ترامب في خطابه بشأن حرب إيران
عكس خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للأمة، فجر اليوم الخميس (بتوقيت القاهرة)، تحولًا دراماتيكيًا في مسار "عملية الغضب الملحمي"، مقدمًا مشهدًا معقدًا تتداخل فيه لغة القوة العسكرية المفرطة مع رغبة سياسية ملحة في الانسحاب السريع من حرب إيران.
وبينما سوّق الخطاب لانتصارات تكتيكية مدمرة ضد البنية التحتية الإيرانية، ترك الباب مفتوحًا على مصراعيه أمام تساؤلات وجودية تثير الرعب في الأوساط الأمنية الإسرائيلية؛ إذ وخلف التعهدات بحماية الحلفاء وتدمير التهديد النووي، برزت ملامح استراتيجية أمريكية تميل إلى الخروج الأحادي، دون احتلال ونزول بالقوات على الأراضي الإيرانية، مع التخلي التام عن الالتزام الأمريكي بمضيق هرمز حمايةً لحلفائها، وهو أمر قدر ينذر بترك تل أبيب غارقة وحدها في مستنقع تداعيات ما بعد الحرب.
"ترامب اكتفى بسرد موجز لأفكار اعتاد طرحها عبر منصات مختلفة، متجاهلًا في الوقت ذاته التداعيات الاقتصادية القاسية والسيناريوهات الميدانية الغامضة"
د. مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي
حرب إيران واستراتيجية الخروج الأمريكي المكتوم
في قراءة تحليلية معمقة للخطاب الأخير، يفكك الدكتور مهدي عفيفي، عضو الحزب الديمقراطي الأمريكي، مضامين الرسائل الرئاسية، موضحًا أنها جاءت كإعادة إنتاج لمواقف وتصريحات سابقة.
وهو يشير إلى أن حديث ترامب اكتفى بسرد موجز لأفكار اعتاد طرحها عبر منصات مختلفة، متجاهلًا في الوقت ذاته التداعيات الاقتصادية القاسية والسيناريوهات الميدانية الغامضة، فيما اكتفى بادعاء إنجاز واشنطن لغالبية أهدافها، الأمر الذي يفسره عفيفي - في تصريحاته الخاصة لمصراوي - بمحاولة ترامب الرد على المؤسسات الأمنية والاستخباراتية الأمريكية التي تنفي باستمرار وجود أي تهديد إيراني مباشر ومؤثر على الأراضي الأمريكية.
تتقاطع قراءة عفيفي مع الرؤية الرسمية التي يروج لها البيت الأبيض، حيث تؤكد وثائق الإدارة الأمريكية أن الرئيس يقود استراتيجية ذات "أهداف واضحة وثابتة" تتركز حصرًا على تدمير الصواريخ الباليستية وشل القدرات البحرية والنووية.
هذا التحديد الضيق للأهداف يعفي واشنطن من التورط في مساعي "تغيير النظام" أو إرسال قوات برية لاحتلال أراضٍ إيرانية.
اقرأ أيضًا: لعبة الأرقام.. ترامب يستحضر "فيتنام" و"العراق" ليثبت سرعة انتصاره في حرب إيران
ما الذي قدمه ترامب بخطابه؟
وقد أشارت شبكة "سي إن إن" في تحليلها للخطاب إلى أن ترامب قدم أقوى مبرراته لشن الحرب، لكنه فشل تمامًا في تبديد المخاوف العميقة بشأن كيفية إنهائها أو إدارة مرحلة ما بعد توقف إطلاق النار.
نوايا الخروج السريع هذه تتأكد من خلال تصريحات ترامب المباشرة التي أعلن فيها أن الأهداف العسكرية "تقترب من الاكتمال".
لقد كرر الرئيس وعوده بإنهاء العمليات وتدمير القدرات الإيرانية خلال "أسبوعين أو ثلاثة أسابيع"، ملوحًا بتوجيه ضربات قاصمة تعيد طهران إلى "العصر الحجري" كخطوة أخيرة قبل إسدال الستار على التدخل المباشر.
وهذا الجدول الزمني القصير يمثل رسالة طمأنة للداخل الأمريكي المنهك، ولكنه في الوقت ذاته يمثل جرس إنذار مبكر لإسرائيل بأن المظلة الجوية الأمريكية لن تدوم طويلًا.

نزيف الترسانة الاستراتيجية الأمريكية في حرب إيران
لا ينبع استعجال الإدارة الأمريكية لإنهاء الحرب من فراغ سياسي فحسب، بل تحركه أزمة عسكرية ولوجستية طاحنة داخل أروقة البنتاجون.
وقد كشفت تقارير بحثية وتسريبات عسكرية أن القوات الأمريكية وحلفاءها استهلكوا كميات هائلة من الذخائر الاستراتيجية، بلغت أكثر من 11 ألف ذخيرة متنوعة في أول 16 يومًا فقط منذ بدء الحملة أواخر شهر فبراير الماضي.
وتشير التقديرات إلى أن صواريخ الاعتراض المتقدمة من طراز "ثاد" (THAAD) وصواريخ الهجوم الدقيقة (PrSM) قد تنفد تمامًا بحلول منتصف أبريل الجاري.
ورغم نفي ترامب المتكرر في تصريحاته لوجود أي نقص في مخزونات الأسلحة الأمريكية، تدرك دوائر صنع القرار أن تعويض هذه الترسانة الباهظة سيكبد دافع الضرائب الأمريكي ما يقرب من 50 مليار دولار إضافية.

خطاب لا إشارات حقيقية
وهذا النزيف المالي والعسكري يفسر تعمد الخطاب الرئاسي غض الطرف تمامًا عن الهموم الاقتصادية للمواطن الأمريكي.
يشير الدكتور عفيفي أيضًا، في حديثه مع مصراوي، إلى خلو هذا الخطاب من أية إشارات إلى معدلات التضخم المرتفعة، وتكلفة الحرب الباهظة، وأزمة غلاء السلع، ومخاوف المزارعين، حيث برر ترامب أزمة أسعار الوقود باعتبارها مجرد "تضحية مؤقتة" في سبيل القضاء على التهديد الإيراني.
وتخلق هذه الضغوط المتراكمة بيئة طاردة للتدخل الأمريكي الممتد، وتجعل من خيار حرب الاستنزاف الطويلة أمرًا مستحيلًا من الناحية اللوجستية والسياسية.
فالولايات المتحدة لا تستطيع المخاطرة بتفريغ مستودعاتها الاستراتيجية في الشرق الأوسط بينما تترقب تهديدات محتملة في مسارح عمليات أخرى حول العالم.
وبالتالي، فإن قرار الانسحاب أو الاكتفاء بالرقابة عن بعد لم يعد خيارًا تكتيكيًا، بل ضرورة حتمية تفرضها لغة الأرقام وقدرة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي على تلبية احتياجات المعركة.
اقرأ أيضًا: انكسار النظام الإيراني.. كيف يهدد بإحياء دولة "الحشاشين"؟
إسرائيل وإيران وعبء المواجهة المنفردة
يضع هذا الخروج الأمريكي المتوقع إسرائيل أمام معضلة أمنية غير مسبوقة، حيث ستجد نفسها مضطرة للتعامل مع بيئة إقليمية شديدة العداء دون الغطاء النيراني الكثيف الذي وفره البنتاجون.
وتحذر تقديرات معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) من خطورة تشكل "فراغ استراتيجي" إذا اكتفت واشنطن بإعلان "نصر تكتيكي" وانسحبت. فبقاء النظام الإيراني، حتى مع تدمير بنيته التحتية الحالية، يعني احتفاظه بالقدرة على إعادة بناء منظوماته العسكرية والنووية سرًا، مما يضع تل أبيب في حالة من "العبء الاستراتيجي الزائد" الدائم.
واستباقًا لسيناريو التخلي الأمريكي، سارعت المؤسسة العسكرية الإسرائيلية إلى وضع خطط طوارئ للتعامل مع "اليوم التالي".

