إعلان

القنبلة القذرة والكأس المفقودة.. لماذا يحذر الخبراء من توغل بري في إيران؟

كتب : محمد طه

01:42 ص 30/03/2026 تعديل في 03:51 ص

صورة تعبيرية بالـ AI للفخ الإيراني الذي ينتظر الأم

تابعنا على

بعد شهر كامل من الاكتفاء بسماء المعركة كساحة لتبادل رسائل الهجمات الجوية والصاروخية بينها وبين إيران، تقف واشنطن اليوم على حافة قرار استراتيجي قد يعيد صياغة الشرق الأوسط لعقود قادمة، مع تسريبات عسكرية أخيرة، قادمة من أروقة البنتاجون، تتحدث عن السيناريو الأكثر رعبًا وتعقيدًا: ماذا لو قررت الولايات المتحدة بالفعل تنفيذ غزو بري محدود في العمق؟

لقد تحول هذا التساؤل الصادم من مجرد فرضية بحثية إلى واقع تدعمه تحركات ميدانية مكثفة وتجهيز لآلاف الجنود للنزول إلى الأرض، في تناقض حاد مع وعود الرئيس دونالد ترامب بإنهاء حروب أمريكا الخارجية؛ فساكن البيت الأبيض - الذي يتسم بالغرور واللهجة الساخرة الحادة من أعدائه وحلفائه أيضًا - انغمس تمامًا في حرب لا يعلم كيفية إطفاء زرها، وهو أمر قد يدفعه إلى إنهائها بالطريقة الصعبة.

ولكن، هل هي طريقة صعبة على إيران والمنطقة أم على الولايات المتحدة نفسها؟

صورة لجنود أمريكيين - مصدرها شتر ستوك

ماذا نعرف عن كواليس التحشيد لغزو إيران؟

في تقرير نُشر الجمعة، فككت صحيفة "وول ستريت جورنال" دلالات وتفاصيل نشر 17 ألف جندي أمريكي في محيط المسرح الإيراني، موضحةً أن البنتاجون لا يخطط لغزو شامل على غرار اجتياح العراق عام 2003، وأنه يستعد لحرب استنزاف برية ممتدة.

تتقاطع هذه المعلومات مع تسريبات نقلتها شبكة "الجزيرة" وتقارير استخباراتية غربية، تؤكد أن وزارة الدفاع الأمريكية تجهز هذه القوات لعمليات برية معقدة ومستمرة لعدة أسابيع، تعتمد في رأس حربتها على وحدات إنزال نخبوية، أبرزها المظليون التابعون للفرقة 82 المحمولة جوًا، الذين تم تكليفهم بمهام اختراق خلف خطوط العدو.

هذا فيما يخص العدد ووقت المهمة، أما بنك الأهداف التكتيكية المحتمل، فإن مراكز الأبحاث العسكرية الكبرى تقول في تشريحها لهذا التوغل غير المسبوق، إن التقييمات الجيوستراتيجية تشير إلى استهداف رئيسي لتأمين نقاط اختناق حيوية قد تشل الاقتصاد الإيراني تمامًا، وفي مقدمتها الإنزال المفاجئ للسيطرة على جزيرة "خرج"، حيث الرئة الأهم لتصدير النفط الإيراني.

وإلى جانب هذه الأهداف الاقتصادية، فإن التحليلات العسكرية تلفت أيضًا إلى أن عجز القصف الجوي المتواصل منذ بداية الحرب عن تدمير المنشآت النووية المحصنة بعمق في الجبال، هو ما أجبر البنتاجون على التفكير في إرسال فرق برية متخصصة في محاولة يائسة لتحييد تلك المواقع من الداخل.

ومع ذلك، يبدو أن حالة من التخبط والفزع تجتاح أروقة المخابرات العسكرية الأمريكية حاليًا. تلقي صحيفة "الجارديان" البريطانية الضوء على هذه الحال، فتنقل عن نقاد ومسؤولين أن المخطط المزمع للبنتاجون وُلد في بيئة تتسم بـ "الفوضى وغياب الهدف الواضح"، محذرين من أن الدخول في حرب برية دون استراتيجية خروج محددة قد يشل قدرات الجيش الأمريكي لعقود قادمة.

هذا القلق المؤسسي يعكس إدراكًا متزايدًا بأن القيادة السياسية تدفع بالجنود نحو مغامرة عسكرية تفتقر إلى الحسابات اللوجستية الدقيقة التي تتطلبها المواجهات المباشرة.

