مع "كورونا" عرف قيمة عمال النظافة

د. عمار علي حسن

مع "كورونا" عرف قيمة عمال النظافة

د. عمار علي حسن
09:19 م الأربعاء 01 أبريل 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

لم يكن الرجل المتأنق دوما يلقي بالا لعمال النظافة في المراحيض العامة، ودورات المياه الزاهية في الفنادق، وأماكن الاستراحات لركاب الدرجة الأولى ودرجة رجال الأعمال في المطارات، وكذلك في المطاعم الفخمة. كان ينظر إليهم على أنهم شيء عابر، مثل الأدوات التي يمسكونها في أيديهم: الممسحة والمقشة والجردل والفوط وسلال القمامة، وإن استحسن وجوههم، فهم يمكن أن يرقوا في نظره إلى الأحواض اللامعة، والصنابير التي تبرق، والقيشاني بديع الألوان.

الآن هو في بيته معزول، مع زوجة مريضة، وأطفال صغار، أنجبهم في سن متقدمة، وقد استغنى عن الخادمة والسائق والطباخ خوفًا من أن ينقلوا العدوى إلى فيلته الأنيقة في "بيفرلي هيلز"، وهم الذين يقطنون هناك بين المتزاحمين في الشوارع الخلفية غير المرصوفة، التي تغص بالرائحين الغادين، دون أن يتوقفوا طويلا أمام التحذير السائد: الزم بيتك.

في الأيام الأولى لم يشعر أنه فقد الكثير بغيابهم، فالأسرة في حجر صحي اختياري، وكل شيء موجود لديه بعد أن جمع كل ما يلزم من طعام وشراب ودواء، ولهذا فهو ليس في حاجة إلى السائق. كما أن البيت كان لا يزال نظيفا، فلم يشعر باحتياج للخادمة أيضًا، ولديه طعام مطبوخ مكدس في الثلاجات، وإن نفد فبوسعه أن يطلب غيره من مطاعم خارجية، لا يزال مسموح لها بتقديم خدمة التوصل إلى المنازل.

لكنه لم يلبث أن أحس بغياب الخادمة، حين وجد الغبار يزحف على الأفاريز متسللًا إلى كل شيء، وبدت رائحة الحمام تفوح بما لم يشمه من قبل، ولم ينهها فتح النوافذ العلوية، ولا رش زخات من علب بلاستيكية تحوي روائح طيبة.

كان عليه أن يعمل شيئًا في سبيل وقف تدهور حال البيت. ففكر أن يبدأ بتنظيف الصالة الخارجية، وكان عليه أن يقسم العمل، الذي أيقن أنه من الصعب أن ينجزه في يوم واحد. فلما انتهى من الصالة ، جلس يتصب عرقًا، وسأل نفسه:

ـ كيف كانت تقوم بهذا العمل دون ضجر؟

كانت أدوات التنظيف والتعقيم ماثلة أمام عينيه. لكن بأي شيء يبدأ بعد الصالة؟ لم يكن يعرف، ولم يشعر من قبل أنه في حاجة إلى معرفة مثل هذه الأمور، فالخادمة الوحيدة كانت هي التي تقوم بكل شيء، وحين تطلب أحدًا يساعدها يستجيب لها على الفور. كان كل ما في البيت نظيفًا، فيدها لم تكن تكف عن العمل المخلص في سبيل هذه النصاعة الدائمة.

قرر أن يبدأ بالحمام الواسع الملحق بالبهو الفسيح، دخل إليه سريعًا مدفوعًا بهمة عالية، لكن ما إن نظر إلى كل شيء حوله حتى حل فتور في جسده، فجلس على حافة البانيو، يستعيد وجه الخادمة، وعمال النظافة في كل الأماكن العامة الذين كان يلمحهم بطرف عينه ولا يراهم جيدًا، وللمرة الأولى شعر أن دورهم في الحياة كان يتطلب منه ألا يكتفي بالابتسام في وجوههم، بل أن يمد يده في امتنان ليصافحهم، أما عمال الصرف الصحي فيستحقون المعانقة.

إعلان

إعلان