خطط اليوم التالي
وتكشف تقارير استخباراتية أن إسرائيل أعدت خططًا تفصيلية لمواصلة توجيه ضربات جوية مكثفة لأهداف إيرانية لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل بعد توقف العمليات الأمريكية، في محاولة لتعظيم حجم الدمار وتأخير قدرة طهران على التعافي لأطول فترة ممكنة.
ومع ذلك، تدرك القيادة الإسرائيلية أن قدراتها الذاتية ومخزوناتها من صواريخ الاعتراض لا تضاهي الآلة العسكرية الأمريكية، مما يجعل المواجهة المنفردة مقامرة محفوفة بالمخاطر.
وللتخفيف من حدة هذا المأزق، تسعى إسرائيل جاهدة إلى استبدال التواجد العسكري الأمريكي المباشر بترتيبات أمنية إقليمية طويلة الأمد.
وتوصي مراكز الأبحاث الإسرائيلية بضرورة استغلال الاندفاعة الحالية لبناء تحالف دفاعي إقليمي يضمن توفير إنذار مبكر ضد أي هجمات إيرانية مستقبلية.
بينما وبالتوازي مع ذلك، تكثف تل أبيب ضغوطها السياسية لانتزاع ضمانات عسكرية صارمة من إدارة ترامب قبل خروجها، تضمن استمرار تدفق الأسلحة النوعية والحفاظ على حالة ردع مشتركة تمنع طهران من استغلال الغياب الميداني للقوات الأمريكية.
الابتزاز الجيوسياسي وعقيدة التخلي
لم تقتصر رسائل الخطاب الترامبي على إسرائيل وإيران، بل حملت دلالات عميقة تعكس عقيدة ترامب الانعزالية والقائمة على الابتزاز الجيوسياسي للحلفاء.
يتجلى هذا بوضوح في طريقة تعاطي الرئيس الأمريكي مع معضلة مضيق هرمز، حيث وضع حلفاء واشنطن الأوروبيين أمام خيارات قاسية. إذ وفقًا لتحليل الدكتور مهدي عفيفي، خيّر ترامب أوروبا صراحة بين شراء النفط الأمريكي مباشرة، أو امتلاك الجرأة لتحمل مسؤولية حماية المضيق وتأمين وارداتها منه بمفردها، مذكرًا إياهم بأن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة لهذا الممر المائي الاستراتيجي.

لا حماية مجانية
ويعكس هذا الموقف فلسفة ترامب القائمة على مبدأ "لا حماية مجانية"، ويعتبر هذا الطرح عقابًا لأوروبا على رفضها السابق للاشتراطات الأمريكية لتأمين الملاحة البحرية.
وفي سياق متصل، حذرت صحيفة الجارديان من أن سياسات ترامب تخلق "حرب تراجع" تدمر الاستقرار الاستراتيجي، حيث يكتفي بتأمين المصالح الأمريكية الضيقة دون اكتراث بالتداعيات الجيوسياسية التي تضرب حلفاء واشنطن التقليديين.
أما على صعيد الملف النووي الإيراني المتبقي، فقد استبدل ترامب فكرة التواجد العسكري الرادع على الأرض باستراتيجية الرقابة التكنولوجية.
وأكد في خطابه على فرض رقابة صارمة على مخزون اليورانيوم الإيراني باستخدام الأقمار الصناعية والقدرات الاستخباراتية التي أسماها "أعين أمريكا"، متعهدًا بعدم السماح لطهران باستغلال هذا المخزون.
هذا الاعتماد الكلي على الرقابة الفضائية يؤكد نية الإدارة الأمريكية في نفض يدها من أي تورط ميداني مباشر لاحقًا، مما يرسخ القناعة بأن إسرائيل ستواجه تحديات "اليوم التالي" منفردة في مستنقع إقليمي بالغ التعقيد. فهل تستطيع دون الولايات المتحدة؟ وهل الأخيرة قادرة على البقاء في حرب غير معلومة النهايات؟