أمريكا نمر ورق بمفاوضات لبنان (صورة AI)
خلال أقل من 24 ساعة، تبدل المشهد من دوي واحدة من أعنف موجات القصف الإسرائيلي على لبنان، إلى إعلان دبلوماسي مفاجئ بالاستعداد لفتح مفاوضات مباشرة "في أسرع وقت ممكن". وهو تحول مفاجئ جاء بعد تعثر كاد يودي بهدنة الأسبوعين بين إيران وأمريكا تحت وطأة الخلاف على شمول لبنان بالنطاق الجغرافي لهذه الهدنة.
ومن هذه النقطة الشائكة تحديدًا، تبرز القراءة الاستراتيجية الأهم؛ فالمشهد يتجاوز كونه مجرد خطوة تفاوضية جديدة، ويكشف طبيعة لحظة إقليمية بالغة التعقيد.
إذ بدت الإدارة الأمريكية حريصة على تثبيت مسار التهدئة مع طهران، فيما كانت تل أبيب تتحرك على إيقاع مختلف، تحاول فيه الحفاظ على حرية حركتها العسكرية على الجبهة الشمالية من دون أن تتحمل كلفة تفجير المسار الدبلوماسي الوليد.
وهنا تتجاوز الأسئلة سطور بيان نتنياهو نفسه: هل اختارت إسرائيل التفاوض اكتفاءً بما حققته آلة القصف، أم استجابةً لضغط سياسي يهدد بنسف المسار الذي فتحته إدارة ترامب مع إيران؟ وهل يمنح التفاوض مع لبنان فرصة صمود إضافية للهدنة الهشة، أم يؤكد أن المنطقة ما تزال تتحرك فوق أرض قابلة للاشتعال في أية لحظة؟
لبنان تحت النار.. شروط على الطاولة المعلقة
بيان نتنياهو كان واضحًا في شكله السياسي: مفاوضات مباشرة مع لبنان "في أسرع وقت ممكن"، وعلى الطاولة بندان محددان هما "نزع سلاح حزب الله" و"إقامة علاقات سلمية" بين الجانبين. هذا هو النص الذي أوردته وكالة "رويترز" في تغطيتها لإعلان نتنياهو فتح المسار التفاوضي.
بينما قبل ذلك بساعة تقريبًا، كان الرئيس اللبناني جوزيف عون يتحدث عن أن "الحل الوحيد" يبدأ بوقف إطلاق نار بين إسرائيل ولبنان، تعقبه مفاوضات مباشرة بينهما.
وقد نقلت "رويترز" عن مسؤول لبناني كبير أن بيروت دفعت خلال الساعات السابقة نحو وقف إطلاق نار مؤقت يتيح فتح مسار تفاوض أوسع، مع حاجة واضحة إلى وسيط وضامن أمريكي.
ما يعني أن الطاولة لم تُفتح في لحظة انفراج هادئة، وإنما وسط اشتباك سياسي وعسكري متشابك.
فلبنان كان يطلب وقفًا للنار أولًا، بينما كان نتنياهو يعرض التفاوض مقرونًا بسقف أمني وسياسي مرتفع. والفجوة بين الطلبين توحي بأن الحديث لا يدور حول تسوية ناضجة بقدر ما يدور حول محاولة كل طرف استثمار اللحظة الحرجة لمصلحته: بيروت تريد وقف النزيف، فيما تسعى تل أبيب إلى تثبيت نتائج النار داخل أي مسار سياسي مقبل.

24 ساعة دموية.. رسائل قصف لبنان
التوقيت هنا هو مفتاح القراءة. فإعلان نتنياهو جاء بعد يوم وصفته "رويترز" بأنه هدد الهدنة الأمريكية الإيرانية نفسها، بغارات إسرائيلية على لبنان قتلت أكثر من 300 شخصًا، في وقت كانت فيه المحادثات المنتظرة بين واشنطن وطهران لا تزال في طور التشكل.
وقد استهدفت إسرائيل 100 هدف في أنحاء لبنان، فيما وصفت وكالة "أسوشيتد برس" الهدنة - في أعقاب تلك الضربة - بأنها بدت مهددة مع اتساع الضربات الإسرائيلية على الجبهة اللبنانية.
هذا التزامن بين اتساع القصف وفتح باب التفاوض يمنح الضربات وظيفة تتجاوز بعدها العسكري، لتصبح جزءًا من الرسالة السياسية نفسها. فعندما يولد التفاوض بعد هذا المستوى من الضربات، تبدو الصورة أقرب إلى محاولة إسرائيلية للدخول إلى الطاولة من بوابة الردع والضغط.
غير أن المشهد نفسه يحمل إشارة معاكسة أيضًا: لو كانت النار وحدها كافية لإنتاج الحسم، لما احتاجت الحكومة الإسرائيلية أصلًا إلى فتح مسار تفاوضي مباشر في هذه اللحظة شديدة الحساسية.
فيتو أمريكي في لبنان.. كيف أنقذ "ترامب" هدنة إيران؟
هنا، يدخل العامل الأمريكي بقوة. إذ يصف مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي الهدنة بين واشنطن وطهران بأنها "هشة"، ويشير إلى أن الخلاف ما يزال قائمًا حول ما إذا كان لبنان داخلها أم خارجها، في وقت قال فيه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس إن الهدنة قابلة للانهيار تحت ضغط أي تصعيد جديد.
وفي تغطيتها، أوردتها صحيفة التلجراف البريطانية، نقلًا عن فانس قوله إن إسرائيل أبدت استعدادًا لأن "تكبح نفسها قليلًا" في لبنان، لأن الإسرائيليين يريدون التأكد من نجاح المفاوضات.
هذه العبارة وحدها تكشف حجم الضغط الأمريكي في تلك اللحظة: إدارة ترامب لا تريد فتح جبهة خلاف جديدة مع إسرائيل، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع تحمل انهيار المسار الذي أعلنت عنه مع إيران قبل أن يبدأ أصلًا.
وواشنطن، بحسب ما أعلنته علنًا، لم تقل إن لبنان جزء من التفاهم. لكن سلوكها السياسي عكس قناعة واضحة بأن أي انفجار كبير هناك قد يضرب الهدنة في مقتل. وهو ما يفسر التناقض الأمريكي الظاهر: البيت الأبيض ينفي شمول لبنان بالاتفاق، بينما الإدارة نفسها تتحرك لحماية التفاوض مع طهران، وتتابع عن قرب أي تطور قد تستخدمه إيران ذريعة للانسحاب أو التعطيل.
ولذلك، فإن جلوس إسرائيل إلى الطاولة يبدو، في أحد وجوهه الأساسية، استجابة لسقف أمريكي أراد ضبط الإيقاع أكثر من كونه انعطافة إسرائيلية نابعة من اقتناع كامل بجدوى التهدئة.

عقدة "النجاح التكتيكي".. إسرائيل تبحث عن مخرج
في قراءة نشرتها "رويترز"، يقول ناثان براون، الباحث في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، إن قادة إسرائيل انتهوا إلى أنهم يخوضون "حربًا دائمة" ضد خصوم لا يمكن القضاء عليهم نهائيًا، وإنما يجري التعامل معهم عبر الردع والتفكيك والانتشار الميداني. هذا التوصيف يشرح كثيرًا مما يظهر في المشهد الحالي.
إسرائيل إذن تمتلك قدرة واضحة على توجيه ضربات هائلة، لكنها تصطدم في كل مرة بالسؤال الأصعب: ماذا بعد الضربة؟ كيف تتحول النار إلى ترتيب سياسي ثابت؟ وهذا هو جوهر المعضلة الإسرائيلية كما تظهر في القراءة السابقة، وهو أيضًا ما يمنح خطوة التفاوض مع لبنان معناها الأعمق.
المعضلة نفسها ظهرت في تحليل نشره مركز إيرام للدراسات الإيرانية في أنقرة، حيث كتب الباحث أورال توجا عن الفجوة الإسرائيلية المزمنة بين "الانتصار التكتيكي" و"النجاح الاستراتيجي".
وبحسب هذا التحليل، فإن التفوق العسكري قد يربك الخصم ويكلفه كثيرًا، لكنه لا يضمن نهاية سياسية مستقرة.
وعندما يُقرأ إعلان التفاوض مع لبنان في هذا الإطار، تتضح ملامح المأزق الإسرائيلي: قوة النيران حاضرة، أما الترجمة السياسية فتبقى معلقة ومتعثرة، وتحتاج في النهاية إلى تدخل أمريكي وإلى طاولة تفاوض يظل الوصول إليها نفسه اعترافًا بأن الحرب وحدها لم تُنهِ المسألة.
ويزيد هذه الصورة وضوحًا ما ظهر في النقد الإسرائيلي والغربي للمحصلة الأوسع للحرب.
ففي تحليل نشرته فرانس 24، قال يوسي ميكلبرج، الباحث الاستشاري البارز في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في تشاتام هاوس، إن الحديث عن تغيير كبير داخل إيران بدا "بين المضحك والمأساوي"، لأن النظام ما يزال قائمًا، مضيفًا أن بعض الأشخاص فقط هم من تغيروا، أما النظام نفسه فما يزال هو نفسه "وربما أسوأ".
وفي السياق نفسه، نقلت فرانس 24 عن زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد قوله: "لم تكن إسرائيل حتى قريبة من الطاولة حين اتُّخذت قرارات تمس جوهر أمنها القومي"، واصفًا ما جرى بأنه "كارثة سياسية" غير مسبوقة في تاريخ إسرائيل.
هذا المناخ النقدي لا يصدر عن دولة مطمئنة إلى أنها خرجت من الحرب بما أرادت، وإنما عن دولة تخشى أن تكون دفعت كلفة المواجهة ثم وجدت نفسها مضطرة إلى التكيف مع تسوية لم تصغها وحدها.
الرابح الصامت.. إيران تفرض شروطها من بعيد
إيران، من جهتها، لا تملك رفاهية الحديث عن نصر نظيف أو كامل. لكنها تملك ما يكفي للقول إنها منعت خصومها من تحويل الحرب إلى استسلام، بحسب تحليل نشرته "رويترز"، يذكر أن طهران خرجت من الحرب "مثخنة بالجراح ولكن قوية"، مع احتفاظها بورقة مضيق هرمز وقدرتها على تهديد الأسواق والطاقة وجيرانها.
وقد نقلت الوكالة عن فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، أن هذه الحرب قد تُذكر باعتبارها "سوء تقدير استراتيجيًا جسيمًا" من ترامب.
والمعنى هنا أن إيران تعرضت بالفعل لضربات قاسية، لكنها بقيت ممسكة بأوراق ضغط تجعل أي اتفاق لاحق محتاجًا إلى مراعاة شروطها، لا إلى فرض الإملاءات عليها من طرف واحد.
كذلك، يرى إلدار محمدوف، في تحليل نشره موقع ريسبونسيبل ستيت كرافت، أن الضربات الإسرائيلية على لبنان بعد إعلان الهدنة تحركت في الاتجاه المعاكس لمسار كان يفترض أن يفتح باب التهدئة، وأن طهران تمسكت بإدخال لبنان ضمن أي ترتيب لأنها لا تريد اتفاقًا يسمح لواشنطن بإغلاق جبهتها المباشرة معها، ويترك إسرائيل مطلقة اليد ضد حزب الله.
ومن هذه الزاوية، يصبح جلوس إسرائيل إلى التفاوض مع لبنان تطورًا يمنح إيران ورقة سياسية واضحة: الجبهة اللبنانية لم تعد تفصيلًا ثانويًا يمكن شطبه بسهولة من أي معادلة إقليمية جديدة.
ويُفهم ذلك أيضًا في تقييم مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي لما بعد الهدنة. إذ يقر المجلس بأن الواقع الجديد لا يشير إلى تغيير نظام في إيران، ولا إلى قيادة أقل تشددًا، ولا حتى إلى اختفاء قدرة طهران على تهديد جيرانها.
ويقول ستيفن كوك، الباحث الأقدم في دراسات الشرق الأوسط وإفريقيا بالمجلس، بوضوح: "لا أرى كيف ستغير المفاوضات هذا الواقع". هذا التقييم لا يمنح إيران شهادة نصر، لكنه يرسخ فكرة أكثر أهمية: القوة الأمريكية والإسرائيلية لم تنجح في كسر البيئة الاستراتيجية التي تتحرك فيها طهران، وما يزال على واشنطن أن تفاوضها من داخل هذا الواقع لا من فوقه.

تغيير النظام هو الهدف النهائي.. والمأزق في لبنان
في قراءة أمريكية من الداخل، تكشف جانبًا من كواليس تفكير الإدارة الأمريكية والحزب الجمهوري، يقول باري دوناديو، الضابط السابق بجهاز الخدمة السرية الأمريكية والقيادي البارز بالحزب الجمهوري، في تصريحاته لـ"مصراوي"، إن الهدنة في إيران منفصلة تمامًا عن الصراع اللبناني، موضحًا أن التفاهمات الحالية تتعلق فقط بالهجمات المباشرة بين أمريكا وإسرائيل والبر الرئيسي الإيراني.
ويشير الرجل - الذي تولى تأمين عدد من الرؤساء الأمريكيين، إلى أن القاعدة الوحيدة لدمج لبنان في هذه الهدنة هي أن "تعترف طهران رسميًا بأن حزب الله جزء من نظامها وأنه يهاجم إسرائيل نيابة عنها".
ويكشف القيادي بالحزب الجمهوري لـ"مصراوي" أن إدارة الرئيس ترامب انخرطت في هذه الهدنة القصيرة لسبب استراتيجي محدد؛ وهو منح النظام الإيراني الحالي فرصة لـ "قراءة المكتوب على الجدار"، وإعطائهم الوقت للتفكير في التخلي عن السلطة وإعادتها للشعب الإيراني والتقاعد من مناصبهم، وليس بالضرورة إعلان استسلام عسكري تقليدي.
ويتوقع دوناديو حدوث انتهاكات صغيرة من الجانبين خلال هذين الأسبوعين، محذرًا من أن اشتعال جبهة لبنان قد يطيح بالهدنة إذا لم يتحلَ الطرفان بأقصى درجات الصبر.
وحول الشروط التي وضعها نتنياهو على طاولة التفاوض، يشكك الخبير العسكري الأمريكي في قدرة تل أبيب على تنفيذها عمليًا، مؤكدًا أنه "سيكون من الصعب جدًا على إسرائيل نزع سلاح حزب الله بمفردها دون قوات برية".
ويضيف أن إسرائيل لجأت لهذا التصعيد الشامل في لبنان بعد أن فشلت الحكومة اللبنانية في تنفيذ تعهداتها السابقة بنزع سلاح الحزب وفقًا لاتفاقيات سابقة، على حد قوله.
وفي رد مباشر يتناقض مع التقييمات الغربية التي تستبعد فكرة إسقاط النظام الإيراني، يحسم دوناديو الجدل قائلًا: "الهدف النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل هو بكل تأكيد تغيير النظام، وبخلاف ذلك، ستكون كل هذه الضربات العسكرية مجرد مضيعة للوقت لأن الإيرانيين سيعيدون بناء قدراتهم".
ويشبه دوناديو التوقف عند هذا الحد من المواجهة، بالخطأ التاريخي الذي ارتكبه الرئيس الأسبق جورج بوش الأب في حرب الخليج الأولى، عندما توقف قبل الذهاب حتى النهاية لدخول بغداد وانتزاع السلطة من صدام حسين.
كيف تقرأ طهران جلوس إسرائيل إلى الطاولة؟
في قراءة تعكس المقاربة الإيرانية لما يجري الآن، يقول د. مصدق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية، إن قبول إسرائيل التفاوض "تحت النار" لا يمكن فصله عن ميزان الردع الذي تشكل خلال الحرب، معتبرًا أن هذه الخطوة تمثل "انتصارًا تكتيكيًا لمحور الضغط"، أو كما يصفه هو "لمحور طهران ولساحات إسناد الساحات".
وبحسب حديث بور لمصراوي، فإن مجرد انتقال إسرائيل من منطق الضربات الكثيفة إلى فتح باب التفاوض مع لبنان في هذا التوقيت، يكشف أن ما جرى لم يكن تعبيرًا عن تفوق إسرائيلي مكتمل، وإنما استجابة لواقع ميداني وسياسي فرضته الحرب نفسها.
ويذهب أيضًا إلى أن فتح باب التفاوض مع إيران، ثم القبول بالحديث عن ترتيبات تهدئة تشمل الساحة اللبنانية أو تتأثر بها، لا يمكن قراءته بوصفه قرارًا أمريكيًا مستقلًا أو منفصلًا عن الحسابات الإسرائيلية، بل باعتباره نتيجة مباشرة لتحول الحرب إلى عبء ممتد على الطرفين.
