إعلان

بعد سحب جنود من ألمانيا.. كيف يستعد الأوروبيون لانسحاب أمريكي محتمل من الناتو؟

كتب : محمود الطوخي

02:12 ص 03/05/2026

صورة بالذكاء الاصطناعي

تابعنا على

يسرّع قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا من وتيرة التحول الجذري في العقيدة الأمنية للقارة العجوز، محولا فرضية "الانسحاب الأمريكي من الناتو" من مجرد خطاب سياسي ضاغط إلى واقع عملياتي يستوجب الاستنفار.

لا يمثل هذا التقلص العسكري في العمق الألماني مجرد "إعادة تموضع" تقنية، بل يُقرأ في العواصم الأوروبية كـ"رسالة توبيخ" نهائية وشرارة انطلاق لخطة طوارئ شاملة تهدف إلى "أوربة" الحلف وسد الفجوات السيادية التي خلفتها عقود من الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية.

وبينما تتصاعد الخلافات الجيوسياسية بشأن حرب إيران، يجد الأوروبيون أنفسهم أمام سباق مع الزمن لإعادة صياغة أمنهم القومي، في ظل قناعة متزايدة بأن الالتزام الأمريكي بات "حبرا على ورق" لا تحميه قوانين الكونجرس إذا غابت الإرادة السياسية في البيت الأبيض.

"الناتو الأوروبي".. كواليس خطة الطوارئ لوراثة القيادة الأمريكية

تفاقم الشقاق بين الرئيس الأمريكي وحلفائه الأوروبيين منذ عودته إلى البيت الأبيض وتلويحه بضم جزيرة "جرينلاند"، غير أن التصدع الحقيقي تعمق في أعقاب اندلاع الحرب مع إيران، مما فجّر حالة من انعدام الثقة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال"، أن المسؤولين الأوروبيين يعملون على تطوير "خطة طوارئ" شاملة تُعرف في الأروقة المغلقة باسم "الناتو الأوروبي"، تهدف إلى ضمان قدرة القارة على الدفاع عن نفسها في حال انسحاب الولايات المتحدة.

وتتضمن الخطة آليات تنفيذية تشمل إحلال مسؤولين أوروبيين في أدوار قيادية رئيسية داخل هيكل الحلف كانت حكرا على الأمريكيين، بالتوازي مع البدء في استبدال تدريجي للقدرات العسكرية الأمريكية بموارد ومعدات أوروبية الصنع.

اكتسب هذا المشروع زخما غير مسبوق بعد تغير الموقف الألماني تحت قيادة المستشار فريدريش ميرتس، الذي بات من أكبر الداعمين لتعزيز الذاتية الأوروبية نتيجة الشكوك في موثوقية واشنطن كحليف طويل الأمد.

ويسعى ميرتس لجعل ألمانيا "أكبر قوة عسكرية في غرب أوروبا" عبر بناء أقوى جيش تقليدي في المنطقة بحلول عام 2039، مع توجه لإعادة معايرة المصانع الوطنية لإنتاج الأسلحة وتجاوز كوابح الديون لتمويل هذا التحول التاريخي.

وحددت الصحيفة 3 أهداف رئيسية يسعى الأوروبيون للحفاظ عليها حتى في غياب واشنطن، وهي: الردع ضد روسيا، والاستمرارية العملياتية للجيوش، والحفاظ على مظلة ردع نووية فعالة.

وجاءت هذه الخطوات؛ استجابة لرفض أوروبا الانخراط في عمل عسكري أمريكي ضد إيران، وهو الخلاف الذي وصفه ترامب بأنه "مقزز"، مهددا بفك الارتباط مع حلفاء يراهم غير ملتزمين بتقاسم الأعباء.

"سباق السنوات الـ10".. كيف تسد أوروبا فجواتها الاستخباراتية والنووية؟

لم تتوقف حالة التأهب الأوروبية عند هذا الحد؛ إذ تشير صحيفة "فاينانشال تايمز" إلى أن القوى العسكرية الكبرى في أوروبا، بقيادة بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تخطط لتنفيذ خطة انتقال مدار للمسؤوليات تمتد بين 5 إلى 10 سنوات.

ويهدف هذا الجدول الزمني إلى سد الفجوات التقنية واللوجستية الهائلة التي سيتركها الرحيل الأمريكي المحتمل؛ إذ تعتمد القارة حاليا بشكل كلي على واشنطن في مجالات حيوية مثل اتصالات الأقمار الصناعية العسكرية، والنقل الجوي الثقيل، ومنظومات الدفاع الصاروخي المتقدمة، بالإضافة إلى الحاجة لتوفير بدائل لعشرات آلاف الجنود أمريكي المتمركزين في القارة.

وفي قلب هذه المساعي، تبرز معضلة "الردع النووي" كأخطر التحديات في مرحلة ما بعد ترامب؛ حيث طرحت فرنسا مقترحا لتعزيز ترسانتها النووية لتشمل حماية دول أوروبية أخرى مقابل تحمل تلك الدول العبء الأكبر في الدفاع التقليدي.

وبحسب وكالة "رويترز" البريطانية، تعكس هذه "المقايضة الكبرى" قناعة أوروبية، بأن القوانين التي سنها الكونجرس لمنع انسحاب أمريكي رسمي من الناتو لن تكون ذات قيمة فعلية إذا غابت الإرادة السياسية للبيت الأبيض في تفعيل بند "الدفاع الجماعي" عند وقوع هجوم؛ فالحماية الأمريكية باتت في نظرهم "حبرا على ورق" لا يضمنها سوى التزام القائد العام للقوات الأمريكية.

يحذر الباحث أوميت كورت في دراسة نشرتها "مبادرة قدامى محاربي الناتو من أن الوصول إلى استقلال دفاعي حقيقي قد يتطلب في الواقع ما بين 15 إلى 20 عاما، وهو وقت قد لا تمنحه موسكو أو إدارة ترامب للعواصم الأوروبية.

ويؤكد كورت أن المستهدفات المالية الجديدة التي قد تصل إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي أصبحت ضرورة حتمية للبقاء لا مجرد خيار سياسي، خاصة مع إطلاق الاتحاد الأوروبي 4 مبادرات سيادية لتأمين الجناح الشرقي، والدفاع ضد الطائرات المسيرة، وبناء درع جوي وفضائي مستقل بعيدا عن التبعية التقنية لواشنطن.

"جيش المليون".. هل ينجح مقترح زيلينسكي في بناء درع أوروبي بديل؟

إلى جانب هذه المساعي المحمومة، تبرز دعوة الرئيس الأوكراني فولوديمير الاتحاد الأوروبي، إلى تجاوز أطره التقليدية وضم 4 قوى عسكرية كبرى هي أوكرانيا وتركيا وبريطانيا والنرويج

ووفقا لصحيفة "ذا نيو يونيون بوستيهدف هذا المقترح إلى بناء كتلة بشرية عسكرية تضاهي القوة الروسية؛ إذ تمتلك هذه الدول الأربع مجتمعة نحو مليون و200 ألف جندي نشط، وهو ما يمنح أوروبا القدرة على مضاهاة القوات الروسية عدديا وسد الفجوة الحادة في قوات الاحتياط.

وفي رؤية تكميلية، يطرح الباحث جان فرانسوا بيلانجر، في مقال نشره معهد "كارنيجي"، مسألة تشكيل ما يعرف بـ"الاتحاد الأوروبي الموسع" عبر تطوير قوة التدخل السريع الفرنسية البريطانية لتشمل دولا من خارج التكتل.

يهدف هذا المخطط التنفيذي إلى الالتفاف على آلية الإجماع داخل حلف الناتو، والتي قد تستخدمها واشنطن لعرقلة التحركات الأوروبية، مما يتيح للقارة اتخاذ قرارات سيادية عاجلة بعيدا عن "الفيتو" الأمريكي.

ويتضمن المخطط تحويل أوكرانيا إلى "مركز دفاعي رابع" للصناعات العسكرية الأوروبية بجانب فرنسا وألمانيا وبولندا، مع اتخاذ إجراءات فورية تشمل بناء درع جوي لا يعتمد على منظومات "باتريوت" الأمريكية، ونشر قوات أوروبية بمهام غير قتالية داخل الأراضي الأوكرانية لتثبيت الردع في مواجهة أي انسحاب مفاجئ لإدارة ترامب.

ورغم هذه الطموحات، يحذر الخبراء في معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية، من أن قدرات أوكرانيا وتركيا، رغم ضخامتها، لا يمكنها استبدال المظلة الأمنية الأمريكية بالكامل، وفقا لصحيفة "ذا نيو يونيون بوست".

ومع ذلك، يظل الرهان الأوروبي قائما على الحفاظ على هيكل "الناتو" الحالي مع تحويل قيادته لتصبح أوروبية خالصة، كخيار وحيد لضمان البقاء في عالم لم تعد فيه الوعود الأمريكية مضمونة.

مستقبل القارة العجوز.. رهان البقاء في عالم ما بعد واشنطن

وفي ظل ضبابية سياسات الرئيس الأمريكي، يقف الأمن الأوروبي اليوم أمام مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد السؤال الجوهري في بروكسل هو "هل سيرحل ترامب؟" بل "كيف ستدير القارة الفراغ الاستراتيجي الذي سيخلفه وراءه؟"

تكشف الاستعدادات الجارية، من "خطة الـ10 سنوات" إلى المبادرات السيادية، عن سباق محموم مع الزمن لترميم مظلة دفاعية تآكلت بفعل عقود من الاتكال المطلق.

ورغم طموح مقترح "جيش المليون" وتوجه ألمانيا نحو التسلح الجذري، تظل الحقيقة القاسية التي يبرزها الخبراء والمحللون هي أن استبدال المظلة الأمريكية ليس مجرد قرار سياسي أو ميزانية ضخمة، بل هو عملية تقنية معقدة تتطلب عقدين من الاستقرار الصناعي؛ وهو ترف قد لا تملكه أوروبا في ظل ضغوط موسكو وتقلبات البيت الأبيض.

وفي نهاية المطاف، يبدو أن قدر القارة هو المضي في "انتقال مدار" يوازن بين استقلالها المنشود وحاجتها لبقايا الحماية الأمريكية، في محاولة أخيرة لإنقاذ حلف الناتو عبر "أوربته" من الداخل.

وكما يرى خبراء "كارنيجي"، لا يتوقف نجاح هذا التحول فقط على توفير الأموال، بل على قدرة القادة الأوروبيين على اتخاذ قرارات سيادية عاجلة تتجاوز الحسابات الوطنية الضيقة؛ فالبديل عن بناء هذا الدرع المستقل هو مواجهة مستقبل مجهول تصبح فيه الوعود الأطلسية مجرد ذكرى في تاريخ الأمن العالمي، وتترك فيه أوروبا وحيدة في مواجهة أزمات كبرى لم تعد واشنطن ترى نفسها معنية بحلها.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان