دونالد ترامب
عاد الجدل الصاخب ليحيط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب من جديد، حيث أثارت سلوكياته وتصريحاته الأخيرة تساؤلات حادة حول أهليته العقلية لممارسة مهامه، فبينما يراه أنصاره سياسياً "داهية"، يرى خصومه أن تصريحاته المتطرفة والعدائية تعكس حالة من عدم الاتزان؛ وهو نقاش لازم مسيرته السياسية لعقد من الزمان، لكنه بلغ ذروته مؤخراً.
تصريحات أشعلت الأزمة
وفقاً لما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز"، تسببت سلسلة من المواقف المتضاربة في تعميق مخاوف المراقبين، كان أبرزها تهديده الأسبوع الماضي بمحو إيران عبر قوله "ستموت حضارة بأكملها الليلة"، وهجومه غير المسبوق على "البابا" واصفاً إياه بـ "الضعيف في مكافحة الجريمة والمروع في السياسة الخارجية"، هذه التصريحات تركت انطباعاً لدى منتقديه بأنه حاكم يميل للاستبداد ويعاني من هواجس السلطة.
تحرك تشريعي "بعيد المنال"
في هذا السياق، كشف ديمقراطيون في مجلس النواب، أمس الثلاثاء، عن مشروع قانون يهدف إلى إنشاء لجنة خاصة لتقييم ما إذا كان ينبغي تفعيل التعديل الخامس والعشرين من الدستور، الذي يتيح عزل الرئيس ترامب في حال ثبوت عدم أهليته، وجاء هذا التحرك بعد دعوات من أكثر من 85 نائبًا ديمقراطيًا في مجلسي النواب والشيوخ، طالبوا إما بعزل ترامب أو إقالته بموجب هذا التعديل، عقب تصريحاته بشأن إيران.
ورغم ذلك، اعتبر موقع أكسيوس (المقرب من البيت الأبيض)، أن فرص تمرير المشروع تبدو ضعيفة، في ظل سيطرة الجمهوريين على الكونجرس، إضافة إلى إمكانية استخدام ترامب حق النقض (الفيتو)، ومع ذلك، يحظى المشروع بدعم عشرات المشرعين الديمقراطيين الذين يميلون إلى اتخاذ خطوات أكثر حدة في التعامل مع الرئيس.
ويقود هذا المقترح النائب جيمي راسكين، العضو البارز في اللجنة القضائية بمجلس النواب، حيث قدم مشروع قانون من 10 صفحات ينص على تشكيل لجنة من 17 عضوًا، وفق المادة الرابعة من التعديل الخامس والعشرين، وتُمنح هذه اللجنة صلاحية إجراء تقييم طبي للرئيس لتحديد مدى قدرته العقلية والجسدية على أداء مهامه، قبل رفع توصياتها إلى الكونجرس.
وينص التعديل على أنه يمكن لنائب الرئيس وأغلبية أعضاء الحكومة، أو هيئة يحددها الكونجرس، إعلان عدم أهلية الرئيس لتولي منصبه، إلا أن تفعيل هذا الإجراء يتطلب موافقة سياسية واسعة، لا سيما من داخل الحزب الجمهوري.
حتى الآن، لم يمتد الخلاف داخل التيار اليميني إلى حد إضعاف دعم الجمهوريين لترامب في الكونجرس، كما لم تظهر مؤشرات على تأييد داخل مجلس الوزراء لأي خطوة من هذا النوع، ما يقلل من فرص تطبيق التعديل في الوقت الراهن، ومع ذلك، يعكس الطرح تصاعد القلق لدى شريحة من الأمريكيين، خاصة مع تقدم ترامب في السن واقترابه من عامه الثمانين.
شبح "السن" في استطلاعات الرأي
تأتي هذه التحركات وسط قلق شعبي متزايد؛ ففي استطلاع لـ "رويترز/إيبسوس"، في فبراير، وتشير استطلاعات الرأي إلى تنامي هذه المخاوف، إذ أظهر استطلاع أجرته رويترز بالتعاون مع إيبسوس أن 61% من الأمريكيين يرون أن ترامب أصبح أكثر تقلبًا مع التقدم في العمر، بينما تراجعت نسبة من يعتبرونه "حاد الذكاء وقادرًا على التعامل مع التحديات" إلى 45%، مقارنة بـ54% في عام 2023، كما أظهر استطلاع أجرته يوغوف أن نحو 49% من الأمريكيين يرون أنه بات كبيرًا في السن لتولي الرئاسة.
ما هو التعديل الخامس والعشرون؟
أُقرّ التعديل الخامس والعشرون عام 1967، عقب اغتيال الرئيس جون إف كينيدي، بهدف تنظيم آلية انتقال السلطة وضمان استمرارية القيادة التنفيذية، ويعالج التعديل مسألة شغور منصب نائب الرئيس، التي لم ينص عليها الدستور بشكل واضح سابقًا.
لم يتناول البند الأصلي للدستور المتعلق بخلافة الرئيس مسألة شغور منصب نائب الرئيس، ووفقًا لدائرة أبحاث الكونغرس، فقد ظل منصب نائب الرئيس شاغرًا لأكثر من 37 عامًا متراكمة بين الولاية الأولى للرئيس جورج واشنطن عام 1789 وعام 1967، وذلك بسبب الوفاة أو الاستقالة أو خلافة الرئاسة.
هل استُخدم من قبل؟
استُخدمت المادة الثالثة من التعديل في حالات مؤقتة، مثل خضوع الرئيس السابق جو بايدن لإجراء طبي عام 2021، أما المادة الرابعة، التي تسمح بعزل الرئيس قسرًا، فلم تُفعّل حتى الآن.
وكانت دعوات سابقة قد طُرحت لتفعيل هذا التعديل عقب أحداث اقتحام مبنى الكابيتول الأمريكي 2021، حيث طالب ديمقراطيون، بينهم تشاك شومر ونانسي بيلوسي، نائب الرئيس آنذاك مايك بنس بالتحرك، دون أن تسفر تلك الجهود عن نتائج، ويُذكر أن ترامب فاز بولاية رئاسية ثانية في انتخابات 2024، متفوقًا على منافسته كامالا هاريس في المجمع الانتخابي.
في النهاية، يرى خبراء من بينهم سكوت أندرسون من معهد بروكينغز، أن تفعيل التعديل الخامس والعشرين يظل احتمالًا ضعيفًا، ما لم يحدث انقسام كبير داخل الحزب الجمهوري، نظرًا للحاجة إلى موافقة ثلثي أعضاء الكونجرس.