ورحل جسد مارادونا.. الساحر الأعظم.. لكن أسطورته لن تغيب أبدا

د. أمــل الجمل

ورحل جسد مارادونا.. الساحر الأعظم.. لكن أسطورته لن تغيب أبدا

د. أمل الجمل
07:01 م الإثنين 30 نوفمبر 2020

جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع

كان دائما يرفض أن يتم تشبيهه بأحد. عندما سألوه وهو صبي: هل تريد أن تكون مثل بيليه؟ أجاب: أريد أن أكون مارادونا. ويوم أن تم تكريمه هو وبيليه في احتفال واحد، تسلم جائزته، واختفى عن المسرح بخفة ساحر. ثم صعد بيليه إلى المسرح وبدأ حديثه بالإشارة إلى مارادونا فنقبوا عنه دون جدوى.

إنها لقطات ضمن مجموعة أخرى من الجواهر الثمينة ضمن فيلم «دييجو مارادونا: متمرد. بطل. محتال. إله» للمخرج البريطاني- من أصول هندية- آصف كاباديا، عن الأسطورة الرياضية الذي رحل عن عالمنا قبل أيام.

على مدار ١٣٠ دقيقة نعايش الكثير من المتناقضات المجتمعة في شخصية البطل دييجو مارادونا، وكذلك المحيط به خصوصا النادي الذي احتضنه بفترة نابولي. نراه يتنقل بين أفضل وأسوأ الأشياء الممكنة، بين الصدق والإخلاص والتفاني الكبير لكرة القدم، وبين ممارسة الكذب والاحتيال أحياناً، بين الفوضى العارمة والفرح الشديد على مدار سبع سنوات، بكل الإغراءات ولحظات الضعف، ولحظات القوة، بطاقة من الحب المجنون وعبادة الجماهير له التي انقلبت عليه فجأة مُتمنية له الموت أو سحقه ونسفه من على وجه الأرض.

نراه يندفع من انتصار إلى انتصار أكبر، فيعيش حياة الترف بعد سنوات التقشف والفقر المدقع في طفولته ومراهقته؛ حيث جاء من بلدة فقيرة جدا- تشبه الأحراش- على أطراف بيونيس آيريس، نراه مُصوراً كالملك في جلسات رجال المافيا، مرتدياً البالطو الفرو والسلاسل المتدلية على صدره، يتعاطى المخدرات، وهو بين النساء أثناء الليل وفي السهرات الصاخبة، ثم في النهارات يُصارع في التمارين الرياضية القاسية المُرهقة، يُصارع نفسه ليتحمل الإجهاد والألم في محاولة لتنظيف جسده من آثار العدوان عليه بكميات من المخدرات، وذلك في محاولة مستميتة للحفاظ على مستواه الرياضي ولياقته البدنية. إنه الصراع بين دييجو وبين مارادونا، الصراع بين الرغبة في أن يظل متوجاً على قمة المجد بطلاً أسطورياً يشعر مع كل نجاح أنه يمسك السماء في يديه، وبين اللُّهاثِ وراء نزواته وإشباع رغباته التي فجرتها الشهرة.

اختار كاباديا والمونتير المبدع كريس كينج الذي لازم كاباديا في ثلاثيته الشهيرة عن الشهرة والنجومية التي تقتل أبطالها- أن يركزا فيلمهما على فترة التحاق مارادونا بنادي نابولي الإيطالي. لماذا؟ رغم أن مارادونا كان قد لفت إليه الأنظار مبكرا؛ فقد كان أصغر لاعب في تاريخ الدوري الأرجنتيني؛ إذ كان يبلغ من العمر ١٥ سنة فقط، لماذا نابولي رغم توفر الدراما القوية الكامنة في العديد من فترات حياة هذه الأسطورة، فأثناء وجوده في برشلونة كان قد بدأ تعاطي المخدرات، كانت هناك كثير من الصراعات، هناك تلقى المعاملة الدونية والإهانات، ومعهما تلقى الإصابة الأولي في كاحل قدمه التي أقعدته نحو عام بعيداً عن اللعب، وظلت تطارده نظرة الإسبان الدونية له، خصوصاً عِلْيةَ القوم هناك، بينما غمرته إهانات الجماهير التي بلغت حد معايرته بأصوله المتواضعة، ووالديه الفقيرين. هناك مرحلة أخرى لاحقة وصراع مع الفيفا بعد أن ترك نابولي، بكل الأفكار والمشاعر السوداوية التي سيطرت عليه، بكل أحاسيس الوحدة والعزلة، بكل الخوف الذي تُجسده كلماته عندما وصف قرار الفيفا بمنعه وحرمانه من اللعب بأنهم قد: «قطعوا له قدمه، قتلوه، لأن حياته كانت هى الكرة». لماذا إذن ترك الاثنان- كاباديا وكينج- كل ذلك وركزا على فترة وجوده مع نابولي؟!