ويقول في هذا السياق إن "الإسرائيليين والأمريكيين عندما قرروا أن يتفاوضوا مع إيران... هذا لم يكن قرارًا أمريكيًا وإنما هو أيضًا قرار إسرائيلي"، مضيفًا أن السبب، من وجهة نظره، هو أن إيران "من دون أي مجاملة ومن دون أي مبالغة انتصرت في هذه الحرب".
ويشرح بور هذا الاستنتاج من زاوية الاستنزاف الزمني والمادي. فبحسب قراءته، كانت هناك رهانات أولية على حسم سريع خلال 72 ساعة، لكن الحرب امتدت وتحوّلت إلى مواجهة استنزاف مفتوح "كلفتهم ماليًا وتسليحيًا"، ودفعتهم إلى مسار مختلف تمامًا عن الأهداف الأولى التي رُفعت في بداية الحرب.
ومن هذا المنطلق، يرى بور أن طول أمد الحرب ليس مجرد تفصيل زمني، بل دليل على فشل الرهان على الضربة الخاطفة، وعلى أن إيران نجحت في امتصاص الصدمة الأولى ومنع خصومها من تحويل الهجوم إلى حسم نهائي.
ويضيف أن هذا التحول لم يظهر فقط في امتداد زمن الحرب، بل أيضًا في تدرج الخطاب السياسي الأمريكي الإسرائيلي نفسه.
فبحسب روايته، بدأت الحرب بشعارات كبرى من نوع إسقاط النظام، ثم انتقلت إلى الحديث عن تغيير سلوكه، ثم إلى التهديد بتدمير إيران، قبل أن تنتهي إلى البحث عن مخرج تفاوضي يخفف من الكلفة.
ومن هنا يقرأ بور التبدل في الخطاب بوصفه علامة تراجع لا علامة تصعيد، ودليلًا على أن الأهداف الأولى لم تعد قابلة للتحقق بالزخم نفسه الذي طُرحت به في البداية.
اقرأ أيضًا: حرب إيران.. كيف تضع ترامب على منصة استجواب "نورمبرج"؟

مصدق بور: إيران تتفاوض بالنار وورقة هرمز
كما يربط بين المسار العسكري ومسار الطاقة والاقتصاد، معتبرًا أن مضيق هرمز كان من بين الأوراق التي قلبت ميزان الضغط. إذ تحدت إيران واشنطن في هذا الملف، ورفعت الكلفة الاقتصادية إلى درجة دفعت ترامب إلى التراجع من خطاب الوعيد الواسع إلى محاولة احتواء الأزمة وفتح الباب أمام التفاوض.
وهذا التطور لم يكن منفصلًا عن ضغوط داخلية في الولايات المتحدة، سواء بفعل تداعيات أسعار الطاقة أو بفعل تصاعد الانتقادات السياسية للحرب ولحساباتها.
ومن هذا المنظور، فإن دعوات وقف إطلاق النار، في رأي بور، لم تخرج من موقع قوة خالصة، وإنما من إدراك متأخر بأن استمرار الحرب يرفع الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية إلى مستويات يصعب تحملها.
ويضع بور في قلب هذه القراءة فكرة يعتبرها مفتاحًا لما جرى، وهي أن إيران "تتفاوض بالنار". فهو يرى أن الضربات الصاروخية التي طالت مصالح أمريكية وقواعد في المنطقة لم تكن فقط ردًا عسكريًا، وإنما كانت أيضًا وسيلة تفاوضية مباشرة، أو كما يقول حرفيًا: "إيران تتفاوض بالنار... تحت النار".
ومن هنا، يعتقد أن طهران لم تعد تتحرك بعقلية الطرف الذي ينتظر ضمانات مكتوبة فقط بعدم تكرار الهجوم، بل بعقلية الطرف الذي نجح في "تأسيس قاعدة" أو "معادلة ردع" أمام الأمريكي والإسرائيلي، تجعل الحرب التالية أكثر كلفة وأشد خطورة عليهما.
جي دي فانس.. صوت الكابح في إدارة ترامب
وفي جانب آخر من قراءته، يتوقف بور عند الدور الذي لعبه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس داخل إدارة ترامب، ويراه من الأصوات القليلة التي دفعت نحو تجنب الانزلاق أعمق في الحرب مع إيران.
