عُقدة "بيت العنكبوت".. لماذا تُصر إسرائيل على حصار مدينة بنت جبيل اللبنانية؟
كتب : مصطفى الشاعر
حصار مدينة بنت جبيل اللبنانية
تتصدر مدينة "بنت جبيل" المشهد الميداني في جنوب لبنان كعنوان رئيسي للمعارك الدائرة، حيث يسعى جيش الاحتلال الإسرائيلي لفرض سيطرته على المدينة الاستراتيجية، وسط تصدٍ عنيف من مقاتلي حزب الله، في مواجهة تُعيد للأذهان ذكريات حرب عام 2006.

الميدان: حصار ومعارك من مسافة صفر
أفادت التقارير الواردة من القطاع الأوسط، بتصاعد وتيرة الاشتباكات في محيط "بنت جبيل"، حيث أعلن الجيش الإسرائيلي تطويق المدينة وتنفيذ عمليات اعتقال وقتل لمسلحي الحزب.
وفي توثيق ميداني، نشر جيش الاحتلال صورا ومقاطع فيديو لجنوده داخل أحياء المدينة، مؤكدا اعتقال ثلاثة مقاتلين في 14 أبريل، فيما اعترف بإصابة 10 من جنوده ومقتل ضابط برتبة مقدم في المعارك الضارية.
في المقابل، يؤكد حزب الله أن مقاتليه لا يزالون يخوضون "مواجهات مباشرة" لمنع التوغل الإسرائيلي، مشددا على أن السيطرة الكاملة على المدينة لم تتحقق بعد.

الجغرافيا السياسية: لماذا بنت جبيل؟
تقع بنت جبيل على ارتفاع 770 مترا عن سطح البحر، وتبعد نحو ثلاثة كيلومترات فقط عن الحدود، مما يمنحها موقعا إشرافيا حاكما على نقاط عديدة في الجنوب.
ويرى مراقبون عسكريون، أن السيطرة الإسرائيلية عليها تعني عمليا قطع طرق الإمداد عن مقاتلي الحزب في المنطقة، وهو ما يُفسر الإصرار الإسرائيلي على اقتحامها رغم تكلفتها البشرية العالية، حيث وصفها جنود إسرائيليون في حروب سابقة بأنها "جهنم على الأرض"، حسبما أفادت شبكة "بي بي سي" البريطانية.

الأهمية الرمزية: من "بيت العنكبوت" إلى قلب الصراع
تحمل المدينة إرثا معنويا هائلا لطرفي النزاع؛ فهي بالنسبة لحزب الله "عاصمة المقاومة والتحرير"، والمكان الذي ألقى فيه الأمين العام السابق حسن نصر الله خطابه الشهير عام 2000، واصفا إسرائيل بأنها "أوهن من بيت العنكبوت".
أما بالنسبة لإسرائيل، فتُمثّل السيطرة على بنت جبيل "نصرا رمزيا" لكسر هذا الشعار، وقد تجلى ذلك في استخدام المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي لنفس العبارة للترويج للمكاسب الميدانية بعد تدمير معالم المدينة المرتبطة بذاكرة الحزب.
تاريخ عريق وسوق دمرته الحروب
بنت جبيل، التي عُرفت قديما بمدينة "الشمس"، تمتاز بهوية تاريخية تعود للحقبتين الفينيقية والرومانية، وتضم معالم تراثية مثل "المسجد الكبير" الذي يبلغ عمره 300 عام.
كما اشتهرت بـ "سوق الخميس" التاريخي الذي كان يُمثّل شريانا تجاريا يربط جنوب لبنان بفلسطين قبل عام 1948. هذا السوق الذي دُمّر بالكامل في حرب 2006 وأعيد بناؤه، يواجه اليوم خطر الدمار الشامل مرة أخرى مع تحول المدينة إلى ساحة حرب مفتوحة.

تظل "بنت جبيل" أكثر من مجرد نقطة جغرافية على الخارطة؛ إنها اختبار للقوة العسكرية والرمزية السياسية. وبينما يحاول الجيش الإسرائيلي محو ذاكرة "بيت العنكبوت" بالسيطرة الميدانية، يُقاتل حزب الله للحفاظ على أحد أهم معاقله التاريخية، لتبقى المدينة، برغم صغر مساحتها، العنوان الأبرز لمسار الحرب الحالية وتوازناتها القادمة.