لماذا التوغل البري كارثة تكتيكية؟

هاريسون مان، ضابط الاستخبارات السابق بوكالة استخبارات الدفاع الأمريكية، يفند هذه الكارثة التكتيكية المنتظرة، عبر شبكة "Democracy Now"، واصفًا خطوة التوغل بـ"مهمة انتحارية" تفتقر إلى الفهم الحقيقي لطبيعة المسرح الإيراني المعقد.

يحذر مان من أن الأراضي الإيرانية الشاسعة وسلاسل جبال زاجروس الوعرة، المدمجة مع شبكة هائلة من التحصينات الساحلية والأنفاق التكتيكية (مدن الصواريخ تحت الأرض)، تجعل من أي تقدم للقوات التقليدية كابوسًا عسكريًا. وهذه الجغرافيا المعادية، بحسب الخبراء، قادرة على ابتلاع أي تفوق تكنولوجي أمريكي، وتعريض حياة آلاف الجنود للإبادة المحتمة عبر تكتيكات حرب العصابات والكمائن المميتة.

فخ الأرض والقنابل القذرة

تتجلى الخطورة الحقيقية للتوغل البري في التحذيرات الاستخباراتية العميقة التي أطلقها خبراء، أبرزهم عميل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) السابق أندرو بوستامانتي.

يقول إن الهجوم الإيراني الحقيقي والمميت "لم يبدأ بعد"، مشيرًا إلى التقييمات الأمنية التي تؤكد أن القيادة العسكرية الإيرانية تنتظر بفارغ الصبر هبوط طلائع القوات الأمريكية على الأرض لتفعيل شبكة معقدة من الكمائن التي تعتمد بشكل أساسي على أسلحة غير تقليدية زرعت مسبقًا في الخنادق ومناطق الإنزال المحتملة، ومنها "القنبلة القذرة".

تُعرف "القنبلة القذرة" عسكريًا باسم "جهاز التشتت الإشعاعي" (RDD)، وهي ليست سلاحًا نوويًا معقدًا، وإنما قنبلة تعتمد على دمج متفجرات تقليدية مثل الديناميت مع مواد مشعة يسهل الحصول عليها من النفايات الطبية أو الصناعية.

وفقًا لهيئة التنظيم النووي الأمريكية (NRC)، لا تمتلك هذه القنابل قدرة تدميرية هائلة تخلق انفجارًا ذريًا، بل يكمن خطرها الحقيقي في كونها سلاح دمار شامل نفسيًا واقتصاديًا، حيث تتولى المتفجرات التقليدية وظيفة نثر الغبار الإشعاعي في محيط جغرافية الانفجار.

وتؤكد تقارير مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC) أن الجيوش النظامية تتجنب هذا السلاح لضعف دقته، لكنه يظل السلاح المثالي لعرقلة تقدم الجيوش الغازية وخلق مناطق عزل إشعاعي تمنع تمركز القوات وتكلف الغازي مليارات الدولارات في عمليات التطهير الطبي والبيئي.

القنبلة القذرة - إنفوجراف

متلازمة أفغانستان وحرب الاستنزاف

تتجاوز مخاوف البنتاجون حدود الأسلحة الإشعاعية لتصطدم بكابوس تاريخي مرعب يُعرف بـ "متلازمة أفغانستان" أو فخ الأحد عشر عامًا.

يطرح خبراء الاستخبارات مقاربة مرعبة، مفادها أن الولايات المتحدة نجحت في اغتيال أسامة بن لادن في عام 2011، لكنها ظلت عالقة في المستنقع الأفغاني تنزف عسكريًا وماديًا حتى انسحابها الكارثي لاحقًا.

على مؤشر مقياس حرب أفغانستان، يبقى الغزو البري المحتمل لإيران، حتى وإن كان محدودًا ونجح تكتيكيًا في السيطرة على جزر أو إسقاط أهداف حيوية، غير مجد ولن يؤدي إلى استسلام طهران. لكنه على الأرجح سيكون بمنزلة إعلان لبداية حرب استنزاف طويلة الأمد تديرها خلايا نائمة وميليشيات بالوكالة مدربة تدريبًا عاليًا للعمل خلف خطوط العدو لسنوات طويلة قادمة.

وحرب الاستنزاف هذه ترتبط بمعادلة اقتصادية قاسية تهدد بكسر العمود الفقري للميزانية الدفاعية الأمريكية وحلفائها في المنطقة. إذ كشفت الأسابيع الأولى من الحرب الجوية عن خلل فادح في موازين التكلفة، حيث تضطر المنظومات الدفاعية الغربية لإطلاق صواريخ اعتراضية متطورة تصل تكلفتها إلى 25 ضعف تكلفة الطائرة الإيرانية المسيرة الانتحارية التي يتم اعتراضها.

ومع بدء التوغل البري، سيتضاعف هذا النزيف الاقتصادي بشكل مرعب، وستضطر واشنطن لتأمين خطوط إمداد طويلة وتوفير مظلة دفاع جوي مستمرة لقواتها على الأرض ضد أسراب رخيصة ومكثفة من المسيرات والمدفعية، مما يحول العملية برمتها إلى ثقب أسود يبتلع الموارد العسكرية والاقتصادية للإدارة الأمريكية.

جبهة السايبر والحرب النفسية

بالتوازي مع تفخيخ الأرض والتجهيز لحرب العصابات، ضربت طهران مؤخرًا قلب المؤسسة الأمنية الأمريكية بقنبلة ضوء، ربما ليست بالأهمية الاستخباراتية الكبيرة، لكن أثرها في الحرب النفسية يوحي بشيء آخر. فقبل يومين، وجهت مجموعة القراصنة الإيرانية المعروفة باسم "فريق هندالة للقرصنة" صفعة لواشنطن باختراقها الناجح للبريد الشخصي لمدير مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) كاش باتيل.

كاش باتيل

أسفر هذا الاختراق عن تسريب أكثر من 300 رسالة بريد إلكتروني تعود للفترة ما بين 2010 و2019، بالإضافة إلى وثائق وصور شخصية وحكومية حساسة.

ورغم تأكيدات مكتب التحقيقات الفيدرالي بأن الشبكات الحكومية الرسمية لم تتأثر، إلا أن تعمد تسريب هذه البيانات بالتزامن مع التحشيد للغزو البري يمثل تكتيكًا إيرانيًا مدروسًا لإذلال القيادات الأمريكية وإظهار هشاشة جبهتهم الداخلية.

لم تقتصر هذه الحرب النفسية على استهداف كبار المسؤولين، بل امتدت لتشمل تلاعبًا واسع النطاق بالرأي العام الرقمي.

ورصدت وكالات الأمن الغربية هجمات مكثفة شنتها آلاف الحسابات الوهمية (Bots) واللجان الإلكترونية الإيرانية لاستهداف الصحفيين وصناع المحتوى الغربيين، بهدف نشر حالة من الذعر حول التكلفة البشرية للغزو وتأليب الشارع ضد قرارات البنتاجون.

ويتزامن هذا الضغط النفسي مع تهديدات صريحة أطلقها الحرس الثوري الإيراني بضرب البنية التحتية الحيوية لأي دولة إقليمية تسهل عبور القوات الأمريكية، بل والتلويح باستهداف الجامعات والمراكز البحثية داخل الولايات المتحدة نفسها كجزء من بنك أهداف الردع غير المتماثل.

الكأس المفقودة.. ماذا لو سقط في يد الإرهاب؟

لا تتوقف الكارثة عند حدود حرب الاستنزاف التقليدية، إنها تتسع لتشمل تهديدًا وجوديًا للأمن العالمي بأسره.

وفقًا لتقرير تحذيري نشرته وكالة "بلومبرج"، الأحد، فإن التوغل البري الأمريكي قد يفتح الباب قسرًا أمام عصر جديد ومرعب من الانتشار النووي. وهنا، تشير التقديرات إلى امتلاك طهران لأكثر من 440 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب بدرجات عالية تقترب من مستوى التسلح العسكري.

ويحذر خبراء الأمن القومي من سيناريو كارثي: إذا نجحت قوات الإنزال الأمريكية (الـ 17 ألف جندي) في إحداث انهيار مفاجئ لهياكل النظام الإيراني، لأن هذا الفراغ الأمني والفوضى سيؤديان حتمًا إلى غياب الرقابة الصارمة عن هذا المخزون النووي الحساس، ما يعني احتمالية تسرب اليورانيوم المخصب إلى أيدي الميليشيات المسلحة، ليتحول التهديد من "القنابل القذرة" المحلية إلى "قنابل نووية بدائية" قد تُهرب عبر الحدود لتنفجر في أي عاصمة غربية.

ومن جهة أخرى، فإن الغزو البري لمنع إيران من امتلاك القنبلة يحمل تأثيرًا عكسيًا، إذا ما التقطت دول مثل كوريا الشمالية الرسالة بأن التخلي عن الردع النووي هو دعوة مفتوحة للغزو، الأمر الذي قد يدفع علماء إيران المتبقين في منشآتهم المحصنة تحت الأرض إلى اتخاذ قرار يائس بتجميع عبوة نووية سريعة قبل وصول القوات الأمريكية إليهم، ليتحول الغزو من عملية استباقية إلى "صاعق تفجير" لسباق تسلح نووي عالمي لا يمكن السيطرة عليه، أو هكذا يقول الخبراء.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان