مذكرات عصبجي!
في بدايات القرن العشرين، شاع في مصر بين طبقة المهمشين اهتمام بتدوين سيرهم؛ فظهرت إلى النور عدة سير لعناصر من المجتمع لم يتخيل أحد أن تهتم جماعتهم بالحديث أو البوح أو الحكي، وذكر تفاصيل حياتهم ووقائع أيامهم، ربما كان الهدف نوعا من البحث عن التخليد أو صب مكنون الروح من تجارب ورؤى لإثارة دهشة القراء ونيل إعجابهم بما فعلوه.
يتربع على قمة هذه النوعية من المذكرات، مذكرات فتوة، التي أملاها صاحبها بصيغة طريفة خفيفة علقت في الأذهان، ومذكرات سنكوح وحلاق سيدات ونشال، وقد راجت تلك الكتب وأحبها جمهور القراء لبساطتها وكونها تعبر عن تقاليدهم وطرق معيشتهم والطبقة التي أغلبهم منها.
أما كتاب «مذكرات عصبجي» (المصري للنشر، 2026)، الذي أملاه المعلم علي أبو الحسن على الكاتب محمود كامل فريد، فيحكي عنه محقق المذكرات عمرو شقرة قائلا:
«وكتابنا هذا كان غارقا وسط كومة مهولة من الورق بمخزن عتيق يتلقى الكتب والصحف والمجلات من باعة الروبابيكيا، ثم يعيد فرزها وتصنيفها ومن ثم بيعها من جديد لمختلف الزبائن، وقد حالفني الحظ يومها حين وجدته بيد عامل نحيف وقد هم أن يمسح به الشاي المهرق على الأرض بعد أن سحب الكتاب من أقرب مكب للورق يجاوره بالمخزن، ولولا ستر الله وشكل الصفحات الجاذب للبصر لراح الكتاب للأبد» (ص 8).
ولفظة (عصبجي) يقترب مدلولها من كلمة (فتوة)، وقد يتجه المعنى أكثر لجماعة الفتوات، والتي كان يطلق عليها (عصبة)، وهي فئة ظهرت في المجتمع المصري لها قوانينها وقواعدها الخاصة (ص 8). وكلمة (عصبجي) في العامية المصرية تطلق على الشخص الذي يتميز بصفات معينة، أبرزها الشدة والعنف والسيطرة والتسلط؛ إذ يمكن أن تشير إلى شخص متسلط يحاول فرض رأيه وسيطرته على الآخرين بالقوة أو الترهيب والمزاجي وسريع الغضب أيضا بدون شك. وفي سياقات تاريخية، كانت كلمة (عصبجي) تطلق على الفتوات أو زعماء الأحياء الذين كانوا يفرضون سيطرتهم ويستخدمون القوة، وكان لكل حي فتوة يدير شؤونه ويحميه أو يتسلط عليه بمساعدة (مشاديد) أي أتباع، وقد يعمل بالطلب لدى جماعة تحتاجه ضد أخرى (ص 9).
من الجلي أن هذه الفئة التي لا تهتم بالأدب سعت إلى تدوين المسيرة الحياتية، فالمعلم علي أبو الحسن يسعى حثيثا في «مذكرات عصبجي» إلى نشر مذكراته بالرغم من عدم إجادته للكتابة والقراءة، وساعده محمود كامل فريد في التدوين والصياغة بعد أن اختار العامية المصرية لغة للقالب الأدبي.
في تقديمه لمذكراته بتاريخ الأول من أكتوبر عام 1932، يقول المعلم علي أبو الحسن إنه أراد كتابة مذكرات، فلجأ إلى عرضحالجي؛ لأنه لا يجيد القراءة ولا الكتابة. اعتذر له العرضحالجي قائلا إنه ليس له دراية بهذا الأمر، واقترح على المعلم الاستعانة بمحمود كامل فريد.
حكى المعلم علي أبو الحسن تاريخ حياته ومذكراته لمحمود كامل فريد، وأخذ يتردد عليه، حتى أبلغه الكاتب بالانتهاء من تدوين المذكرات وقرأ الوقائع عليه قبل طبع الكتاب.
عن نشأته، يقول المعلم علي أبو الحسن إنه كان يسكن في قصر، وكان والده يدعى (عاصم بيك)، ووالدته سيدة جميلة، وإن أحدهم ويدعى أبو العلا اختطفه من الشارع ذات يوم وجلبه إلى بائع فاكهة يدعى (المعلم عطية أبو الوفا) وزوجته (فهيمة). يضيف أن المعلم عطية «كانت مكاسبه كثيرة وكان بيته مليان فواكه وحلويات، وكان عصبجي كبير كل يوم يعمل له غارة مع العساكر مرة، ومع الأهالي أخرى» (ص 22).
مرض المعلم عطية، فأرسلت زوجته فهيمة الفتى للعمل لدى سمكري، لكنه لم يتعلم منه شيئا، وأخذ يتنقل من حرفة إلى أخرى. بعد تحسن حالة المعلم عطية عمل بوابا لدى أحد الباشوات براتب ثلاثة جنيهات، «وأنا بواسطة الباشا ده عملت الأهوال، وكل يوم أعمل خناقات وضربت الفتوات بتوع الإسكندرية، والمكسب تمام بقيت واد فنجري كل واحد يعمل لي حساب وطلع في دماغي إني أسافر مصر» (ص 23).
