دلالات رمزية عميقة.. ماذا يعني خطاب الملك بريطانيا أمام الكونجرس الأمريكي؟ "خاص"
كتب : عبدالله محمود
ملك بريطانيا تشارلز الثالث
حظي خطاب الملك البريطاني تشارلز الثالث أمام جلسة مشتركة للكونجرس الأمريكي باهتمام واسع على المستويين الإعلامي والسياسي، باعتباره أول خطاب لملك بريطاني أمام الكونجرس منذ نحو 50 عاما، حيث تأتي هذه الزيارة في توقيت بالغ الحساسية بين البلدين بسبب الهجوم المستمر من قبل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
وتتزامن زيارة تشارلز الثالث، أيضا مع اقتراب الذكرى الـ250 لاستقلال الولايات المتحدة عن بريطانيا في يوليو المقبل، وهو ما أضفى على الحدث طابعاً تاريخيا يتجاوز البروتوكول التقليدي ليعكس تحولات في مسار العلاقات بين الحليفين القديمين.
يؤكد الدكتور أيمن سمير، خبير العلاقات الدولية، أكد أن الخطاب حمل دلالات رمزية عميقة، مشيراً إلى أن العلاقة بين بريطانيا والولايات المتحدة توصف دائماً بأنها “علاقة خاصة”، نظراً للتقارب الثقافي والتاريخي واللغوي بين البلدين، رغم ما شهده التاريخ من صراعات في الماضي.
إشارات تاريخية مهمة
يقول سمير في تصريحات لـ"مصراوي"، إن الملك تشارلز استحضر في خطابه إشارات تاريخية مهمة، ورد على تصريحات سابقة لترامب بشأن أن أمريكا أنقذت أوروبا بالكامل في الحرب العالمية، مؤكدًا له أنه لولا تدخل بريطانيا في بعض المراحل التاريخية كان يمكن أن يغير هوية أجزاء واسعة من أمريكا نفسها، في إشارة إلى الإرث الفرنسي في عدد من الولايات الجنوبية والغربية مثل أريزونا ونيو مكسيكو.
ويرى الخبير في العلاقات الدولية، أن هذا النوع من الخطاب لا يهدف إلى إثارة التوتر، بل إلى تعزيز الروابط التاريخية وإعادة صياغة الذاكرة المشتركة بين البلدين، في وقت تشهد فيه العلاقات السياسية بين بعض القيادات تباينا واضحا، خصوصاً بين ترامب وستارمر.
يشير سمير إلى أن العلاقات بين ترامب وستارمر تمر بمرحلة من البرود السياسي، نتيجة خلافات حول عدد من الملفات الدولية، من بينها الموقف من الحرب الأخيرة ضد إيران، حيث رفضت بريطانيا استخدام بعض قواعدها العسكرية مثل قاعدة "دييجو جارسيا" في العمليات العسكرية الأمريكية، وهو ما اعتبرته واشنطن عاملا أثر على فعالية التحركات العسكرية.
يضيف خبير العلاقات الدولية، أن هذا التباين دفع الولايات المتحدة إلى تنفيذ عملياتها العسكرية بشكل منفرد من خلال السفن والغواصات، وهو ما انعكس على طبيعة المواجهة مع إيران وأعطاها مساحة أوسع للمناورة، وفق تقديرات عسكرية أمريكية.
20 نكتة.. تشارلز يجمع بين التاريخ والفكاهة السياسية
يؤكد سمير أن زيارة الملك تشارلز إلى البيت الأبيض وخطابه أمام الكونجرس جاءت كخطوة تهدف إلى إعادة ترميم العلاقات وإعادة الدفء السياسي بين لندن وواشنطن.
ووفقا لسمير، فإن الملك استخدم أسلوبا دبلوماسيا ناعما، مزج بين التاريخ والفكاهة السياسية، حيث ألقى أكثر من 20 نكتة خلال زيارته، في محاولة لتخفيف حدة التوتر وإضفاء أجواء ودية على اللقاءات الرسمية.
ترميم البيت الأبيض
ويوضح خبير العلاقات الدولية، أنه من بين الإشارات الطريفة التي وردت في الخطاب، تطرق الملك إلى محاولات ترميم البيت الأبيض في التاريخ، مستحضراً حادثة عام 1814 عندما أحرقت أجزاء من المبنى خلال حرب عام 1812، في إشارة رمزية إلى عمق التاريخ المشترك بين البلدين حتى في لحظات الصراع.
ويرى سمير أن هذه الزيارة تعد من أنجح الزيارات البريطانية في عهد ترامب، مقارنة بزيارات سابقة لم تحقق نتائج إيجابية مماثلة، مؤكداً أن الخطاب الملكي ساهم في إعادة التأكيد على مفهوم العلاقة الخاصة بين البلدين، والتي وصفها ترامب نفسه بأنها علاقة لا يمكن مقارنتها بأي تحالف آخر.
تحالف العيون الخمس
ويشير سمير إلى أهمية ما يعرف بـ"تحالف العيون الخمس"، الذي يضم الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا، ويعد من أقوى التحالفات الاستخباراتية في العالم، حيث يقوم على تبادل المعلومات الأمنية والاستخباراتية بشكل غير مسبوق.
ويؤكد خبراء العلاقات الدولية، أن خطاب الملك تشارلز لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل رسالة سياسية محسوبة تهدف إلى إعادة ضبط إيقاع العلاقات بين لندن وواشنطن، في وقت تتزايد فيه التحديات الدولية وتتعقد فيه التحالفات التقليدية، ما يجعل من العلاقة الخاصة بين البلدين أحد أهم ركائز الاستقرار في المعسكر الغربي.