يعترف المونتير قائلاً: «قرار التركيز على فترة تعاقده مع نادي نابولي الإيطالي جاء لاحقاً، نسبياً. كانت فترة برشلونة مليئة بالدراما، وأيضاً كان قد بدأ تعاطي المخدرات. إلى جانب فترة إصابته ومرضه، لكن عندما وصلنا لمرحلة نابولي شعرنا أن هذه هي القصة وجوهر الفيلم، لأنها تُعبر عن حياته كلها. فمع نابولي وصل لأعلى درجات المجد والنجومية، هناك كان الصراع عاليا متوترا بين نفسه وبين الجماهير، وبين اللاعبين، وبين المافيا». في حين يقول المخرج: «لقد استمر العمل على الفيلم ثمانية عشر شهراً. في نسخة العمل الأولى منه كان هناك ٤٥ دقيقة، قبل أن يصل مارادونا إلى نابولي. ثم هناك ٣٠ دقيقة أخرى بعد أن ترك النادي. كنا في حالة فوضى، واستشرنا مجموعة كبيرة متنوعة نثق بآرائهم، لاحقاً أُعيد العمل على ذلك ليتم تكثيف ما قبل وما بعد نابولي لصالح تلك الفترة، وتركنا فقط خمس دقائق بعد رحيله من نابولي».

لقاء الأصول المتواضعة

كان نابولي أفقر الأندية الرياضية بأفقر المدن الإيطالية. كان يُواجه بالعنصرية، ليس فقط لأنهم نادٍ جنوبي لم يحقق نجاحات ولا فوزا سنين طويلة، لكن أيضاً بوصفهم أنهم «قذرون» و«عار إيطاليا» و«فلاحون». الروايات والقصص الأدبية هى الأخرى لم ترحمهم. على الطرف الآخر هناك مارادونا الذي أصبح أغلى لاعب كرة في العالم، لكنه أيضاً مُواجه بالعنصرية بسبب أصوله وجذوره ومستواه الاجتماعي الاقتصادي.

فجأة، يُقرر نابولي شراء أغلى لاعب كرة بالعالم. مارادونا يقبل العرض. لماذا؟ كيف يقبل بأن يترك ناديا أفضل ويذهب إلى آخر «وضيع»؟!

من أين جاءت الأموال؟!. هناك إشارات لتمويل المافيا، فعندما يسأل صحفي عما إذا كانت أفراد كامورا متورطين في توقيع التعاقد مع مارادونا يقوم رئيس النادي بطرد الصحفي. ثم في مقابلة لاحقة بالفيلم لم يقدم رئيس النادي توضيحاً حول كيف تمكنت نابولي- المدينة التي كانت غارقة حينها في الديون من تحمل أغلى لاعب كرة قدم في العالم مقابل ٦.٩ مليون جنيه إسترليني!

كانت رائحة تدخل المافيا المحلية- تحديداً كامورا- في الصفقة واضحة وقوية. صور مارادونا مع بعض أفرادها، ومع رئيسها لاحقاً تظهر مرات كثيرة بالفيلم فقد حصل صُناع الفيلم على أرشيف خرافي، يبلغ نحو ٥٠٠ ساعة به لقطات كثيرة تُعرض للمرة الأولى تُؤكد الحماية وحياة البزخ التي وفرتها له كامورا، حتى إنه عندما حاول البعض فتح ملف تعاطي مارادونا للمخدرات أُغلق الملف بفضل رجال المافيا. لكن بدا- لاحقاً- وتحديداً في السنتين الآخيرتين، وحتى قبل انفجار أزمة كأس العالم ٩٠- أن هناك أموراً أخرى أخافت مارادونا، وشكلت المافيا ضغوطاً كبيرة عليه، لدرجة أنه فكر أن يعلن عن رغبته في ترك نابولي، لكن رئيس النادي رفض.

