مخالفا حذر قادة أوروبا.. كيف أثار رئيس وزراء إسبانيا غضب ترامب؟
كتب : سارة أبو شادي
ترامب وسانشيز
مع بداية الحرب الأمريكية الإيرانية، سار معظم القادة الأوروبيين على خط دقيق بين تقديم دعم محدود للعمل العسكري الأمريكي ضد إيران والتحذير من اندلاع صراع إقليمي واسع. لكن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لم يفعل ذلك. فقد كان صريحًا في انتقاداته للضربات الأمريكية، ما أثار غضب البيت الأبيض وتهديداته. ومع ذلك، بدلًا من التراجع، ضاعف سانشيز وحكومته من مواقفهم.
ترتبط إسبانيا بعلاقات تجارية واستثمارية كبيرة مع الولايات المتحدة، كما أنها عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). ففي العام الماضي زار البلاد 4 ملايين أمريكي. وفي هذا الشهر فقط، أعلنت شركة أمازون أنها ستوسع استثماراتها في مراكز البيانات في إسبانيا ليصل إجماليها إلى نحو 40 مليار دولار.
كما تمتلك الولايات المتحدة منشآت عسكرية كبيرة في جنوب إسبانيا، في روتا ومورون. واستخدام تلك القواعد كان الشرارة التي أشعلت أحدث خلاف، بعدما منعت الحكومة الإسبانية استخدامها لدعم الضربات على إيران.
وخلال تصريحات غاضبة في مؤتمر صحفي يوم الثلاثاء، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بقطع التجارة مع إسبانيا. وأضاف: "يمكننا استخدام قاعدتهم إذا أردنا، يمكننا ببساطة الطيران إليها واستخدامها، ولن يخبرنا أحد أننا لا نستطيع استخدامها".
معارضة الحرب
لكن سانشيز رد بالفعل. فخلال 24 ساعة من هجوم ترامب اللفظي، ظهر على التلفزيون الوطني برسالة بسيطة: "لا للحرب". ووصف الضربات الأمريكية والإسرائيلية بأنها "متهورة وغير قانونية"، وقال إن بلاده "لن تكون شريكة في شيء سيئ للعالم – ويتعارض أيضًا مع قيمنا ومصالحنا – لمجرد الخوف من الانتقام من أحد". واتهم سانشيز الولايات المتحدة بلعب "الروليت الروسية بمصير الملايين".
بل ذهب إلى أبعد من ذلك، قائلًا إن على القادة واجبًا يتمثل في تحسين حياة الناس، في إشارة ضمنية إلى ترامب: "من غير المقبول إطلاقًا أن يستخدم القادة غير القادرين على أداء هذا الواجب دخان الحرب لإخفاء إخفاقاتهم، وفي الوقت نفسه يملؤون جيوب قلة من الناس".
كما رفض سانشيز السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة مورون العسكرية في جنوب إسبانيا لدعم عملياتها العسكرية ضد إيران. وعندما قال البيت الأبيض إن تهديده التجاري أجبر إسبانيا على الموافقة على التعاون مع الجيش الأمريكي، سارع المسؤولون الإسبان إلى نفي ذلك.
وقال وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس إن موقف مدريد "من الحرب في الشرق الأوسط وقصف إيران، وكذلك بشأن استخدام قواعدنا، لم يتغير إطلاقًا".

حقل ألغام أوروبي
أطلق ترامب تهديداته ضد إسبانيا خلال اجتماع في البيت الأبيض مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي التزم الصمت، وهو ما اعتُبر بحد ذاته دليلًا بليغًا على المعضلة الجديدة التي تواجه أوروبا في التعامل مع ترامب.
وخلال العام الماضي حاول العديد من القادة الأوروبيين تهدئة ترامب عبر مزيج من الإطراء والتكيف، مع رسم خطوط حمراء أحيانًا، مثل الاعتراض على الطموحات الأمريكية تجاه جرينلاند، الإقليم الدنماركي الذي يتمتع بالحكم الذاتي.
وقال الأمين العام لحلف الناتو مارك روته في وقت ما عن ترامب: "أحيانًا يحتاج الأب إلى استخدام لغة قوية"، لكن المسألة هذه المرة تتعلق بما إذا كانت أوروبا ستسمح باستخدام قواعدها لدعم الضربات الأمريكية.
وأشاد ترامب بكل من ألمانيا ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني لتعاونهما، وقال لصحيفة إيطالية يوم السبت: "أنا أحب إيطاليا، وأعتقد أنها قائدة عظيمة"، أما رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر فلم يحظ بالمثل من الإطراء.
فقد رفضت بريطانيا في البداية طلب واشنطن استخدام قواعدها لقصف إيران، قبل أن يعلن ستارمر لاحقًا أن المملكة المتحدة ستسمح للولايات المتحدة باستخدام قواعدها في "عمليات دفاعية". لكن هذا التنازل لم يحسن موقفه لدى ترامب.
وقال ترامب عن ستارمر: "نحن لا نتعامل مع ونستون تشرشل". كما نشر يوم السبت على وسائل التواصل الاجتماعي، ردًا على أنباء إرسال بريطانيا حاملة طائرات إلى البحر المتوسط: "لسنا بحاجة إلى أشخاص ينضمون إلى الحروب بعد أن نكون قد فزنا بها بالفعل!".

سانشيز.. خصم ترامب الدائم
في المقابل، كان سانشيز ثابتًا في موقفه، كما ظل مصدر إزعاج دائم لترامب في عدة قضايا، بينها جرينلاند، والعلاقات مع الصين، والإنفاق الدفاعي. وقال ترامب في يناير بعد أن رفض سانشيز رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، كما تعهد أعضاء الناتو الآخرون: "لا أعرف ما الذي يحدث مع إسبانيا؛ يبدو أنهم يريدون السفر مجانًا".
ورد سانشيز قائلًا: "لقد ضاعفت إسبانيا إنفاقها الدفاعي ثلاث مرات منذ أن أصبحت رئيسًا للوزراء".
وبالنسبة لسانشيز، فإن الخلاف مع ترامب قد يكون محفوفًا بالمخاطر، لكنه قد يكون أيضًا خطوة سياسية ذكية لتعزيز دعم تيار يسار الوسط لحكومته الائتلافية الهشة. وقال باكو كاماس جارسيا من شركة استطلاعات الرأي "إبسوس"، في منشور على منصة "إكس"، إن سانشيز "يستخدم السياسة الخارجية لاستعادة المبادرة السياسية في الداخل".
وأضاف أن الساحة الدولية تتيح له إظهار صورة القيادة والوضوح الاستراتيجي، كما تضع حزب الشعب المحافظ المعارض في موقف صعب. وأشار إلى أن شعبية ترامب في إسبانيا وصلت إلى أدنى مستوياتها على الإطلاق – 16% فقط وفق استطلاع أُجري في فبراير – وأنه إذا انتقدت المعارضة موقف سانشيز بشدة، فقد تبدو وكأنها تدعم رئيسًا أمريكيًا يرفضه حتى جزء كبير من قاعدتها.
كما يدرك سانشيز جيدًا أن معارضة حزبه الاشتراكي لحرب العراق كانت عاملًا أساسيًا في فوزه بانتخابات 2004، وفق ما أشار إليه مركز "تشاتام هاوس" هذا الأسبوع. بل إن سانشيز قارن الحملة الأمريكية الحالية بتلك الحرب.

التهديد التجاري
اقتصاديًا، قد لا تكون تهديدات ترامب لإسبانيا – رابع أكبر اقتصاد في أوروبا – خطيرة كما تبدو. فإسبانيا تعد واحدة من أكثر الاقتصادات حيوية في أوروبا، ولا يتجاوز حجم تجارتها مع الولايات المتحدة نحو 5% فقط.
كما أن الاتحاد الأوروبي سيكون ملزمًا بالدفاع عن أي دولة عضو إذا تعرضت لإجراءات تمييزية. لكن إسبانيا تعتمد على الولايات المتحدة في جزء كبير من وارداتها من الغاز الطبيعي المسال.
وهناك بعد آخر لعداء سانشيز تجاه النفوذ الأمريكي. فخلال سنوات تعرض هو وعائلته لحملات إساءة على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد انتقد شركات التكنولوجيا الأمريكية لعدم بذل ما يكفي لمكافحة خطاب الكراهية.
وقال سانشيز في يناير، معلنًا أن إسبانيا ستمنع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون 16 عامًا:
"وسائل التواصل الاجتماعي التي كان من المفترض أن تجلب الوحدة والوضوح والديمقراطية، منحتنا بدلًا من ذلك الانقسام والرذيلة وأجندة رجعية".
وبعد ثماني سنوات في منصب رئيس الوزراء، يبدو أن سانشيز لم يعد قلقًا من مواجهة "الأب" – في إشارة إلى ترامب – أو حتى الحركة الأوسع المعروفة باسم MAGA.