"السوق التاريخي صار رمادًا".. تفاصيل ما جرى في حريق العتبة (صور وفيديو)

11:24 م الخميس 27 يونيو 2019

كتب - أحمد شعبان:
كان "أحمد الفيومي" يغطّ في نوم عميق، بأحد محال الجزارة بوسط سوق الخضار العتيق بالعتبة، قبل أن يستيقظ في الخامسة فجراً، مفزوعاً على وقع أصوات استغاثة مرتفعة، تطلب المساعدة في إطفاء نيران اندلعت بأحد محلات السوق. انتفض الرجل الخمسيني من محله، هاله مشهد ألسنة النيران، حاول مع غيره إطفاء النيران، لكنهم عجزوا عن فعل شيء، المحلات مُغلقة وبداخلها طفايات الحرائق، فانتظروا قدوم رجال الحماية المدنية "أول مرة يحصل حريق بالشكل ده في السوق، خساير الناس بالملايين"، وفق ما يقول.

تأخّر قدوم سيارات الإطفاء لأكثر من نصف ساعة، بحسب "الفيومي"، الذي يعمل بالسوق منذ 38 عامًا، زادت ألسنة اللهب التي ملأت الأرجاء "مشهد النار كان غير عادي"، زاد الأمر سوءاً حين طالت شرارات اللهب السقف الخشبي الذي يكسو جميع محلات السوق الممتد على مساحة 6 آلاف متر مربع، انتقلت النيران عبره تلتَهم لوحًا خشبياً وراء آخر، ثم تساقطت قطع الخشب المحترقة على البضائع في المحلات والمخازن فحوّلتها رمادًا، غطّى جميع أركان السوق، الذي يزيد عمره عن 100 عام، والمُسجّل كعقار ذي طابع معماري مميّز، برقم 03220000032، كما توضّح سجلّات الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

2

سرعة انتقال النيران لأرجاء السوق العتيق صعبت المهمة على رجال الحماية المدنية "في الأول مكنش موجود غير 3 عربيات، وبعدين زاد العدد"، يذكر أحمد، الذي جلس يلتقط أنفاسه، بعدما ساعد وغيره من رجال السوق في إطفاء النيران، فيما يذكر أن الحريق قد بدأ في محل تجاري يقع في أول السوق، كان قد وقع فيه حريق قبل شهر، لكن "النار موصلتش لحد غيره وقتها وطفوه علطول عشان كنا في النهار"، على حد قوله.

استمرت محاولات الإطفاء حتى عصر اليوم الخميس، بينما كان عدد من أصحاب محال الأجهزة الإلكترونية الواقعة في آخر الممر يحاولون لملمة ما تبقى من بضاعة لم تمسسها النيران، علّهم يقللون خسائرهم، التي تقدّر بالملايين، ومنهم "أحمد صالح".

في شارع العطار المتفرع من شارع الأزهر، كان الرجل الأربعيني يتابع عماله وهم ينقلون البضائع، قبل أن يجلس وسط عدد من أصحاب المحلات المتضررة في صمت وحزن "خلاص مبقاش في حاجة كل الشغل راح"، قالها أحمد حزينًا، قبل أن يوضح أن جميع بضائعه التي قدر تكلفتها بـ 5 ملايين جنيه، كانت بالمحل المُحترق "ملناش مخازن ولا أي حاجة غير المحل ده هو مصدر رزقنا الوحيد".

1

قبل 15 عامًا، قدم أحمد من الشرقية واستأجر محل لحوم مجمدة، لكنه حوّله في عام 2016 إلى محل للأجهزة الإلكترونية، كغيره من أصحاب المحلات، يذكر أن هذه المرة الأولى التي يشهد فيها السوق حريقاً كهذا، لم يتناثر إلى مسامعه أي حديث بين أصحاب المحلات عن سبب اندلاع الحريق، فيما يشرح أنه محله يحوي عدد من طفايات الحريق، "بنقفل المحل يومياً الساعة 12 بالليل، وقبل ما بنمشي بنتمم على سكينة الكهرباء كويس، لأننا بنخاف من الحرايق اللي بتحصل علطول في منطقة العتبة بشكل عام".

