رحلت جوعاً في سجن والدها.. تفاصيل جديدة عن واقعة وفاة "فتاة خزام" بقنا
كتب : عبدالرحمن القرشي
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
لم تكن وفاة الشابة "سارة حمدي" ابنة قرية خزام بمحافظة قنا، مجرد واقعة جنائية عابرة، بل تحولت خلال أيام قليلة إلى قضية رأي عام هزّت الشارع المصري وأشعلت موجة واسعة من الغضب والتعاطف على منصات التواصل الاجتماعي، بعد اتهام والدها بتجويعها وتعذيبها حتى الموت، عقب سنوات من الانفصال عن والدتها.
قصة "سارة"، ذات العشرين عامًا، أعادت إلى الواجهة ملفًا شائكًا طالما ظل مسكوتًا عنه: أبناء تصفية الحسابات بين الآباء المنفصلين، وسط مطالبات متزايدة بتدخل الدولة لحمايتهم وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي والقانوني لهم.
مع تداول تفاصيل الواقعة، تصدّر اسم "سارة حمدي" مواقع التواصل الاجتماعي، وعبّر آلاف المستخدمين عن صدمتهم مما جرى، مطالبين بتوقيع أقصى العقوبات على المتهم، وعدم الاكتفاء بالإجراءات التقليدية.
وكتب ناشطون أن ما حدث «جريمة مكتملة الأركان» لا تقل قسوة عن أبشع الجرائم، فيما رأى آخرون أن المأساة تكشف فراغًا خطيرًا في آليات حماية الأبناء بعد الطلاق، خصوصًا الفتيات، داخل البيوت المغلقة.
ودعا كثيرون إلى إنشاء آليات رقابة اجتماعية وقانونية على أوضاع الأبناء في حالات النزاع الأسري، مع توفير خطوط ساخنة ودعم نفسي مبكر لمنع تكرار مثل هذه الجرائم.
شهادة محامي الأسرة
يحي عبدالله محامي أسرة المجني عليها أكد أن حياة سارة انقلبت رأسًا على عقب عقب انتقالها للعيش مع والدها، بعد انفصاله عن والدتها، موضحًا أن الأب منعها من استكمال تعليمها، وفرض عليها عزلة كاملة، ومنعها من الخروج أو الاختلاط، لتتحول تدريجيًا إلى «سجينة داخل بيتها».
وأشار إلى أن الفتاة تمكنت عام 2022 من الهروب من المنزل، بعدما قام والدها بتقييدها بالسلاسل، وحررت محضرًا رسميًا بالواقعة، غير أن التصالح والتنازل – تحت ضغوط أسرية – أعاداها مرة أخرى إلى منزل الأب، لتبدأ دائرة العنف من جديد، بشكل أكثر قسوة.
ووفق أقوال محامي الأسرة، فإن المتهم قام بحبس ابنته داخل غرفة مغلقة لفترات طويلة، وقيدها، وأنشأ حفرة داخل الغرفة لاستخدامها لقضاء حاجتها، في ظروف وصفها بـ«غير الإنسانية»، مؤكدًا أن الأب منعها حتى من الاستحمام، في انتهاك صارخ لأبسط حقوق الإنسان.
وأوضح أن الأب بدأ منذ أكثر من عام في تقليل كميات الطعام التي يقدمها لابنته تدريجيًا، قبل أن يمنع عنها الطعام نهائيًا خلال الشهر الأخير من حياتها، بقصد التجويع المتعمد، ما أدى إلى تدهور حالتها الصحية حتى فارقت الحياة.
عزلة كاملة حتى الموت
وخلال تلك الفترة، حاولت والدة الفتاة وأخوالها التواصل معها مرارًا للاطمئنان عليها، إلا أن الأب كان يمنع أي تواصل، مؤكدًا لهم أن سارة «بخير وتتمتع بصحة جيدة»، بينما كانت – بحسب التحقيقات – تعيش أيامها الأخيرة في عزلة وجوع ووهن شديد.
وعندما كُشف الستار عن الواقعة، عُثر على جثمان الفتاة في حالة هزال شديد، حيث لم يتبق منه سوى عظام مكسوة بالجلد، وفق ما أفاد به محامي الأسرة، مشيرًا إلى أن والدة المجني عليها لم تتحمل مشهد ابنتها، ودخلت في حالة انهيار نفسي وعصبي حاد عقب رؤيتها الجثمان.
وبحسب ما أفادت به الأجهزة الأمنية، بدأت القصة بإخطار تلقته مديرية أمن قنا من غرفة العمليات، يفيد بوصول جثة فتاة في العقد الثاني من العمر إلى مستشفى قوص المركزي، مع وجود شبهة جنائية حول الوفاة.
وانتقلت قوة من الشرطة لإجراء المعاينة والفحص، وبدء التحريات، ليتبين أن المتوفاة تُدعى سارة حمدي، 20 عامًا، فيما كشفت التقارير الطبية المبدئية عن سوء تغذية شديد ونقص حاد في النمو، مع ترجيح أن الوفاة نتجت عن الامتناع عن الطعام لفترة طويلة.
روايتان أمام جهات التحقيق
ومع تصاعد الشبهات، جرى التحفظ على والد الفتاة، وتحرير محضر بالواقعة، وأُخطرت النيابة العامة التي باشرت التحقيقات.
وخلال استجوابه، أنكر الأب جميع الاتهامات، مؤكدًا أنه لم يحتجز ابنته، ولم يمنع عنها الطعام أو العلاج، واصفًا ما يتم تداوله بأنه «غير دقيق».
في المقابل، جاءت أقوال الأم – طليقة المتهم – لتؤكد تعرض ابنتها للحبس والتجويع المتعمد، موضحة أنها انفصلت عنه منذ نحو عشر سنوات، وأن محاولاتها المتكررة للاطمئنان على ابنتها كانت تُقابل بالمراوغة والتضليل.
قرارات النيابة
وبناءً على التحريات الأولية، قررت النيابة العامة حبس الأب 4 أيام على ذمة القضية، قبل أن تُجدد حبسه 15 يومًا، مع استمرار التحقيقات وسماع الشهود، وانتظار التقارير الطبية النهائية، ووجهت له تهمة القتل العمد.
قضية "سارة" لم تتوقف عند حدود الجريمة، بل فتحت نقاشًا واسعًا حول مسؤولية الدولة والمجتمع في حماية الأبناء ضحايا النزاعات الأسرية، إذ طالب حقوقيون بضرورة وجود متابعة دورية للأطفال والشباب بعد الطلاق، وعدم تركهم فريسة للعنف أو الانتقام، مؤكدين أن العدالة الحقيقية لا تكتمل بالعقاب وحده، بل بمنع تكرار المأساة.