"محمود" عاش في جلباب أبيه.. حكاية شاب ضحى بالهندسة من أجل "فرشة اللبن"
كتب : ياسمين عزت
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
-
عرض 7 صورة
في الوقت الذي كان فيه أقرانه يرسمون أحلامهم بمسطرة 'تيه' داخل أروقة كلية الهندسة، كان "محمود مجدي" يخط مساراً آخر فوق أرصفة مدينة بلبيس محافظة الشرقية، لم تكن حسابات 'المثلثات والزوايا' هي العائق، بل كانت حسابات 'الرزق والمسؤولية' هي الأقوى، لذا ودّع الشاب الشرقاوي ابن قرية الجوسق حلم الهندسة في سنته الثانية، ليحتضن جلباب أبيه الملطخ برائحة القشدة واللبن، محولاً شقاء الفجر إلى قصة كفاح يرويها بياض منتجاته.
منذ طفولته اعتاد "محمود" مرافقة والده، الذي يعمل في تجارة الألبان، يجمعها من مالكي المواشي ويبيعها قطاعيًّا وجملة. لم يكن الأمر مجرد مساعدة عابرة، بل مدرسة حياة تعلم فيها أسرار المهنة، من صناعة القشدة والزبدة إلى الجبنة القريش وكل ما يمكن أن يُصنع من اللبن.
بوصفه الابن الأكبر، حمل "محمود" مسؤولية مبكرة تجاه أسرته، كان هو وشقيقه الأصغر وشقيقاته يعملون جنبًا إلى جنب مع والديهم لتوفير دخل يكفل لهم حياة كريمة دون الحاجة إلى أحد.
وبين ساعات العمل الطويلة، لم يتخلَّ عن حلم التعليم؛ فبعد حصوله على دبلوم فني صناعي، قرر استكمال دراسته في معهد عالٍ، مدفوعًا بطموح قديم بالالتحاق بكلية الهندسة، وبعدما أنهى دراسته بتقدير عال التحق بكلية الهندسة ليتم فيها عامين دراسة لكنه يتعثر في الفرقة الثانية ويتركها لضيق الحال وظروف المعيشة فاكتفى بعمله في كار والده
ورغم انشغاله بالدراسة، لم يتوقف "محمود" يومًا عن العمل في تجارة الألبان وصناعة مشتقاتها. ومع مرور السنوات أصبح من أصحاب الخبرة في المهنة، يوازن بين حلمه الأكاديمي ومسؤولياته اليومية.
تبدأ رحلة العمل في حياة "محمود" منذ الخامسة فجرًا، حيث ينطلق مع والده وشقيقه لجمع الألبان من الفلاحين، ثم فرزها وتصنيع القشدة والجبن القريش وبقية المنتجات، قبل توزيع جزء من الحليب على الأهالي ومحلات الحلويات والمشروبات، وبعد انتهاء هذه المرحلة، يتوجه إلى مدينة بلبيس، حيث يفرش بضاعته في الشارع مع أولى ساعات المساء.
على منضدة بسيطة تصطف أكياس الكسكسي ومنتجات الألبان الطازجة، بينما يقف محمود لساعات طويلة قد تمتد حتى الثالثة فجرًا، محافظًا على نظافة المكان وجودة المنتجات، ساعيًا لكسب ثقة الزبائن بالأمانة والاجتهاد.
ورغم سنوات الكفاح الطويلة، لم تتمكن الأسرة بعد من امتلاك محل ثابت، إذ يعتمد دخلهم بالكامل على البيع في الشارع، ويؤكد محمود أن أكبر تحدٍّ يواجهه هو تردد بعض الزبائن في الشراء بسبب وجود البضاعة في الشارع، رغم حرصه الشديد على الجودة والنظافة، مشيرًا إلى أن انخفاض السعر يعود لعدم تحمّل تكاليف محل، وليس لقلة الجودة.
ويختتم حديثه بابتسامة هادئة: "نفسي يكون عندي محل رغم إن الشارع هو سبب رزقي"، متمنيًا دعاء الناس له بأن يرزقه الله الذرية الصالحة، خاصة بعد ست سنوات من الزواج دون أطفال.