كيف تعيد مصر رسم خريطة تداول الغاز في شرق المتوسط؟
كتب : أحمد الخطيب
الغاز الطبيعي
كتب- أحمد الخطيب:
تتحرك مصر في مسارات متوازية لتعزيز موقعها كمركز لتداول وتجارة الغاز الطبيعي في شرق المتوسط، مستفيدة من بنيتها التحتية، وموقعها الجغرافي، واتفاقياتها مع الشركاء الأجانب ودول الجوار، تزامنًا مع ما يشهده سوق الطاقة الإقليمي تغيرات متسارعة.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى مزيج من التصدير الموسمي، وتسييل وتغييز الغاز، ودعم دول الجوار بالإمدادات، إلى جانب زيادة الإنتاج المحلي، بما يسمح لمصر بإعادة ترسيخ دورها كمحور رئيسي لتدفقات الغاز في المنطقة.
وفي هذا السياق، قال المهندس مدحت يوسف، رئيس هيئة البترول الأسبق، إن مصر تمثل مركزًا إقليميًا لتداول الغاز الطبيعي منذ فترة مبكرة، تعود إلى بدايات القرن الحالي مع إنشاء خط الغاز العربي، الذي استهدف توصيل الغاز المصري إلى كل من الأردن وسوريا ولبنان.
وأوضح يوسف، أن إنشاء محطات الإسالة المصرية في التوقيت نفسه عزز من دور مصر كمركز لتصدير الغاز الطبيعي المسال إلى دول أوروبا ودول الجوار، قبل أن تشهد البلاد لاحقًا فترة تراجع في إنتاج الغاز الطبيعي، انعكست على توقف صادرات الغاز المسال، والاكتفاء بتوريد الغاز إلى الأردن فقط وبكميات محدودة.
وأشار يوسف، إلى أن المشهد تغير مجددًا مع ارتفاع إنتاج الغاز الطبيعي بعد اكتشاف حقل ظهر، حيث عادت مصر إلى تصدير الغاز المسال، واستؤنف تصدير الغاز الطبيعي إلى الأردن، في حين توقفت إمدادات الغاز بشكل كامل إلى سوريا ولبنان نتيجة الصراعات الداخلية التي شهدها البلدان.
شحنات تصديرية لصالح الشركاء الأجانب ضمن تسوية المستحقات
أحد محاور استراتيجية التصدير يرتبط بالسماح للشركات الأجنبية العاملة في مصر بتصدير عدد محدود من شحنات الغاز المسال شهريًا، في إطار تسوية جزء من المستحقات المتراكمة منذ سنوات.
وتصدر هذه الشحنات من منشآت الإسالة المصرية بمتوسط شحنتين شهريًا، بقدرة تحميل تقارب 150 ألف متر مكعب من الغاز المسال للشحنة الواحدة، وهي كميات محدودة لا تؤثر على احتياجات السوق المحلي، لكنها تمثل حافزًا مهمًا للشركات الأجنبية للاستمرار في ضخ الاستثمارات وزيادة الإنتاج.
وتأتي هذه التحركات في ظل حزمة من الحوافز التي أقرتها الحكومة المصرية لدعم الشركاء الأجانب، تشمل تسوية المستحقات، وتسهيل تصدير جزء من الإنتاج، وتسريع إجراءات الحفر والتنمية.
وأشار يوسف إلى استمرار السماح للشركاء الأجانب العاملين في قطاع البترول المصري بتصدير عدد من شحنات الغاز عبر محطتي إسالة إدكو ودمياط، بالتوازي مع توسع مصر في أدوارها الإقليمية في تجارة وتداول الغاز.
تصدير الغاز لدول الجوار
يرتبط المحور الثاني من خطة مصر بتصدير الغاز الطبيعي إلى دول الجوار، وعلى رأسها سوريا ولبنان، في ظل ما يعانيه البلدان من عجز حاد في إمدادات الكهرباء بعد سنوات من الاضطرابات وتضرر البنية التحتية.
