بين الردع والوساطة.. كواليس زيارة السيسي للإمارات تحت نيران حرب إيران
كتب : محمد طه
الرئيس عبد الفتاح السيسي والشيخ محمد بن زايد آل نه
في توقيت تتداخل فيه خطوط النار وتتلاشى الحدود الفاصلة بين أمن الخليج وأمن البحر الأحمر، جاءت جولة الرئيس عبد الفتاح السيسي الخاطفة، والتي شملت الإمارات وقطر في يوم واحد، لتتجاوز بروتوكولات الزيارات الأخوية وتدخل مباشرة في صلب التخطيط الاستراتيجي.
اللقاءات المغلقة التي جمعته في أبوظبي بالشيخ محمد بن زايد، وفي الدوحة بالشيخ تميم بن حمد، لا يمكن قراءتها بمعزل عن تساقط الصواريخ الإيرانية على منشآت الطاقة الخليجية واشتعال مضيق هرمز، وهي أحداث وضعت المنطقة برمتها على شفا انهيار اقتصادي وأمني شامل.
وهذا الحراك الدبلوماسي المكثف يشير إلى أن القاهرة رأت اللحظة المناسبة للانخراط الفعلي في "مربع عمليات" الإقليم المشتعل. إذ تُرسم القناعة المصرية على أساس أن أي اختراق لأمن الخليج سينعكس فورًا على الملاحة في البحر الأحمر وقناة السويس، وأن اللحظة الراهنة بما تحمله من تصاعد في التداعيات، تحتم تشكيل جبهة ردع عربية موحدة تقودها القاهرة والرياض وأبوظبي، لمنع تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات بين القوى الإقليمية والدولية.

ما يعنيه "الاصطفاف الصلب" الآن؟
لم يكن توقيت الجولة مجرد مصادفة، بل جاء تتويجًا لمسار تصاعدي من الدعم المصري الحازم للخليج. وقد عكست الجولة لغة غير مسبوقة في الحسم، حيث شدد الرئيس السيسي خلال مباحثاته على تفعيل مفهوم "الأمن القومي العربي الجماعي"، واعتبار أمن دول الخليج العربي "امتدادًا مباشرًا وجزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري"، مؤكدًا جاهزية القاهرة لتقديم كل أشكال الدعم للدفاع عن أمن وسيادة الإمارات وقطر.
هذا الموقف الحاسم يعكس إدراكًا مصريًا بأنه لا تساهل مع استباحة الأجواء الخليجية لما يفتحه ذلك من باب أمام تفكك النظام الإقليمي بأكمله، كما يشير المركز العربي للأبحاث والدراسات السياسية في واشنطن، الذي يلفت إلى أن الاستراتيجية الإيرانية بعد عملية "الغضب الملحمي" الأمريكية-الإسرائيلية، تعمدت توسيع رقعة الرد ليشمل ست دول خليجية، مع تركيز مكثف للهجمات على دولة الإمارات.
ووفقًا لتحليل المركز، فإن هذا التكتيك يهدف إلى "صدم الاقتصاد العالمي" لفرض إنهاء الحرب، وهو تحديدًا ما دفع القيادة المصرية للتدخل المباشر لرفض جعل حلفائها الخليجيين "صندوق بريد" لتوصيل الرسائل الإيرانية-الأمريكية.
هرمز والبحر الأحمر.. نظرية "الأمن المتصل"
المحرك الاستراتيجي الأقوى خلف هذا التحرك السريع هو نظرية "الأمن المتصل" بين الممرات المائية. فالقاهرة تدرك جيدًا أن تعطيل تدفقات النفط عبر مضيق هرمز واستهداف المنشآت في الإمارات وقطر سينسحب تأثيره الكارثي مباشرة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مما يعطل عمل قناة السويس التي تمثل شريان الاقتصاد المصري.
وتتفق القراءات الأمنية الدولية على خطورة هذا التداخل الجيوسياسي؛ حيث يوضح معهد دول الخليج العربية في واشنطن (AGSIW) في تحليله لسيناريوهات الحرب، أن تركيز الضربات الأمريكية على تحييد القدرات الصاروخية بعيدة المدى لإيران، أجبر طهران على الاعتماد على "الطائرات المسيرة الانتحارية والصواريخ قصيرة المدى" لتوجيه ضربات موجعة لجيرانها في الخليج، وخاصةً الإمارات.
هذا التحول التكتيكي الإيراني يعني أن أمن المياه الإقليمية أصبح مهددًا بشكل خطير عن ذي قبل، وهو ما يجعل التدخل المصري خطوة استباقية حيوية لتوحيد الرؤى العسكرية والاستخباراتية لمنع امتداد هذا التهديد التكتيكي من هرمز إلى المندب، وحماية خطوط التجارة العالمية من الابتزاز.

