هجمات إسرائيل على لبنان
من جديد، عاد لبنان إلى آتون الحرب. فبعد شهور من هدنة عصيبة، ورجوع آلاف النازحين إلى ديارهم، أطلق حزب الله رشقة صاروخية تجاه إسرائيل، لتعلن معها تل أبيب توسيع عملياتها العسكرية على الجبهة الشمالية، وضرب عشرات الأهداف التي وصلت إلى داخل بيروت.
وشهدت البلدات الجنوبية اللبنانية خلال الساعات الماضية موجة نزوح لافتة، في تطور أمني جديد يتزامن مع تصاعد التوتر الإقليمي عقب اغتيال المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي.
ووفق تقارير لبنانية، سادت حالة من الهلع في القرى الحدودية، إذ سارعت عائلات إلى مغادرة منازلها نحو مناطق أكثر أمانًا في الداخل اللبناني، خشية رد إسرائيلي واسع قد يطال مواقع وبلدات في الجنوب.
وأجمع محللون في حديثهم لموقع "مصراوي" أن دخول حزب الله في دائرة "إسناد" النظام الإيراني يعني وضع البلاد في قلب مواجهة مفتوحة، ومضاعفة احتمالات الانزلاق إلى حرب أوسع قد تتجاوز قواعد الاشتباك التقليدية، بما يحمله ذلك من أثمان باهظة على الدولة والمجتمع، بالنظر إلى "هشاشة الداخل وتراكم الأزمات".

لماذا قرر حزب الله إسناد إيران؟
ظل حزب الله يلوح بأنه "لن يكون على الحياد" في ظل التصعيد الأمريكي-الإسرائيلي على إيران منذ أسابيع دون أن يشير إلى إمكانية انخراطه في المواجهات، ولم يطلق صاروخًا مع بدء الهجمات السبت الماضي، لكنه ما إن جرى الإعلان عن مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي حتى خرج الأمين العام للحزب نعيم قاسم، مؤكدًا أن الحزب "سيقوم بواجبه في التصدي للعدوان.. ولن يترك ميدان المقاومة مهما بلغت التضحيات".
وبعد ساعات، أطلق حزب الله رشقة صواريخ باتجاه شمال إسرائيل، في أول هجوم من نوعه منذ دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر 2024.
وسرعان ما استغلت تل أبيب الفرصة للرد، إذ شن الطيران الإسرائيلي سلسلة غارات جوية استهدفت مناطق متفرقة من لبنان، شملت الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق في الجنوب والبقاع، ما أدى إلى سماع دوي انفجارات عنيفة.
واعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن أمين عام حزب الله أصبح الآن "هدفًا للتصفية"، متوعدًا بتكثيف الهجمات على لبنان، وبأن يدفع حزب الله "ثمنًا باهظًا".
وطالما عرف حزب الله بمشاركته في "حروب الإسناد" للنظام الإيراني وأهدافه، آخرها مشاركته في "إسناد غزة" بعد السابع من أكتوبر، ليدخل حربًا مباشرة بعدها مع إسرائيل ويتعرض لضربات كبرى أودت بحياة زعيمه التاريخي حسن نصر الله، وآلاف من نخبة مقاتليه، فضلًا عن تفجيرات كشفت حجم خرق إسرائيل لمنظومة الحزب الداخلية.

ماذا بعد؟
في الداخل اللبناني، انتقد رئيس الحكومة والرموز السياسية إقدام حزب الله على الزج بلبنان في خضم الحرب الدائرة في الإقليم، إذ اعتبر نواف سلام أن عملية إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان "عمل غير مسؤول ومشبوه، ويعرّض أمن لبنان وسلامته للخطر".
وعلى هذا النحو، أشار رئيس الوزراء اللبناني الأسبق سعد الحريري إلى أنه "حان الوقت ليتصرف حزب الله على أساس أن لبنان وطن لجميع أبنائه، لا ساحة لتصفية الحسابات أو الأجندات الخارجية".
بدوره، قال الخبير العسكري اللبناني ومدير المركز الإقليمي للدراسات العسكرية، العميد خالد حمادة، إن استمرار الوضع على هذا النحو قد يُدخل لبنان في "نفق مظلم"، معتبرًا أن تحوله إلى ساحة اشتباك إقليمي ودولي سيجعل ملف حزب الله يتجاوز الإطار الداخلي ليصبح محل تدخل أطراف دولية وإقليمية، في مقدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها، ومن بينهم إسرائيل.
وأوضح "حمادة" في تصريحات لموقع "مصراوي" أن أولى تبعات دخول حزب الله على خط المواجهة تمثلت في سقوط 35 شهيدًا لبنانيًا وأكثر من 150 جريحًا، إلى جانب تدمير عشرات المنازل، وإنذار 53 قرية بالإخلاء، مع إعلان إسرائيل بدء عملية عسكرية.
وفي اعتقاد الخبير العسكري اللبناني، فإن الأخطر يتمثل في الموقف الأمريكي الذي اعتبر أن اتفاق وقف إطلاق النار قد سقط، وأعلن عدم التدخل بين لبنان وإسرائيل، ما يعني – بحسب تقديره – أن تل أبيب أصبحت مطلقة اليد في تنفيذ عملياتها العسكرية داخل الأراضي اللبنانية.
ولفت إلى وجود مؤشرات عسكرية عدة توحي بعمل وشيك، قد يكون بريًا في منطقة جنوب الليطاني، بالتوازي مع استمرار القصف واستهداف مواقع لحزب الله في مناطق لبنانية أخرى.
وعلى مستوى أوسع، رأى حمادة أن لبنان بات جزءًا من المعركة التي باشرتها إيران ووسّعتها إلى دول الخليج العربي، إذ أن نطاق المواجهة تجاوز استهداف القواعد الأمريكية ليطال منشآت اقتصادية وبنى تحتية مدنية، فضلًا عن إغلاق مضيق هرمز، بما يعكس سعي طهران إلى توسيع دائرة الحرب واستدراج مشاركة دولية ذات أبعاد اقتصادية وأمنية.

رسالة حزب الله
وأوضح أستاذ العلاقات الدولية والمحلل السياسي اللبناني، خالد العزي، أن دخول حزب الله في الحرب يحمل رسالتين أساسيتين؛ الأولى، بحسب قوله، أنه يعد نفسه جزءًا من مشروع "ولاية الفقيه"، وبالتالي جاء إطلاق حزب الله الصواريخ في هذا السياق بوصفه "رسالة انتقام" للمرشد.
أما الرسالة الثانية، في تقديره، فتتمثل في سعي إيران إلى توسيع نطاق المواجهة من الخليج العربي إلى سوريا والأردن واليمن ولبنان، بهدف إدخال المنطقة في حالة استنزاف مفتوح.
وحذر العزي في تصريحات لموقع "مصراوي" من أن تداعيات ذلك على الداخل اللبناني ستكون سلبية، مشيرًا إلى موجة نزوح من قرى جنوبية باتجاه بيروت، حيث أمضت عائلات ساعات طويلة في الطرقات منذ فجر اليوم.
وأشار إلى أن إعلان حزب الله تبني الهجمات جاء عقب اجتماع المجلس الأعلى للدفاع في لبنان، الذي أكد خلاله رئيس الجمهورية أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة اللبنانية، معتبرًا أن خطوة الحزب تعكس تصرفًا منفردًا في هذا الملف، وأنه يقدم المواجهة باعتبارها "حرب إسناد" لإيران.
وأضاف أن إسرائيل استدعت نحو 100 ألف جندي للانتشار على الحدود الجنوبية، في مؤشر إلى مرحلة جديدة من التصعيد، فيما يراهن حزب الله على تشتيت الضغط العسكري عن إيران عبر تقاسم الضربات معها، مرجحًا احتمال انخراط أطراف أخرى حليفة لطهران في المواجهة.
وشدد المحلل السياسي اللبناني على أن إسرائيل توعدت بمواصلة عملياتها لفترة قد تمتد لأسابيع، ما يضع لبنان، برأيه، في قلب صراع إقليمي مفتوح، في ظل قناعة لدى حزب الله بأن المواجهة تمس وجوده المباشر، باعتبار أن أي تغيّر جذري في النظام الإيراني سيكون له انعكاسات مباشرة عليه.