إعلان

كرة الثلج المتدحرجة في جرينلاند

سليمان جودة

كرة الثلج المتدحرجة في جرينلاند

سليمان جودة
07:00 م الأحد 18 يناير 2026

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

تابعنا على

أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرسال عدد من العسكريين الفرنسيين إلى جزيرة جرينلاند، فأضاف للقضية الخاصة بالجزيرة نارا فوق نارها.

القضية طبعا يعرفها كل متابع لما يجري في البيت الأبيض منذ أن دخله الرئيس ترمب في العشرين من يناير الماضي. فما كاد يستقر في مكتبه البيضاوي الشهير حتى كان قد أظهر للأوروبيين وجها لم يألفوه من أي رئيس أمريكي سابق، وعلى مدى السنوات الممتدة من الحرب العالمية الثانية إلى اليوم.

فلقد عاش الطرفان الأمريكي والأوروبي في تحالف سياسي وعسكري واقتصادي طوال تلك السنوات التي تصل إلى ثمانية عقود، فلما جاء ترمب رأى الأوروبيين عبئا على بلاده، وبالذات فيما يخص حلف شمال الأطلسي الشهير بالناتو، والذي يجمع الطرفين في عضويته، وتجلس الولايات المتحدة الأمريكية على قمته، وتنص المادة الخامسة في قانون نشأته على أن الاعتداء على أي عضو فيه هو اعتداء على بقية الأعضاء جميعا.

كان رأي ترمب ولا يزال أن الولايات المتحدة تتكلف في ميزانية الحلف بأكثر مما تتكلف بقية الدول الأعضاء، وأن عليها أن تزيد من ميزانية الإنفاق العسكري، وأن تكون الزيادة بما يصل بهذا الإنفاق في كل دولة عضو في الحلف إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فيها.

ولأن الدول الأعضاء كانت حريصة على إرضائه، فإنها استجابت لدعوته ووافقت كلها، اللهم إلا إسبانيا التي رفضت واعترضت.

وكان ظن دول القارة الأوروبية أن الاستجابة لدعوته إلى زيادة الإنفاق العسكري سوف تجعله أكثر التزاما ممن سبقوه إلى مكانه بما تفرضه عليه عضوية بلاده في الحلف، ولكن الأوروبيين فوجئوا بما لم يتوقعوه، وبدأ هو يتخذ موقفا منحازا إلى الروس في الحرب الروسية الأوكرانية، مع أن كل أوروبي يعتقد أن هذه الحرب تستهدف أوروبا كلها لا أوكرانيا وحدها.

ولم يشأ أن يكتفي بذلك، ولكنه راح يردد أن الولايات المتحدة سوف تضم جرينلاند إليها، لأن الجزيرة تمثل ضرورة للأمن القومي الأمريكي!

وأسقط في أيدي الأوروبيين كما يقال، لأن الجزيرة ليست بلا صاحب، وإنما هي إقليم يتبع الدنمارك، ويتمتع بالحكم الذاتي. والمشكلة أن ضم الجزيرة تحول إلى نوع من الهوس لدى ترمب الذي وصل به هوسه بها إلى حد أنه أصبح يقول إنه سيضمها باللين أو بالقوة!

ولما وصل الهوس معه إلى هذه الدرجة ردت عليه رئيسة وزراء الدنمارك فقالت إن أي هجوم أمريكي على جرينلاند معناه نهاية كل شيء بالنسبة للحلف!.. وهي تعني أن الحلف سينهار بمجرد دخول الولايات المتحدة إلى الجزيرة!.. وهكذا صار الموضوع يكبر ككرة الثلج المتدحرجة يوما بعد يوم، وأصبح الطرفان الأمريكي والأوروبي على موعد مع تصعيد جديد فيه كل نهار!

فإذا وضعنا قرار ماكرون في هذا السياق، فإن الصورة تكتمل ونجد أنفسنا أمام ملف مشتعل، والمشكلة أن اشتعاله يجري بين طرفين عاشا حليفين كبيرين لمدة وصلت إلى الثمانين عاما!.. وإذا كان ماكرون قد قرر إرسال عسكريين إلى الجزيرة، وقررت الدنمارك الشيء نفسه، وربما تقرره دول أوروبية أخرى، فكيف سيتصرف هؤلاء العسكريون عندما يجدون أنفسهم في مواجهة عسكريين أمريكيين جاءوا لضم الجزيرة؟

مشكلة.. بل معضلة.. وسوف نرى!

إعلان

إعلان