القرن الإفريقي.. تحصين الجبهات الإقليمية الخلفية
كذلك، لا يمكن عزل المحادثات الجارية في أبوظبي عن سياق أوسع من التحركات الدبلوماسية النشطة التي تخوضها مصر لملء فراغ الفوضى. فاللقاء بين السيسي وبن زايد يأتي مكملًا لجهود مصرية وسعودية حثيثة في منطقة القرن الإفريقي، وتحديدًا في الصومال، لضمان استقرار هذا العمق الحيوي ومنع تمدد النفوذ الإيراني إليه.
ويكشف تقرير استراتيجي لمجلة "Horn Review" المعنية بشؤون القرن الإفريقي، عن وجود مباحثات متقدمة لتشكيل "تحالف أمني ثلاثي" يضم مصر والسعودية والصومال، يهدف بالأساس إلى تأمين ممر البحر الأحمر الاستراتيجي ومواجهة التحديات البحرية المشتركة.
كما توضح التحليلات السياسية الإقليمية التي أوردتها شبكة "الحرة" أن زيارات السيسي للإمارات تلعب دورًا محوريًا في تنسيق المواقف بين القاهرة وأبوظبي وتجاوز أي تباينات سابقة تتعلق بملفات السودان وليبيا والقرن الإفريقي.
ويرى عبد العزيز سلطان المعمري، الكاتب والمحلل السياسي الإماراتي، أن الزيارة تمثل "ردًا عمليًا على الشائعات"، مؤكدًا أن التنسيق الحالي بين البلدين يتجاوز القراءات السطحية للاختلافات، ويركز على تشكيل جبهة موحدة لمواجهة التهديدات الوجودية.
وتأتي أهمية هذا التنسيق في القرن الإفريقي والبحر الأحمر بالتزامن مع قيام دول خليجية ومصر بمراجعة عقائدها الأمنية. فمع تراجع الحماية الأمريكية التقليدية وتصاعد التهديدات غير المتماثلة (المسيرات الانتحارية والميليشيات البحرية الموالية لإيران)، أصبحت القاهرة وأبوظبي والرياض في حاجة ماسة لبناء منظومة أمنية ذاتية تمنع تحويل الممرات البحرية إلى أوراق مساومة في النزاعات الدولية.
هل تملك القاهرة مفاتيح التهدئة؟
لا يقف الدور المصري عند حدود الاصطفاف الصلب، بل يمتد ليلعب دورًا حاسمًا في هندسة مخرج دبلوماسي.
وقد كشف البيان الرسمي للرئاسة المصرية بوضوح عن قيام القاهرة بتوجيه رسالة "حازمة ومباشرة" للجانب الإيراني مفادها أن "دول الخليج ليست جزءًا من الحرب الدائرة"، مطالبة بوقف الاعتداءات فورًا لعدم وجود أي مبرر لها.
هذا الحراك الخفي الذي يتم بالشراكة مع وسطاء إقليميين، يضع القاهرة في موقع "الوسيط الموثوق" لدى جميع الأطراف.
وتؤكد تقارير إسرائيلية نُقلت عن هيئة البث الرسمية، أن واشنطن تنظر إلى مصر كـ "طرف موثوق يمكن الاعتماد عليه" لإدارة هذه الوساطة بفضل خطوط الاتصال المفتوحة بين القاهرة وطهران.
وهو ما يُفسر إعلان الرئيس السيسي صراحة عن انخراط مصر في وساطة "صادقة وأمينة" لإنهاء الحرب التي ستفرض "ثمنًا باهظًا" على المنطقة إذا استمرت.
وهذه المعطيات تؤكد أن زيارة السيسي لأبوظبي لم تكن مجرد رسالة تحذير لطهران، بل كانت أيضًا محاولة لتنسيق الموقف الخليجي قبل تقديم أي عرض وساطة شامل يُعيد الاستقرار إلى مضيق هرمز والبحر الأحمر معًا.

الاقتصاد كرافعة للأمن الإقليمي
رغم طغيان لغة الحرب والتصعيد العسكري على أجندة المنطقة، إلا أن الأساس الاقتصادي يظل هو الرافعة الحقيقية لهذه الشراكة الاستراتيجية. فالقيادتان المصرية والإماراتية تدركان أن بناء جبهة أمنية قوية لمواجهة التمدد الإيراني يتطلب في المقام الأول تقوية الأوصال الاقتصادية وتأمين الموارد ضد تقلبات الأسواق العالمية.
وتأتي هذه المباحثات لتؤكد أن الاستثمارات الإماراتية في مصر ليست مجرد مشاريع تجارية، بل هي استثمارات في "صمود الدولة".
وقد ظهر هذا بوضوح في جولات الرئيسين السابقة، مثل زيارة "جامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي"، والتي تؤكد بحسب بيانات الرئاسة المصرية أن الانفتاح الاستثماري ونقل التكنولوجيا هما الأدوات الفعلية لضمان استقرار الدولتين. وهذا التكامل التنموي يمنح القاهرة المساحة والمرونة الاقتصادية اللازمتين لاتخاذ مواقف سياسية وعسكرية صلبة لدعم أمن الخليج.
هل تعيد الدبلوماسية الخشنة رسم الخطوط الحمراء؟
بعد هذا الحراك المفاجئ والاصطفاف العلني، يجد الإقليم نفسه أمام واقع استراتيجي جديد. القاهرة لم تعد تكتفي بالمراقبة عن كثب أو إرسال برقيات التضامن، بل دخلت بقوة إلى "مربع العمليات" لترسيخ معادلة دفاعية مشتركة.
وأمام هذا التكتل العربي المتماسك الذي يربط بين نيران حقول الغاز الإيرانية وأمن الموانئ الخليجية وممرات البحر الأحمر، يبقى السؤال الأبرز: هل ينجح هذا الضغط الدبلوماسي الخشن في كبح جموح طهران ودفعها للتراجع عن استهداف بنية الطاقة؟ الأيام القليلة المقبلة ستظهر كل شيء.