كما يربط بين أي تراجع لاحق في الخطاب الأمريكي بشأن شمول حزب الله أو لبنان بأي تفاهم وبين الضغوط الداخلية التي تعرّضت لها الإدارة الأمريكية بعد إعلانها الانفتاح على مسار تفاوضي مع طهران.
ووفق هذه القراءة، فإن جزءًا من التضارب العلني في المواقف الأمريكية لم يكن موجهًا فقط إلى الخارج، بل أيضًا إلى الداخل الأمريكي، في محاولة لاحتواء النقد والقول إن واشنطن ما تزال تتفاوض "من موقع قوة".
ويمضي بور أبعد من ذلك حين يربط بين استمرار الضربات الإسرائيلية على حزب الله وبين حاجة نتنياهو نفسه إلى إظهار أنه ما يزال يحتفظ بأوراق القوة، سواء داخل إسرائيل أو في علاقته بالولايات المتحدة.
وضمن هذا الفهم، لا تصبح الضربات مجرد عمليات عسكرية، بل رسائل موجهة أيضًا إلى الداخل الإسرائيلي، في لحظة يعتقد فيها كثيرون أن صورة الردع الإسرائيلية تعرضت لهزة عميقة.
وفي الخلاصة، يقدّم مصدق بور قراءة شديدة الحسم: ما حدث، في نظره، ليس استراحة تكتيكية تمهد لجولة تصعيد جديدة بالضرورة، بل لحظة رسخت فيها إيران، بحسب وصفه، معادلة ردع جديدة.
وحتى إذا وقعت مواجهة لاحقة، فهو يرى أنها لن تكون استمرارًا بسيطًا لما سبق، لأن طهران، وفق تعبيره، لم تكشف كل ما لديها، وتتحرك بمنطق استخدام الأدوات "حسب الاستحقاق الحربي والقتالي".
ومن ثم، فإن القيمة الأهم لما جرى، في حسابه، لا تكمن في مجرد وقف نار أو مفاوضات مؤقتة، وإنما في أن إيران نجحت في فرض واقع جديد يقول إن الحرب المقبلة، إن وقعت، لن تكون نزهة، ولن تُدار بالشروط القديمة نفسها.

استراحة بين حربين.. هل تصمد هدنة إيران المفخخة؟
ويبقى السؤال الأخير: هل جلوس تل أبيب إلى طاولة التفاوض مع لبنان يعطي مؤشرًا إلى أن الهدنة الأمريكية الإيرانية قابلة للصمود وربما التمدد؟ المؤشرات الحالية لا تسمح بمثل هذا الاطمئنان.
بحسب روبرت جايست بينفولد، المحلل السياسي والمحاضر في الأمن الدولي في كلية كينجز لندن، في تصريحات نقلتها الجزيرة، المشكلة الجوهرية في الاتفاق الآن أن الجميع يعلن النصر في وقت ما تزال فيه الانتهاكات مستمرة، وإن الغموض يحيط إلى الآن بنطاق التفاهم نفسه، وخصوصًا ما إذا كان يشمل لبنان.
وهذا التوصيف يلتقي مع تقييم مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، الذي تحدث عن هدنة هشة، ومع تحذيرات أسوشيتد برس من أن اتساع الضربات الإسرائيلية على لبنان هدد الهدنة منذ ساعتها الأولى.
المشهد، إذن، لا يوحي بسلام يقترب بقدر ما يوحي بهدنة تحت الحراسة الأمريكية. وإسرائيل، حين أعلنت استعدادها للتفاوض، كشفت من حيث ربما لا تريد أن هامشها السياسي أضيق مما تحب أن تظهره، وأن إدارة ترامب تحتاجها الآن أكثر انضباطًا من حاجتها إليها أكثر اندفاعًا.
أما إيران، فقد حصلت في هذه اللحظة على ما يكفي لتقول إن التفاوض مع لبنان جاء بينما النار ما تزال مشتعلة، وإن طاولة اليوم ليست إلا نتيجة مباشرة لعجز الحرب عن إنتاج تسوية نهائية. وإذا تعثرت مفاوضات إسلام آباد أو عادت إسرائيل إلى توسيع الميدان اللبناني من جديد، فإن هذا المشهد كله قد يُقرأ بعد أسابيع بوصفه استراحة قصيرة بين جولتي قتال، لا بداية مسار دائم إلى وقف النار.