في الشوارع المجاورة للسوق الذي شهد الحريق، كانت رائحة الحريق تملأ أرجاء المكان، ضجيج لا يتوقف، رجال الحماية المدنية يتابعون عمليات التبريد، وعمال الحي يلملمون المخلفات الكثيرة التي خلفها الحريق، فيما تعلقت أعين المارة نحو السقف الذي لم يتبق منه سوى هيكله الحديدي بعدما احترق خشب السقف، تبدلت ملامح "سوق الخضار" وصار ما فيه من بضائع رمادًا، شاهدًا على ما جرى لأول سوق حضاري في القاهرة، بني في عهد الخديو توفيق، عام 1886، صُمم بأيدي مهندسين أوروبيين، جران بك مدير عموم المدن والمباني الأميرية، وفرانس باشا نائب مصلحة الأوقاف آنذاك.

لذا، فإن حريق سوق الخضار العتيق بالعتبة ليس كغيره من الحرائق المتكررة التي تشهدها بين حين وآخر المنطقة التجارية الأضخم في مصر، فالسوق واحد من اثنين فقط أنشئا على طراز الأسواق الأوروبية القديمة –السوق الآخر في منطقة باب اللوق- وتسبب الحريق في تهدّم جدران المبني التاريخي المميز، كما تُعرفه سجلات الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

بينما تتناثر الروايات على ألسنة المتواجدين عن خسائر أصحاب المحلات المنكوبة "تسع محلات مملوكة بالكامل لتاجر واحد تفحمت، وواحد كان حاطط شنطة فلوس كان هيجيب بيها بضاعة أكلتها النيران"، بينما يحكي أحمد عبدالرحمن أنه يملك 4 محلات لبيع الأجهزة الإلكترونية بسوق الخضار، التهمت النيران 3 منها، يرفع يده شكراً لله أنه استطاع إنقاذ محل وحيد، وكذلك لعدم وجود ضحايا للحادث.

عبر الهاتف علم "أحمد" بالخبر بعدما هاتفه أحد أصحاب المحلات بالسوق "قالي الشارع اللي فيه محلاتكم بيولع"، فأتى من الخانكة مسرعًا، ورغم أن حظه أفضل من غيره لكن "البضاعة اللي راحت جايبها بشيكات تصل إلى مليون جنيه، مش أنا بس لكن أغلب التجار اللي محلاتهم ولعت عاملين كده"، وهذا همٌ آخر ينتظره وفق قوله.

4

سوق الخضار بالعتبة يضم عددًا كبيرًا من المحلات يصل عددها إلى أكثر من 150، مملوكة لوزارة الأوقاف التي أجّرتها بدورها إلى أصحاب الأنشطة التجارية المختلفة، بحسب محمد هادي، صاحب محل جزارة بالسوق، فيما تتنوع أنشطتها بين بيع اللحوم والمنتجات الغذائية وأكثرها يبيع الأجهزة الإلكترونية "من 4 سنين فاتوا كان السوق محلات جزارة، لكن دلوقت أكتر من 90 في المية منه بقى بيبيع إلكترونيات، والمحلات كانت مغلقة"، هذه أسباب يراها محمد ساعدت في انتشار النيران بسرعة "لو محل جزارة كانت النار مخرجتش بره"، مخلفةً خسائر كبيرة، فيما يضيف كذلك أن الممرات والشوراع الضيقة بمنطقة العتبة عموماً تصعّب من عملية إطفاء الحرائق، وهو ما تكرر في عدد كبير من الحرائق شهدتها شوارع متفرقة في العتبة.

وسط زحام الحشود؛ وقف طارق حمدي صاحب محل إطارات خاصة بالسيارات، ينظر بعين يملؤها الحزن، على ما جرى لمحله والمحلات المجاورة التى صارت رماداً يقف عاجزا بينما يقوم البعض من حوله بنقل بضاعة لم تصلها النيران، بينما هو "محلي كله ادمر علشان أقرب محل للمكان اللى بدأت فيه النار، في محل تجاري في أول السوق"، بحسب ما قال.

كان هاتف الشاب الثلاثيني مغلقاً، فشلت كل محاولات التجار إبلاغه بما حدث، وفي الحادية عشرة صباحاً وصل إلى جراج العتبة في موعده اليومي للتوجه إلى السوق وبدء عمله، مسّه قلق حين رأى سيارات الإطفاء والإسعاف، كذا همهمات العابرين حول حريق بسوق الخضار "خسايرنا كبيرة ومفيش حاجة هتعوضنا، العوض على ربنا".

إعلان

إعلان

إعلان