نتنياهو يُطلق يد الجيش في غزة.. رهان إسرائيلي على "تعثر" خطة ترامب للسلام
كتب : مصراوي
نتنياهو في غزة
مصطفى الشاعر
منح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، جيش الاحتلال "ضوءا أخضر" لتوسيع الهجمات في قطاع غزة، مراهنا بشكل علني على تعثر "سلام ترامب" في تجاوز تعقيدات القطاع الميدانية.
وبينما تُسابق واشنطن الزمن لتثبيت أركان خطتها الإعمارية، يسعى نتنياهو عبر هذا التصعيد إلى فرض واقع عسكري جديد يجهض طموحات البيت الأبيض، ويحول دون فرض أي تسوية سياسية لا تتوافق مع حساباته الأمنية المتشددة.
وبحسب صحيفة "هآرتس" العبرية، شهد مركز التنسيق المدني العسكري الذي أنشأته الولايات المتحدة جنوبي إسرائيل، نقاشات موسعة لخطة الرئيس دونالد ترامب، حيث زينت ملصقاتها غرف الاجتماعات كافة.
ورغم أن إسرائيل هي الدولة المضيفة، إلا أن المركز الذي يضم ممثلين عن 28 دولة بدعوة أمريكية بدا وكأنه "أرض سيادة أمريكية"، مدعوما بكل ما تبرعت به واشنطن من ميزانيات ضخمة وكوادر بشرية وتقنيات متطورة.
وفي سياق مُتصل، يبدي الجيش الأمريكي "التزاما كاملا" بالرؤية التي يصيغها ترامب ومستشاروه، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، وهي خطة طموحة تسعى لإعادة بناء القطاع وإنشاء مجمعات سكنية تستوعب أكثر من مليوني فلسطيني في مشروع قد يمتد لعقود. ورغم التخطيط الدقيق لكل التفاصيل، لا تزال آليات تجاوز العقبات الميدانية الراهنة غائبة عن المشهد.
ويُبرز الواقع الميداني المتفجر في غزة عبر الاحتكاكات المستمرة على طول "الخط الأصفر"، الذي يقسم القطاع إلى منطقتي نفوذ، أولاهما تشمل 53% من المساحة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية، والأخرى تمثل ما تبقى من القطاع ولا تزال تحت قبضة حماس.
وأُصيب قائد سرية في لواء الاحتياط "ألكسندروني" بجروح خطيرة ليلة الثلاثاء شمالي قطاع غزة، وردت إسرائيل بغارة جوية أسفرت عن استشهاد أكثر من 20 فلسطينيا، من بينهم قادة في حركتي حماس والجهاد الإسلامي ارتبطت أسماؤهم بهجمات 7 أكتوبر، حيث يعد هذا القصف الثاني العنيف الذي يطال القطاع في أقل من أسبوع، ليرتفع عدد القتلى الفلسطينيين إلى أكثر من 400 منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي.
وفيما يخص التنسيق الميداني، يطالب الجنرالات الأمريكيون نظراءهم الإسرائيليين بتقديم تفسيرات لكل عملية قصف، إضافة إلى الاشتباكات المندلعة بين جيش الاحتلال والفلسطينيين، ورغم خوض الأمريكيين في أدق التفاصيل، إلا أنهم نادرا ما يتدخلون لمنع تلك العمليات، حسبما أفادت الصحيفة العبرية.
ويتمثل هدف الأمريكيين الأساسي في "ضمان عدم وجود أي عائق يعترض العملية الكبرى الرامية لتحقيق رؤية ترامب"، إذ لم يسبق لإسرائيل أن خضعت لمثل هذا الإشراف اللصيق من قِبل واشنطن.
ومع ذلك، تبرز في الأفق العقبة الأكثر تعقيدا وهي "نزع سلاح حماس"؛ فرغم موافقة الحركة "مبدئيا" على تسليم الزمام المدني في غزة، إلا أنها لا تزال تتهرب من المطلب الأمريكي بتسليم سلاحها. وقد تقبل حماس بحل وسط يقضي بتسليم الأسلحة الثقيلة، لكنها تتشبث بالاحتفاظ ببنادق "الكلاشنكوف" لضمان قدرتها على التحكم في مجريات الأمور داخل القطاع.
ووفقا لتصريحات "كوشنر" الأخيرة، حددت واشنطن جدولا زمنيا مدته 100 يوم لانتزاع تنازلات من "حماس" حول سلاحها، لكن تظل الثغرة الكبرى في الاستراتيجية الأمريكية هي غياب الآلية الكفيلة بفك الارتباط العضوي بين الحركة والحاضنة الشعبية في قطاع غزة.
