عملية إنقاذ بنصف مليار دولار.. كيف تخسر واشنطن في إيران حتى حين تنتصر؟
كتب : محمد طه
نجح إنقاذ الطيارين لكن تكلفته باهظة
في الثالث من أبريل الجاري، وعلى بعد 200 كيلومتر داخل الأراضي الإيرانية، أسقط صاروخ تكلفته لا تتجاوز 20 ألف دولار طائرةً أمريكية تساوي 100 مليون. ثم أعلن دونالد ترامب، بعدها بيومين، "حصلنا عليه WE GOT HIM" وعقد اليوم الإثنين مؤتمرًا احتفاليًا بالإنقاذ دون أن يحضره المُنقَذ. وبين التاريخين، تتمدد قصة تتجاوز سيناريو البطولة العسكرية إلى ما هو أعمق وأكثر إزعاجًا: معادلة استنزاف هيكلية تخسرها واشنطن حسابًا بحساب، حتى حين تحقق أغلى انتصاراتها التكتيكية في حرب إيران.
هذه القصة تبدأ برقمين لا بأحداث.
أبلغ البنتاجون الكونجرس أن الأيام الستة الأولى من عملية "الغضب الملحمي" كلّفت 11.3 مليار دولار، وهو رقم أكدته صحيفة "بوليتيكو" لاحقًا نقلًا عن مصادر وزارة الدفاع. ثم جاء الإنقاذ ليضيف إلى الفاتورة ما بين 300 مليون و500 مليون دولار أخرى مقابل استعادة شخصين فقط.
السؤال الذي تطرحه هذه الأرقام ليس أخلاقيًا. إنه استراتيجي صارم، وعنوانه: إلى متى تستطيع واشنطن الاستمرار في هذه المعادلة؟

صاروخ واحد يخترق 5 أسابيع من الثقة
في التاسع من مارس الماضي، أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية الجنرال دان كين أن منظومات الدفاع الجوي الإيرانية "لم تعد عاملة فعليًا"، وأن الطائرات الأمريكية باتت تحلّق في الأجواء الإيرانية "بشبه حرية تامة".
وبعد 25 يومًا، رصد معهد CSIS في تقريره المفصّل تقدمًا ملموسًا للحملة الجوية، وخلص إلى أن الطائرات الأمريكية باتت تُنفّذ ضرباتها "بقيود أقل وبأسلحة أرخص وأكثر وفرة".
بينما في الساعة 5:47 من صباح الثالث من أبريل الجاري، أفلتت بطارية إيرانية واحدة من كل ذلك. وأسقطت طائرة "إف-15 إي سترايك إيجل" برمز الاستدعاء "FURY 21" فوق جبال زاغروس في غرب إيران، بعد تنفيذ تكتيك الصمت الراداري الكامل حتى لحظة الإطلاق.
وثّق The Middle East Insider أن هذا التكتيك هو ذاته الذي أسقطت به صربيا طائرة F-117 الشبح عام 1999، وأن الجيش الأمريكي درسه دون أن يُحصّن نفسه منه بصورة كاملة.
كان هذا أيضًا أول إسقاط موثق - غربيًا - لمقاتلة أمريكية بنيران إيرانية منذ بدء الصراع، مما يجعله حدثًا ذا ثقل نفسي يتجاوز القيمة المادية للطائرة بمراحل.
اقرأ أيضًا: أنقذوا طيارهم أم فشلوا.. هل تسيطر أمريكا "فعلًا" على سماء إيران؟
36 ساعة بين التكنولوجيا والاستخبارات
قفز طاقم "FURY 21" بمقاعد الطرد "ACES II" وهبطا بالمظلة في تضاريس جبلية شديدة الوعورة على عمق 200 كيلومتر داخل الأراضي الإيرانية.
أُنقذ الطيار في ساعات قليلة بعد أن حدّد موقعه عبر جهاز PRC-648 المدمج في معدات البقاء، الذي أرسل إحداثيات مشفّرة عبر الأقمار الصناعية حتى في حال فقدان الوعي.
أما ضابط الأسلحة فأمضى 36 ساعة مختبئًا في شقوق الجبال وهو يتهرب من قوات الحرس الثوري، فيما رصدته طائرات MQ-9 Reaper بكاميراتها الحرارية ودمّرت بضربات استباقية كل تحرك معادٍ في نطاق ثلاثة كيلومترات منه. هكذا تقول رواية البنتاجون.
وقد قادت وكالة CIA عملية تضليل محكمة أقنعت القيادة الإيرانية بأن الضابط نُقل بالفعل عبر قافلة برية خارج البلاد، مما فتح نافذة زمنية حاسمة لتنفيذ الاستخراج الجوي، كما أشار ترامب، الذي أوضح في مؤتمره الصحفي، كيف أن الدور الذي أدته إسرائيل في هذه العملية كان محوريًا، دون الكشف عن تفاصيله.
في اليوم ذاته الذي أعلن فيه ترامب الانتصار، هدّد بسجن صحفيين كشفوا تأخّر الإعلان عن الطيار الثاني المفقود - وهو توتر أكثر كشفًا لهشاشة السردية الرسمية من السردية ذاتها.
فاتورة الإنقاذ.. 6 طائرات في يوم واحد
يستحق الحساب المادي لهذه العملية وقفة تفصيلية تكشف حجم الاستنزاف الحقيقي.
تفتتح المقاتلة "إف-15 إي سترايك إيجل" قائمة الخسائر، وهي تمثل العمود الفقري للعمليات الجوية الأمريكية في المنطقة وتتجاوز قيمتها 100 مليون دولار.
