حرب إيران وخدعة الـ 60 يومًا
بينما يترقب العالم مسار التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، تدور رحى معركة دستورية صامتة داخل أروقة العاصمة الأمريكية واشنطن. فمع اقتراب المهلة القانونية الفاصلة، فاجأت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المشرعين بتفسير استثنائي لقانون يعود إلى حقبة الحرب الباردة، معلنةً أن الأعمال القتالية قد "توقفت مؤقتًا"، مما يوقف عدّاد الأيام القانونية التي تفرض على البيت الأبيض الحصول على تفويض صريح من الكونجرس أو سحب القوات. هذا التكتيك يمثل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من المناورات الرئاسية للتحايل على أحد أهم القوانين المصممة لكبح جماح ساكن المكتب البيضاوي في قرارات الحرب والسلام.
حرب إيران.. شبح فيتنام وقانون العام 1973
لفهم طبيعة المواجهة الحالية بين البيت الأبيض والكونجرس، من الضروري العودة إلى عام 1973.
في ذلك الوقت، وإثر التورط الكارثي للولايات المتحدة في فيتنام وحملات القصف غير المعلنة في كمبوديا، قرر الكونجرس استعادة حقه الدستوري الأصيل في إعلان الحرب.
وفقًا لمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، صاغ الكونجرس "قانون صلاحيات الحرب" لضمان مشاركة السلطة التشريعية في أي قرار يزج بالقوات الأمريكية في نزاعات مسلحة.
ينص القانون بوضوح تام على أن الرئيس يجب أن يخطر الكونجرس خلال 48 ساعة من إرسال قوات مسلحة إلى مناطق الصراع.
اقرأ أيضًا: صراع على تعريف الحل.. لماذا تحولت هدنة حرب إيران إلى مأزق مستدام؟

معضلة الـ 60 يومًا
والأهم من ذلك، يُحظر على الرئيس الاستمرار في "الأعمال العدائية" لأكثر من 60 يومًا دون الحصول على تفويض بـ"استخدام القوة العسكرية" أو إعلان حرب رسمي، مع إمكانية التمديد لـ30 يومًا إضافية مخصصةً حصريًا لتأمين انسحاب القوات.
ورغم استخدام الرئيس ريتشارد نيكسون لحق النقض (الفيتو) لإحباط القرار بحجة أنه يقيد صلاحياته كقائد أعلى للقوات المسلحة، تمكن الكونجرس من حشد أغلبية الثلثين وتمرير القانون ليصبح واقعًا دستوريًا.
لعبة الكلمات.. كيف تهرب الإدارات من "الأعمال العدائية"؟
منذ إقرار القانون، دأبت الإدارات المتعاقبة، الديمقراطية والجمهورية على حد سواء، على ابتكار تفسيرات لغوية وقانونية مرنة لتجاوز قيد الـ60 يومًا.
وتشير دراسات "مشروع الإبلاغ عن قانون صلاحيات الحرب" التابع لجامعة نيويورك إلى تجاهل الرؤساء المستمر للبنود الجوهرية للقانون، مستغلين غياب آلية تفرض عليهم الامتثال الفوري.
على سبيل المثال، خلال حرب كوسوفو عام 1999، استمرت إدارة الرئيس بيل كلينتون في القصف الجوي متجاوزة المهلة القانونية. وعندما حاول أعضاء في الكونجرس مقاضاته، رفضت المحاكم التدخل استنادًا إلى مبدأ "المسألة السياسية"، معتبرةً أن النزاع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية خارج اختصاص القضاء، مما منح البيت الأبيض غطاءً للاستمرار.
سيناريو العام 2011
تكرر السيناريو بشكل أكثر إثارة للجدل في عام 2011 خلال التدخل العسكري في ليبيا.
فقد أصدر مكتب المستشار القانوني (OLC) التابع لوزارة العدل في إدارة باراك أوباما مذكرة تجادل بأن القصف الجوي الأمريكي وإطلاق صواريخ التوماฮوك عبر الطائرات المسيرة لا يرقى إلى مستوى "الأعمال العدائية" التي يقصدها القانون، نظرًا لعدم وجود قوات أمريكية على الأرض وعدم تعرضهم لخطر مباشر.
وقد انتقد معهد هوفر هذا التفسير بشدة، مؤكدًا أن كلمة "عدائية" في القانون يجب أن تُفهم بمعناها العادي، وأن محاولة الإدارة تصوير القصف كعمل غير عدائي تتناقض تمامًا مع النص الدستوري.
التكتيك الجديد.. "الهدنة المؤقتة" كأداة للتحايل
وفي سياق النزاع الحالي مع إيران، ومع انتهاء مهلة الـ60 يومًا اليوم الجمعة الأول من مايو 2026، ابتكرت إدارة ترامب مخرجًا قانونيًا هجينًا. فبدلًا من طلب تفويض صريح قد يصطدم بعقبات تشريعية، أو سحب القوات والاعتراف بانتهاء العمليات، تبنى البنتاجون استراتيجية "إيقاف العداد".
وخلال جلسة استماع أمس أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، سأل السيناتور الديمقراطي تيم كين وزير الحرب بيت هيجسيث عما إذا كان الرئيس ينوي طلب تفويض رسمي أو تقديم إخطار تمديد للانسحاب.
حينها، جاء رد هيجسيث حاسمًا؛ إذ صرح بأن الولايات المتحدة تعيش حاليًا حالة "وقف إطلاق نار" مع طهران، وهو ما يعني وفقًا لتفسير الإدارة أن "عداد الـ60 يومًا يتوقف أو يُعلّق مؤقتًا" لانتفاء صفة "العمل العدائي المستمر".
هذه الحيلة القانونية تحول "الهدنة العسكرية" من مجرد توقف تكتيكي لإطلاق النار إلى أداة سياسية متطورة.
فهي تتيح للبيت الأبيض الاحتفاظ بقواته في حالة تأهب قصوى، وتشكيل ضغط مستمر على طهران، دون الاضطرار للدخول في معركة تصويت محفوفة بالمخاطر داخل أروقة الكابيتول.
المأزق القضائي وغياب المحاسبة
أحد أهم أسباب نجاح هذه التكتيكات الرئاسية هو تردد النظام القضائي الأمريكي في حسم النزاعات بين السلطتين.
توضح مجلة القانون بجامعة ديوك أن المحاكم الأمريكية تعتمد غالبًا على "عقيدة المسألة السياسية" للتهرب من البت في قضايا صلاحيات الحرب.
حدث هذا عندما طُعن في قانونية العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش عام 2016 (قضية سميث ضد أوباما)، حيث قبلت المحكمة حجة الحكومة بأن قرارات الحرب خارج نطاق المراجعة القضائية، مما أضعف أسبقية الكونجرس في هذا الملف.
هذا الفراغ القضائي يمنح تفسير ترامب الأخير بـ"تعليق العداد" حصانة عملية. فرغم غضب المشرعين الديمقراطيين واعتبارهم الإعلان التفافًا صريحًا على الدستور، يدرك البيت الأبيض أن احتمالية صدور حكم قضائي يُجبر القوات على الانسحاب تكاد تكون معدومة.
هل يخسر الكونجرس معركته الأخيرة؟
ومع إعلان الإدارة أن الحرب قد "توقفت" إجرائيًا بفضل الهدنة المؤقتة، يجد المشرعون الأمريكيون أنفسهم أمام تحدٍ يهدد سلطتهم الدستورية.
صُمم قانون صلاحيات الحرب لمنع انزلاق الولايات المتحدة إلى صراعات مفتوحة بقرارات فردية، بيد أن التفسير الحالي للإدارة يُظهر بوضوح أن السلطة التنفيذية تمتلك القدرة على إعادة صياغة المفاهيم الأساسية، مثل "المدة الزمنية" و"حالة اللاسلم واللاحرب"، لخدمة أجندتها الجيوسياسية.

رصاصة الرحمة على قانون صلاحيات الحرب؟
وفي حال نجحت هذه المناورة في تجاوز مهلة مايو دون تفويض تشريعي أو مساءلة دستورية حقيقية، فإنها ستسجل سابقة قانونية خطيرة.
إذ أن هذا التفسير يمنح الرؤساء المستقبليين مفتاحًا سحريًا لشن حروب غير معلنة وإيقاف ساعتها القانونية متى شاؤوا بمجرد الإعلان عن توقف مؤقت لإطلاق النار.
وهكذا، يبقى قرار إشعال الجبهات أو إخمادها أسير المكاتب الرئاسية المغلقة، بينما يقف الكونجرس على الهامش، يشاهد تآكل صلاحياته التاريخية تحت وطأة الثغرات القانونية والتفسيرات التنفيذية المرنة.