا صديقي من التسرّع كانت كفيلة بأن تغيّر وجه الشرق الأوسط بأكمله.

الشرق الأوسط، الذي يمثّل «ساحة التنافس» الرئيسية بين واشنطن وطهران، هو الضحية الأكبر لهذا التباين. فكل إدارة أمريكية تأتي لتمحو ما فعلته سابقتها، مما يخلق حالة من «عدم اليقين» الاستراتيجي، ويدفع الدول الإقليمية إلى «إعادة التموضع» والبحث عن توازنات جديدة، سواء عبر التقارب مع قوى أخرى أو عبر محاولة بناء «قنوات خلفية» مع طهران لضمان أمنها الخاص.

يا عزيزي، وسط هذه اللوحة المعقّدة، يصبح الاستقرار حلمًا مؤجّلًا، وتتحوّل السياسة إلى مقامرة مفتوحة.

في الختام، إن العلاقة بين إيران والولايات المتحدة ليست مجرد قضية ثنائية، بل هي «مفتاح» استقرار المنطقة. إن سياسة ترامب، التي راهنت على «الكسر» بدلًا من «الإصلاح»، لم تحقق أهدافها، بل زادت من حدّة التوتر وأعادت إحياء البرنامج النووي الإيراني. إن المنطقة تحتاج إلى «استراتيجية أمريكية موحّدة» ومستدامة، لا تتغيّر بتغيّر الرؤساء، استراتيجية تجمع بين «الردع القوي» و«الدبلوماسية الفعّالة»، وتأخذ في الاعتبار مصالح حلفاء أمريكا الإقليميين. فما لم تتوقف واشنطن عن «رقصة حافة الهاوية»، ستظل المنطقة تحت رحمة «التقلّبات المزاجية» للبيت الأبيض، وهو ثمن باهظ لا يمكن تحمّله.

صديقي القارئ، نحن لا نقرأ السياسة فقط، بل نقرأ مستقبلًا يُعاد تشكيله كل يوم على أعصاب هذه المنطقة.

كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط
mohamedsayed@art.asu.edu.eg

إعلان

إعلان