"نبع البنزين" تحول إلى جحيم.. ماذا حدث في حريق إيتاي البارود بالبحيرة؟

05:29 م الخميس 14 نوفمبر 2019

لم يعر اللصوص اهتماما بصحو ظهيرة أمس الأربعاء، كانوا يعرفون هدفهم جيدًا، تسللوا وسط الزراعات داخل قرية المواسير التابعة لمركز إيتاي البارود بالبحيرة، حيث خط أنابيب شركة طنطا للبترول، القادم من المكس بالإسكندرية.

خلسة، أحدثوا كسرا في خط البترول وبدأوا في تركيب مفتاحًا أو ما يسمونه بـ "كلبس"، في الأنابيب، لسرقة البنزين، إلا أنهم فشلوا. وبعدها اكشفت شركة أنابيب البترول اكتشفت محاولة السرقة تلك، أحبطتها، وفقًا لبيان رسمي صادر عنها، جاء فيه "انتقلت على الفور فرق الفنيين بالشركة لموقع الحادث، وتم غلق محبس الأنبوب قبل الكسر وبعده، وتم السيطرة على التسريب وإبلاغ الشرطة والنيابة العامة بذلك".

إلا أن المواد البترولية كانت قد تسربت إلى الأراضي الزراعية والترع بالفعل، وسرعان ما أدرك أهالي عزبة المواسير وما يجاورها ما حدث، ظنوا أنه "خير.. رزق.. طاقة قدر فتحت لهم".. تهافتوا للحصول على أكبر قدر من البنزين، يقول شاهد عيان قادم من القاهرة، ومر على القرية في الوقت ذاته: "أنا أساسا من رمسيس، وأنا معدي بصيت لقيت زحمة وتكاتك كتير، وناس فرحانة بتقول ده خير كتير منزلش عزبة المواسير قبل كدة"".

بدأوا في تعبئة الجراكن، والبراميل، لكن "نبع البنزين" كما أطلقوا عليه في طرفة عين صار جحيمًا، "مصدر لهب مجهول حدث اشتعال في المنتج المتسرب جراء الحادث"، كما جاء في بيان شركة أنابيب البترول، ويكمل شاهد عيان آخر: "فوجئنا نار طالعة من بعيد.. وفي لحظة وصلت لهنا، كل الناس إللي كانت موجودة اتفحمت، والتكاتك اتحرقت".

ويضيف آخر، حضر بعدها بدقائق "جينا نجري لقينا الترعة كلها مليانة بني آدمين مولعة ومتفحمة.. الله أعلم بعددهم".

بدأت وزارة الصحة منذ غروب الشمس تصدر بيانات بأعداد الضحايا، التي بدأت بوفاة مواطنين اثنين، وإصابة 15 آخرين، ثم ارتفع عدد الضحايا إلى 7 حالات وفاة.

وقال الدكتور خالد مجاهد، مستشار وزيرة الصحة والسكان والمتحدث الرسمي للوزارة، إنه تم الدفع بـ٢٠ سيارة إسعاف مجهزة لموقع الحادث، وتم نقل المصابين إلى مستشفيات كفر الدوار العام وإيتاى البارود ودمنهور التعليمي لتلقي العلاج اللازم.

كانت الإصابات تتراوح بين حروق بدرجات مختلفة واختناقات في أماكن متفرقة بالجسد، كما تم نقل المتوفين لمشرحة إيتاي البارود.

وداخل المستشفيات، تسيد الذعر الموقف، هرول الأهالي هنا وهناك للبحث عن ذويهم المختفين، بعد أن علموا أن هناك 5 جثامين لم يتم التعرف عليهم بعد.

ووفقًا لآخر بيانات وزارة الصحة، ارتفع عدد الضحايا إلى 7 أشخاص، تم التعرف على اثنين منهم هما: "محمد زكريا عبد الشافي - 52 سنة ومحمد صلاح عبد الهادي - 30 سنة"، أما الخمسة جثامين الأخرى، جاري محاولة التعرف عليهم، من خلال إجراء فحص الحمض النووي لذويهم، حتى يتم التعرف عليهم.

صورة مستشفى إيتاي البارود

يقفون بوجوه متجهمة وقلوب منقبضة، خائفون من مصيرين كلاهما مر، الاختفاء إلى الأبد، أو التعرف على جثمان متفحم، وفقد عزيز.

كان "أحمد محمد" بين هؤلاء، يبحث عن عمه "عبد المقصود"، الذي كان يعلم أنه في إيتاي البارود اليوم، ازداد قلقه عليه بعد أن علم بالحادث، فهرع ليبحث عنه بين الضحايا بفزع، إلى أن عرف أنه مصاب ببعض الحروق في مستشفى إيتاي البارود، فهدأ قليلًا "ع الأقل لقيته عايش".

فجر اليوم، أصدر مركز معلومات مستشفى إيتاي البارود العام بيانًا بشأن ضحايا الحريق، أعلن فيه خروج ثلاثة مصابين بالاختناق من المستشفى بعد أن تحسنت حالتهم، هم: فارس عبد الفتاح الشيخ (11 سنة)، وياسر محمد سلام (45 سنة)، ومحمد السيد القفاص (40 سنة).

وتحويل 5 مصابين إلى مستشفى كفر الدوار، فضلاً عن 3 آخرين جرى تحويلهم إلى مستشفى دمنهور التعليمي. وقد تراوحت إصاباتهم بين حروق من الدرجة الأولى والثانية والاختناق.

صورة البيان

داخل مستشفى إيتاي البارود، استلقى أحمد سعيد على سرير معدني، بأياد وأرجل ملفوفة برباط أبيض، بعد أن قاده فضوله إلى الوقوف مع أهالي القرية، لمشاهدة قصة "نبع البنزين"، قبل ثوان من اندلاع النيران، لا يتذكر بعدها سوى "تكتكه" المحترق، الذي صفا رمادًا، مثله مثل 17 معدة ومركبة " توكتوك، وسيارة ملاكي، وجرار زراعي، 5 تروسيكل،3 متوسيكل، وماكينة ري حقول زراعية"، حصرتهم محافظة البحيرة، وذكرتهم في بيانا حول الخسائر المادية للحادث.

2019_11_14_0_8_29_591

وبعد ساعات من محاولات إخماد الحريق، والسيطرة على جميع فتحات تسريب البنزين، وتطهير الأراضي الزراعية، والمجاري المائية، تحولت أرض قرية المواسير إلى رمال سوداء، مخلوطة بما تبقى من أجساد الضحايا في شكل رماد، انقلبت ليلة القدر إلى مأتم كبير، ونبع البنزين إلى جحيم.

فيما بدأ عدد من شباب القرية رحلة البحث عن المفقودين في الحادث، عبر التفتيش عن الجثامين في مياه الترعة الراكدة.

إعلان

إعلان