3 سيناريوهات.. هل يملك ترامب "استراتيجية الخروج" من حربه ضد إيران؟
كتب : محمد جعفر
صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي
تتصاعد التساؤلات حول طبيعة الصراع الراهن بين واشنطن وطهران، في وقت تبرهن فيه الوقائع أن الحروب بخلاف التعريفات الجمركية، لا يمكن إشعالها أو إيقافها ببساطة لتلبية أهواء سياسية أو لدعم أسواق منهارة بشكل دائم، ومع إعلان الرئيس دونالد ترامب تأجيل الضربات الأمريكية ضد محطات الطاقة الإيرانية، يبرز السؤال الجوهري: هل يستطيع ترامب الخروج من هذه الحرب حتى لو أراد ذلك؟.
إشارات متضاربة وضغوط اقتصادية
بعد أيام من التصريحات المتناقضة، أشار ترامب أمس الاثنين إلى احتمال خفض التصعيد، كاشفاً عن "15 نقطة اتفاق" في محادثات وصفها بالمثمرة، وهو ما نفته طهران جملة وتفصيلاً، وذلك بعد تهديده بقصف محطات الطاقة الإيرانية ما لم يُفتح مضيق هرمز، فيما ردت طهران بالوعيد بإحراق بنى تحتية حيوية في دول الخليج الحليفة لواشنطن، مما هدد بركود اقتصادي عالمي وتفاقم الأوضاع الإنسانية للمدنيين الإيرانيين.
وفي تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية أشار إلى أن الولايات المتحدة وإيران ربما وصلتا إلى نقطة أصبح فيها ثمن التصعيد مرتفعاً إلى درجة تستدعي البحث عن مخرج، وهي لحظة قد تسهم أحياناً في إنهاء الحروب، ومع ذلك، هناك أسباب عديدة تدعو إلى التشكيك في إمكانية حدوث اختراق وشيك.
فأيام من الخطاب المتقلب والمتناقض من جانب ترامب، إضافة إلى عجز الإدارة عن تقديم مبرر متسق للحرب أو وضع استراتيجية واضحة للخروج منها، تعني أن أي بيان أمريكي منفرد يفتقر إلى المصداقية، كما أن عادة الرئيس في تنفيذ ضربات عسكرية عند المواعيد النهائية التي يحددها بنفسه تعني أنه لن يتفاجأ أحد إذا خرق قراره بوقف قصف محطات الطاقة الإيرانية لمدة خمسة أيام.
هل كان هدف ترامب دعم استقرار الأسواق؟
ويشير بعض المتشككين أيضاً إلى أن قرار الرئيس بتعليق الضربات يتزامن مع أسبوع التداول في الأسواق العالمية. ومع تراجع العقود الآجلة للأسهم وارتفاع أسعار النفط بعد عطلة نهاية الأسبوع، يطرح البعض سؤالاً: هل كان الهدف ببساطة دعم استقرار الأسواق؟
لن تكون هذه المرة الأولى التي تبدو فيها التصريحات الرسمية وكأنها تهدف إلى كبح التقلبات، وقد نجحت هذه المحاولات مرة أخرى، إذ ارتفعت مؤشرات داو جونز وستاندرد آند بورز 500 وناسداك بأكثر من 1% يوم الاثنين، بينما انخفض خام برنت، المعيار العالمي للنفط، بنسبة 11%، وهو ما يأمل سائقو السيارات في الولايات المتحدة أن ينعكس على أسعار البنزين.
لماذا يحتاج ترامب إلى تخفيف التوتر
قد يرغب ترامب في كسب الوقت لسبب آخر، إذ إن القوات الأمريكية التي قد تمنحه خيار غزو جزيرة خرج مركز صناعة النفط الإيرانية ومركز اقتصادي حيوي أو احتلال الجزر والمناطق الساحلية في المضيق، لم تكتمل بعد، فقد تم نشر وحدة استكشافية تابعة لقوات مشاة البحرية الأمريكية من اليابان، وقد تصل إلى المنطقة قريباً، بينما انطلقت وحدة ثانية من الساحل الغربي الأسبوع الماضي فقط.
ويجدر التذكير أيضاً بأن ترامب معروف بالمبالغة، وتشير التجربة إلى أن تضخيمه للتقدم الدبلوماسي وادعاءه أن إيران "ترغب بشدة" في التوصل إلى اتفاق قد يكون مبالغاً فيه، حتى وإن كان التضليل المتعمد أحياناً أداة يستخدمها قادة الدول لخلق مساحة لتحقيق اختراقات دبلوماسية.
وقد عكست تقلبات الرئيس، الذي يتحدث يوماً عن "إنهاء" الحرب ثم يصعدها في اليوم التالي، أسلوباً يتناقض مع تقاليد القيادة الحربية المستقرة، لكنه يعكس في الوقت ذاته شخصية ترامب نفسها، وبحلول يوم الاثنين بدا الأمر بالنسبة للبعض وكأنه محاولة لتمكينه من الادعاء بأن أساليبه المتشددة قد حققت تقدماً دبلوماسياً.
إن هذا التذبذب في الأداء، وميله إلى محاولة تخفيف الأزمات التي يفتعلها بنفسه، أمر مألوف في حياة ترامب الشخصية ومسيرته المهنية والتجارية والسياسية، فضلاً عن مشاكله المتكررة مع النظام القضائي، فكل يوم يمر عليه يبدو وكأنه محاولة للبقاء صامداً حتى حلول الليل، وبذلك يؤجل الحساب ويتجنب أسوأ عواقب أفعاله في رقصة ارتجالية لا تنتهي، ومع ذلك، هناك احتمال يدعو للتأمل بأن يتم اختبار أسلوب ترامب المتقلب إلى ما يتجاوز حدوده في الخليج العربي.
قوة إيران في الصراع
قد تتفوق الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في القوة النارية، وقد تتكبد طهران خسائر فادحة في أصولها البحرية والجوية والبرية خلال حرب قضت على كبار أعضاء النظام الإيراني، لكن مع دخول الصراع أسبوعه الرابع، أظهرت إيران أيضاً قدرتها الخاصة، بعدما أغلقت فعلياً مضيق هرمز واحتجزت الاقتصاد العالمي كرهينة.
ويشير المنطق إلى أن النظام الذي كان متشدداً قبل الحرب من غير المرجح أن يصبح أكثر انفتاحاً على مطالب ترامب بعد مقتل المرشد الأعلى وتعرض البلاد لهجمات بالصواريخ والطائرات الأمريكية والإسرائيلية، وقد تصبح شروط ترامب لإنهاء الحرب – التي يُرجح أن تتضمن تخلي إيران عن برنامجها النووي وصواريخها الباليستية بعيدة المدى – عقبة أمام أي اتفاق، إذ إن الأسابيع الثلاثة الماضية أظهرت بوضوح لماذا قد يلجأ نظام ما إلى مثل هذه الإجراءات كوسيلة ردع ضد هجمات مستقبلية.
حتى لو بدأت المحادثات – وقد عرضت باكستان استضافتها – فليس واضحاً من سيمثل إيران في المفاوضات، خاصة أن النظام الذي فقد شخصيات رئيسية قد يجد صعوبة في اتخاذ قرارات جماعية، وإذا كان الحرس الثوري الإسلامي، كما يعتقد بعض الخبراء، قد أصبح المسيطر الكامل على السلطة، فقد يصبح أكثر تشدداً مما كان عليه من قبل، كما أن واشنطن تحدثت في الماضي مع مسؤولين إيرانيين يوصفون بالاعتدال، لكنها وجدت في النهاية شخصيات أكثر تشدداً تعارض التسويات.
وليس من المستبعد أيضاً أن يفسر قادة إيران تراجعات ترامب وتناقضاته ومنشوراته العاطفية على وسائل التواصل الاجتماعي على أنها دليل على نجاح استراتيجيتهم في فرض ضغوط اقتصادية عليه.
لماذا يسعى ترامب إلى المحادثات؟
من السهل فهم سبب انجذاب الرئيس إلى فكرة إجراء محادثات، إذ إنه بحاجة إلى مخرج في ظل خيارات محدودة وغير جذابة، وفي هذا السياق، كشف ثلاثة مسؤولين إسرائيليين كبار في تصريحات لوكالة "رويترز"، الثلاثاء، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يبدو مصمماً على التوصل إلى اتفاق مع إيران يهدف إلى إنهاء الأعمال العدائية المتصاعدة في الشرق الأوسط.
3 خيارات.. تصعيد أو غزو بري أو إعلان نصر "وهمي"
فبإمكانه تصعيد الحرب بالشكل الحالي عبر تركيز النيران الأمريكية على الأصول الإيرانية حول المضيق، لكن لا توجد ضمانات بأن يؤدي ذلك إلى إضعاف قدرات طهران إلى الحد الذي يجعل عبور السفن آمناً.
كما يمكنه إرسال قوات برية، غير أن ذلك سيتجاوز خطاً أحمر سياسياً، وسيعيد إلى الأذهان الحروب الطويلة التي سبق أن عارضها ترامب، أما الخيار الثالث فهو خيار "تاكو" – أي إعلان النصر سواء كان حقيقياً أم لا – وقد يبدو مغرياً، لكن الانسحاب سيترك حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، الذين عارضوا الحرب، في مواجهة إيران غاضبة وقوية.
كما أن إنهاء الحرب دون تأمين مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب قد يسمح لها بالإسراع نحو امتلاك سلاح نووي في المستقبل، وهو ما قد يقوض المبرر الأكثر ثباتاً الذي قدمه ترامب لتبرير الحرب.
في المحصلة، تبدو حرب إيران اختباراً حقيقياً لقدرة إدارة ترامب على الموازنة بين القوة العسكرية والحسابات السياسية والاقتصادية. فبين خيار التصعيد العسكري، أو الدخول في مفاوضات معقدة، أو البحث عن مخرج سريع يحفظ ماء الوجه، يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة صعبة لا تخلو من المخاطر.
ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز وتصاعد الضغوط الدولية والاقتصادية، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ينجح ترامب في تحويل التصعيد إلى اتفاق سياسي ينهي المواجهة، أم أن ديناميكيات الحرب ستدفع الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة تتجاوز حسابات واشنطن وطهران على حد سواء؟.