ويُعد سقوط هذه المقاتلة حلقة جديدة في مسار متصاعد من الخسائر، حيث رصدت مجلة "فوربس" سابقًا فقدان 3 طائرات من الطراز ذاته خلال المرحلة الأولى من الحملة العسكرية.
وتوسعت دائرة الفقد لتشمل طائرتين من طراز "MC-130J Commando II"، التي ذكرت قيادة العمليات الخاصة الجوية، أن تكلفة الطائرة الواحدة تتجاوز 100 مليون دولار.
انتهت رحلة هاتين الطائرتين في الوحل الإيراني نتيجة سوء تقدير للطبيعة الجيولوجية لمنطقة الهبوط.
وتفاديًا لوقوع تقنياتهما الحساسة كغنيمة استخباراتية في أيدي الحرس الثوري، أصدر الضابط المسؤول أمرًا بتنفيذ التدمير الذاتي الاستباقي وفق بروتوكول "إجراءات الإتلاف المتعمد". وفي المقابل، ادعت طهران إسقاط الطائرتين بنيرانها، وهو زعم نفته واشنطن دون تقديم تفاصيل إضافية.
بينما في طبقة جوية أكثر انخفاضًا، تعرضت طائرة الإسناد القتالي "A-10 Thunderbolt II" لإصابة مباشرة بصاروخ "ميثاق-2" المحمول على الكتف. وقد لعب حوض التيتانيوم المحيط بقمرة القيادة دورًا حاسمًا في إنقاذ حياة الطيار، بينما اضطر ضابط آخر للقفز الاضطراري خارج الأجواء الإيرانية.
هذه الحادثة الميدانية أعادت إشعال النقاش داخل أروقة الكونجرس حول مستقبل هذه الطائرة المهددة بالتقاعد، وأكدت دورها الحيوي الذي تفتقر القوات الجوية لبديل جاهز له في ميادين القتال المنخفض.
واكتمل المشهد الميداني بإصابة مروحية واحدة على الأقل من طراز "HH-60W Jolly Green II" التابعة لسرب الإنقاذ 33، وانتهت مهمتها بهبوط اضطراري ونجاة طاقمها بالكامل.

أربعة مراكز بحثية وخلاصة واحدة
هذا التعقيد الميداني دفع أربعة مراكز بحثية كبرى لتقديم قراءات تتباين في صياغتها وتتقاطع في دلالاتها.
فقد أصدر معهد دراسة الحرب (ISW) بيانًا في 4 أبريل الجاري، اعتبر فيه أن فقدان طائرتين يفقد تأثيره الجوهري على حالة التفوق الجوي، مع إشارة ضمنية إلى وجود إعاقة فعلية حين أقر بأن الدفاع الجوي الإيراني أخفق في عرقلة العمليات "بجدية".
وفي تحليل أعمق لأسلوب طهران، رأى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أن إيران تنفذ "حملة عقاب متعددة المجالات" تشمل قطاعات الطاقة والإنترنت والملاحة البحرية.
وأكد المركز أن إسقاط طائرة بـ 100 مليون دولار باستخدام صاروخ لا تتجاوز تكلفته 20 ألف دولار، يجسد استراتيجية استنزاف متعمدة للموارد الأمريكية.
وتتوافق هذه الرؤية مع تقييم مجلة "Small Wars Journal" التي وصفت الأداء الإيراني بالاعتماد على الإطلاق الانتقائي وتخزين الصواريخ عالية التكلفة، مما يعكس إدارة حذرة ومحسوبة للرصيد التسليحي.
وفي خلاصة تجمع هذه الخيوط جميعًا، وضعت شبكة "إيران إنترناشيونال" يدها على الجرح الاستراتيجي بتأكيدها أن القضية تتجاوز مجرد قدرة واشنطن على التحرك الجوي، وتتمحور أساسًا حول المدة الزمنية التي تستطيع خلالها الخزانة الأمريكية تحمل التكلفة الباهظة لهذه العمليات.
المعادلة التي لا تُربح بالاحتفال
إيران تخوض هذه الحرب بمنطق الاستنزاف المحسوب.
صحيفة "الجارديان" وصفت ما جرى بأنه "انتصار دعائي يُخفي تحذيرًا استراتيجيًا"، فيما وصفت طهران العملية بـ"عملية النسر المخزية" استدعاءً صريحًا لـ"Operation Eagle Claw" عام 1980، وهي العملية التي أسقطت هيبة كارتر وغيّرت نتيجة الانتخابات الأمريكية. وقد باتت حرب الروايات المتضاربة في هذا الشأن ميدانًا موازيًا يُدار بالأرقام والصور والتوقيت، ولا يقل أهمية عن الميدان الجوي.
الانتصارات التكتيكية الأمريكية حقيقية وموثقة. والطياران عادا سالمَين في الأغلب، كما تقول رواية البيت الأبيض، حتى وإن لم تُثبت ذلك بظهورهما إلى الآن. والعقيدة القائلة "لا نترك أحدًا خلفنا" تحققت. كما أن السؤال الذي يطرحه هذا كله فيما يتعلق بالجانب الأخلاقي الذي يوازن بين قيمة الإنسان والمال، إجابته واضحة وهي إنسانية بامتياز.
ولكن...
هذا السؤال نفسه إذا ما نظرنا إليه بشكل حسابي صارم؛ فإن إجابته مغايرة بالتأكيد: أبلغ البنتاجون الكونجرس بـ 11 مليار دولار خسرها في 6 أيام. وهذا الرقم يرتفع كل يوم، وطهران تحقق ما أرادته من استنزاف أمريكي، وهي الآن تنتظر.