كان مارادونا يرى في الكرة خلاصه، وكان أهل وجماهير نابولي مقتنعين بأنه المنقذ وها هو قد وصل إليهم، فبدأ يحقق الإنجازات، نصراً تلو الآخر. وأصبح نجمًا محبوبًا بين مشجعي النادي، بل صار معبود الجماهير، معه وبوجوده عاش النادي أنجح فترات تاريخه، وحقق أمجاده مع لقبي البطولة وكأس الاتحاد الأوروبي.

لكن الأمور انقلبت رأساً على عقب في أثناء مونديال عام ١٩٩٠، عندما قرر مارادونا ألا يتخلى عن بلاده، وأن يلعب في صف الأرجنتين في كأس العالم، وبالفعل أحرز مارادونا هدفاً تسبب في إقصاء الدولة المضيفة إيطاليا فأخرجتها من التصفيات.

يومها- وللمفارقة أن المباراة أُقيمت في نابولي- كانت الجماهير الإيطالية تهتف: «نُحبك يا مارادونا لكن إيطاليا هى وطننا»، ولم يسامحه أحد على ذلك الهدف أبداً، وانهارت علاقة العشق. انتهى شهر العسل بين الطرفين. بهدف واحد تحول الوله والعبادة إلى كراهية شديدة. هذه الكتلة الجماهيرية الهلامية التي تبدو بلا عقل كأنها قررت سحقه، وصارت تهتف ضده.

يُورطنا الفيلم كذلك في العالم الخاص لمارادونا. عائلته، حبه لوالديه خصوصاً أمه، وتقديسه لها، حبيبته التي اختارتها العائلة فتزوجها، نراه في لحظات رقيقة مليئة بالعاطفة والأبوة الحانية الدافئة مع طفلته الصغيرة، نراه متأججاً بالحيوية والبهجة أثناء الرقص والغناء. له أسلوبه الخاص المتفرد شديد الجاذبية في الحكي، في الرقص، في لحظات الصمت الطويل خوفاً أو فرحاً أو حتى حزناً، له ابتسامة طفولية خجولة آسرة، له طريقته الخاصة الساحرة في مخاطبة الجماهير، في النظر للكاميرا ومغازلتها، في ركل كرة القدم وملاحقتها، فهل يغفر له كل هذا موقفه - المتخاذل المخادع - من صديقته التي احتفظت بالحمل منه دون علمه، وعندما أنجبت طفلهما أنكره مارادونا برباطة جأش مرعبة؟! ألم تكن الجماهير في نابولي تعلم بكل هذا عن ماردونا؟ هل اكتشفوا ذلك فجأة بين ليلة وضحاها فانقلبوا عليه، أم أنه عندما تقاطعت المصالح انقلب السحر على الساحر فقرروا رفع الحماية عنه لتدميره والقضاء عليه من دون رحمة؟!

عندما أتأمل الأزمات التي مر بها مارادونا، ونجح في تجاوزها أتأكد أن هذا الرجل صنع أسطورته بقوة شخصيته وإرادته، وليس فقط بمهارته في لعب كرة القدم. على مدار سنواته لم يستسلم، ولا أعتقد أنه كان يسمح لليأس أو الاكتئاب أن ينفذ إليه، فقط أعتقد أن جسده في لحظة ما خذله، وكف عن النبض، لكن أسطورته ستبقى للأبد.

كورونا.. لحظة بلحظة

أخبار الكورونا
868

إصابات اليوم

43

وفيات اليوم

711

متعافون اليوم

320207

إجمالي الإصابات

18058

إجمالي الوفيات

270193

إجمالي المتعافين

إعلان

إعلان

Masrawy Logo loader

إعلان

خدمة الاشعارات

تلقى آخر الأخبار والمستجدات من موقع مصراوي