وفي الوقت الراهن، يتركز معظم سكان القطاع في النصف الغربي الخاضع لسيطرة "حماس"، بينما تجري التحضيرات لإعادة الإعمار والانتشار المستقبلي لقوة استقرار دولية "لا تزال قيد التكهنات" في المناطق التي تُسيطر عليها إسرائيل.
وفي مقال بمجلة "فورين أفيرز" هذا الأسبوع، أكّد دنيس روس وديفيد ماكوفسكي، الباحثان البارزان بمعهد واشنطن، أن نجاح المرحلة الثانية من الاتفاق يعتمد كليا على "نزع سلاح حماس". وحذّر الخبيران من أنه بدون ذلك، لن يُعاد بناء غزة ولن تنسحب إسرائيل من الأراضي التي تحتلها، موصيَيْن ترامب بممارسة ضغوط قصوى على قطر ومصر وتركيا، "، مشيرين إلى أن مكانة هذه الدول ستتضرر إذا لم تضغط على حماس.
من جانبه، يواجه نتنياهو مأزقا في عام الانتخابات بعد إخفاقه في تحقيق "النصر المطلق"، إذ سيصعب عليه الانسحاب من المزيد من أراضي غزة دون إثبات إضعاف حماس لمؤيديه.
وفي هذا السياق، سخر حزب "يشار" بقيادة غادي آيزنكوت من نتنياهو عبر فيديو أعاد التذكير بإعلان "المربية" الشهير عام 2015 الذي زعم فيه أنه الوحيد القادر على حماية أطفال إسرائيل، قبل أن يعرض الفيديو مشاهد لبيوت مدمرة قرب غزة بعد ثماني سنوات من ذلك الوعد.
ووفق تقديرات "هآرتس"، فإن هذه المعضلة هي المحور الحقيقي الذي يفترض أن تدور حوله الانتخابات، إذ يعي نتنياهو أنها "نقطة ضعفه الكبرى" التي قد تُنهي حياته السياسية إذا ما تم التركيز عليها.
وأصدر مساعدو رئيس الوزراء "بيانا غريبا" هذا الأسبوع، تعهد فيه نتنياهو بشن حرب على "الشعار الجديد" للحكومة التكنوقراطية المقترح إدارتها لغزة، إذ أثار حفيظته احتواء الشعار على رمز السلطة الفلسطينية. والواقع أن للسلطة وجودا رسميا بالفعل في معبر رفح، الذي أُعيد افتتاحه هذا الأسبوع "بشكل محدود" لأول مرة منذ بداية الحرب، كما أن لبعض أعضاء الحكومة التكنوقراطية صلات وثيقة برام الله.
ويمثّل هجوم نتنياهو على شعار الحكومة الجديدة تكتيكا لصرف الأنظار عن استيائه من بنود "اتفاق ترامب" التي قُيد بها؛ فهو يترقب اللحظة التي تنهار فيها هذه الترتيبات، ويعمل في غضون ذلك على رفع وتيرة التصعيد الميداني ومنح الجيش حرية أكبر في الهجوم، استعدادا لإغلاق نافذة الدبلوماسية والعودة مجددا إلى دوامة الحرب في غزة.
ومع رفع حظر النشر وتقديم لوائح الاتهام، خرجت إلى العلن تفاصيل قضية التهريب لقطاع غزة، إذ أثبتت تحقيقات الشرطة وجهاز الأمن العام (الشاباك) صحة تقارير "هآرتس" السابقة حول استغلال جنود احتياط ومدنيين لظروف الحرب والفراغ الأمني في القطاع لتحقيق مكاسب مالية غير مشروعة على نطاق واسع.
وأنشأ هؤلاء الجنود شبكات لتهريب السجائر، والهواتف الذكية، وقطع غيار السيارات، حيث تسلمها فلسطينيون في الجانب الغزاوي.
وتجلت المفارقة الأكثر مرارة في هذه القضية عند الكشف عن المتهم "بتسلئيل زيني"، فبينما كان شقيقه، القائد العسكري الرفيع ديفيد زيني، يقود المعارك، كان هو يُدير شبكات تهريب تخدم الطرف الآخر. وهو "السر" الذي أحدث ضجة كبرى بمجرد خروجه من دائرة الحظر إلى العلن.
وأمضى بتسلئيل زيني فترة طويلة كجندي احتياط في وحدة هندسية داخل غزة، ورغم أن شقيقه، اللواء ديفيد زيني، لم يكن على علم بالشبهات الجنائية ضده، إلا أن القضية تجاوزت البعد العائلي لتكشف عن "ماكينة تضليل" إعلامية موالية لنتنياهو، سارعت لنشر نظريات المؤامرة لحماية معسكر رئيس الوزراء.