وتشير التقديرات إلى أن سوريا تحتاج إلى نحو 50–60 مليون قدم مكعب من الغاز يوميًا لتغطية احتياجات محطات توليد الكهرباء، بينما يسعى لبنان للحصول على ما بين 50 و70 مليون قدم مكعب يوميًا عبر خط الغاز العربي، للحد من أزمة الانقطاع المزمنة.
وفي هذا الإطار، أوضح رئيس هيئة البترول الأسبق أن الظروف الصعبة التي تعاني منها سوريا ولبنان في قطاع الكهرباء، دفعت البلدين إلى البحث عن إمدادات غاز بأسعار تنافسية، ما أعاد طرح مبادرات لإعادة تشغيل خط الغاز العربي بكامل طاقته.
وأضاف أن هذه المبادرات تستند إلى توريد الغاز الطبيعي المسال المستورد عبر ميناء العقبة، على أن يتم ضخه لاحقًا عبر الخط العربي، بالتوازي مع التوافق على إعفاء سوريا من رسوم عبور الغاز المتجه إلى لبنان، مقابل السماح بمرور الإمدادات عبر أراضيها، بما يحقق منفعة متبادلة للأطراف الثلاثة.
وشدد مدحت يوسف على أن الخيار العربي للاعتماد على التسهيلات المصرية في إمداد الأردن وسوريا ولبنان بالغاز الطبيعي يمثل مسارًا لا بديل عنه، في ظل ارتباطه بمستهلكين كبار مثل محطات توليد الكهرباء، مؤكدًا أن البدائل الأخرى تمثل عبئًا ماليًا كبيرًا مقارنة باستخدام البنية التحتية المصرية.
وأشار إلى أن أبرز التحديات التي تواجه هذه الاستراتيجية تتمثل في الصراعات الداخلية داخل بعض دول العبور، وما يصاحبها من توترات أمنية، مثل تفجير خطوط الغاز في المناطق غير المستقرة، وهو ما يفرض تحديات إضافية أمام استدامة تدفقات الغاز إقليميًا.
من جانبه، قال جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، إن الحديث عن تفعيل اتفاقيات أو بروتوكولات لتوريد الغاز إلى لبنان أو سوريا ما زال في إطار التفاهمات الأولية، ولم يصل حتى الآن إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، مؤكدًا أن هذه البروتوكولات لم تتحول بعد إلى التزامات فنية أو مالية أو زمنية.
وأوضح القليوبي أن البروتوكول الخاص بمد الغاز عبر خط الغاز العربي لم يُنفذ حتى الآن، مشيرًا إلى أن الخط، وتحديدًا المسار الممتد من شمال سوريا إلى طرابلس اللبنانية، لم يخضع لأعمال صيانة أو اختبارات فنية منذ سنوات طويلة، ما يجعل تشغيله غير ممكن حاليًا دون تقييم شامل.
وأضاف أن الجزء المار عبر الأراضي السورية، بطول يقارب 62 كيلومترًا، يحتاج إلى مراجعة كاملة تشمل الحالة الفنية ومعايير السلامة واختبارات التشغيل، فضلًا عن تحديد الجهة التي ستتحمل تكاليف الصيانة والتأهيل، وهي أمور لم يُحسم أي منها حتى الآن.
وفيما يتعلق بالجانب اللبناني، أوضح القليوبي أن البروتوكول الموقّع مؤخرًا كان بروتوكول تفاهم يهدف إلى دراسة إمكانية تزويد بعض محطات الكهرباء في جنوب لبنان بالطاقة، وليس اتفاقًا تنفيذيًا لتوريد الغاز، مشيرًا إلى أن آليات التنفيذ، ومواعيد التشغيل، والالتزامات المتبادلة لم يتم الاتفاق عليها بعد.
وأكد أن تحويل أي بروتوكول تفاهم إلى مشروع قابل للتنفيذ يمر بأربع مراحل أساسية تشمل دراسة الفكرة، ووضع آليات التنفيذ، والتقدير المالي، ثم إعداد جدول زمني واضح، لافتًا إلى أن هذه المراحل لم تبدأ بعد في ملف الغاز مع لبنان أو سوريا.
وشدد القليوبي على أن ما يتداول حاليًا بشأن تصدير الغاز المصري إلى لبنان أو سوريا يجب النظر إليه باعتباره مرحلة تمهيدية، وليست مشروعات جاهزة للتنفيذ، مؤكدًا أن نجاح هذه الخطط مرهون باستكمال التقييمات الفنية، وتحديد مصادر التمويل، والاتفاق على جداول زمنية واضحة.
سفن التغييز والسيناريوهات البديلة
تعتمد مصر بشكل رئيسي على أسطول مكون من أربع سفن تغييز متمركزة في المياه الإقليمية المصرية، بطاقة تشغيلية تصل إلى نحو 2.7 مليار قدم مكعب من الغاز يوميًا.
وقال المهندس مدحت يوسف إن هذه السفن تمثل ركيزة استراتيجية تسمح لمصر بتلبية احتياجاتها المحلية، ودعم دول الجوار بالغاز، وإعادة تصديره عند الحاجة، مستندة إلى بنية تحتية متكاملة من محطات إسالة وموانئ شحن واستقبال.
وفي هذا السياق، أشار الدكتور جمال القليوبي إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة، والذي لا يزال قيد الدراسة، يتمثل في استقبال شحنات غاز مسال تشتريها سوريا عبر محطات الإسالة المصرية، ثم إعادة تغييزها باستخدام وحدات التغويز العائمة، قبل نقلها برًا عبر خطوط الأنابيب، مؤكدًا أن هذا الطرح لم يعتمد بعد ولم يحدد له إطار زمني.
وأوضح القليوبي أن هناك توجهًا لتشكيل لجنة فنية مشتركة بين وزارتي البترول المصرية والطاقة اللبنانية، تتولى انتداب مكتب استشاري متخصص لتقييم شامل لخط الغاز العربي، يشمل تحديد التلفيات وحالة الخط واختبارات التشغيل، ثم وضع تصور فني وزمني لإعادة تأهيله.
وأشار إلى أن تقييم بعض الوصلات، مثل الجزء الممتد بين سوريا والأردن، من المقرر أن تتولاه شركة فجر الأردنية، مع بحث إسناد تقييم وصلات أخرى إلى شركات مصرية مثل إنبي أو بتروجيت، مؤكدًا أن جميع هذه الطروحات لا تزال قيد الدراسة ولم تدخل حيز التنفيذ.
زيادة الإنتاج المحلي خلال 2026
بالتوازي مع التوسع في التصدير والتداول، تستهدف مصر زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي خلال عام 2026 بنحو 1.3 إلى 1.4 مليار قدم مكعب، وفق خطط وزارة البترول.
ويخصص جزء من هذه الزيادة لتعويض التراجع الطبيعي السنوي في الإنتاج، بينما يضاف الجزء الآخر إلى الإنتاج الكلي، بما يعزز قدرة الدولة على تلبية احتياجاتها، وتقليص الاعتماد على الواردات، وفتح المجال لزيادة الصادرات خلال فترات انخفاض الاستهلاك، وفق خطط وزارة البترول.
برنامج حفر مكثف خلال 2026
ضمن هذه الخطة، تعتزم وزارة البترول تنفيذ برنامج حفر يشمل 101 بئر جديدة خلال عام 2026، في الفترة من يناير حتى ديسمبر، بهدف إضافة احتياطيات جديدة من النفط والغاز وربط كميات منها سريعًا بالإنتاج.
وتشارك شركات عالمية في هذا البرنامج، من بينها "إيني" الإيطالية التي تستهدف حفر آبار جديدة في منطقة حقل ظهر، إلى جانب "بي بي" التي أعلنت التزامها بضخ استثمارات إضافية والتوسع في أنشطة البحث والإنتاج داخل مناطق امتيازها في مصر.
اقرأ أيضًا:
اكتشافات الغاز.. كم تضيف لمصر وهل اقترب الاكتفاء الذاتي في الصيف؟
بريطانيا تستثني حقل ظهر المصري من العقوبات المفروضة على روسيا
قبل الربع الأول من 2026.. مصر تخطط لسداد 750 مليون دولار لشركات النفط