استقل المعلم علي أبو الحسن القطار ونزل في القاهرة، «وفي المسا نزلت وجه البركة، ورحت على درب طياب وناسات درب مصطفى، وسلمت على الصبوات والعترات» (ص 23).
ويروي المعلم علي كيف أنه تصدى لمجموعة من الشبان الذين يعاكسون الفتيات، ولما رفضوا نصيحته لهم بالامتناع عن مغازلة النساء، فانهال عليهم ضربا وركلا، ولما اقتيد إلى قسم الشرطة، شهدت النساء لصالحه، فقرر الضابط إخلاء سبيله. في المحكمة، وبعد كلام النيابة والمحامين والنساء، عاقب القاضي كل أفندي بالسجن ثلاثة أشهر، وقرر تغريم المعلم علي 50 قرشا.
يقول صاحب المذكرات: «كانت القضية دي السبب الأساسي في شهرتي بمصر، وأصبح كل واحد يعرف المعلم أبو الحسن جنسه إيه، الأتمان عرفت لي مقامي وقالوا لازم المعلم علي أبو الحسن يكون كبير الطائفة» (ص 35).
من أجواء الكتاب:
«المعلمنية لها حدود، والمعلم اللي يتعرض للفتونة لا بد أن يكون عارف مقام نفسه، ومحافظ على شرفه واسمه ويكون مالي هدومه، وفاهم مركز العصبجية إيه.
العصبة والعصابة والعصبجية والعصبجي كلمات تدل على الجماعات الذين وضعوا قلوبهم على بعض وصاروا من أبطال الزمان... والعصبجي من التعصب، يقال فلان رجل متعصب يعني ماحدش يعرف يقنعه وكلامه دائما يكون ماشي. ويلزم لمن يقدم نفسه للفتونة والجدعنة والبطولة أن يكون حائزا على ثلاث خصال: الأولى أن يتصدر للرياسة ولو شاف الموت الأحمر بعينيه، (الثانية) مايكونش طرماخ أبدا.
(والطرماخ الراجل اللي يشوف العيب ويعمل نفسه ماشافش حاجة)، يعني متغافل وفي عرف الجدعان يكون مغفل. (الثالثة) إذا وقع في زنقة لازم يسدها بدماغه، ولازم يكون شريف ويكون واد حدق يفهمها وهي طايرة» (ص 36).
أما قانون العصبجية فمما ورد منه وفق الكتاب ما يلي:
«نحن المعلم أبو الحسن، الرئيس العام لجميع الفتوات والعصبجية في مصر وفي أنحاء الشرق والغرب، أمرنا بالآتي:
(البند الأول): لا يدخل في طائفة العصبجية إلا كل من تدرب على جميع الأدوار التي يتغلب فيها البطل ويشهد له الفتوات ورؤساء الطائفة إنه بلغ غاية التمام.
(البند الثاني): ولا يجوز لقب فتوة أو عصبجي إلا لمن حاز جميع الشروط المبنية في البنود الآتية وأن ينفذها بندا بندا بكل عناية وتدقيق.
(البند الثالث): عندما يكون عمر الولد عشر سنوات يقال له شقي، ولا يقال له شقي إلا إذا كان شكلي ويفهم إزاي يجر شكل أولاد وبنات الحارة ويدوخهم من الأذية والضرب.
(البند الرابع): ولما يصير عمر الولد إحدى عشرة سنة بعد اتفاقية تمرينات الشكل يصير (هواش) ويعرف إزاي يهوش الناس ولا يخليش حد ياخد منه فايدة، ويبقى زي الأبوكاتو في الكلام المسبوك، يعني ما يخليش الحق عليه أبدا.
(البند الخامس): ولما يعرف لغاية كده ويدخل في سن الاتناشر سنة، يسمى ضراب، ويعرف يخلص نفسه في كل شكلة وأختها. ويطرده أبوه من البيت وينام على الباب في الحارة ويتلطم.
(البند السادس): ولما يصير عمره تلاتاشر سنة يسمى سفروت، والسفروت اللي لما يدخل في الخناقة يزوغ في وسط المتخانقين ولا حدش يعرف يمسكه، ولما يقوم بواجباته في الشكل على ما يرام يسمى لحلوح، ثم ملحلح، وفي هذه الحالة يتعلم جر الشكل بكل أنواعه. ويعرف يضرب بالكف والبونية والبوكس.
(البند السابع): ولما يصير عمره أربعتاشر سنة، يسمى محرجِم، والمحرجِم اللي يعرف إزاي يشمشم على أجنابه ويروح وييجي ويلقح نفسه ويضر الجدعان وتبقى الخناقة تمام.. ويشترط لمن يكون في هذا السن أن يتلوع ويلوع غيره. وينضرب ويضرب خصومه، ولا يمكن عدوه منه ويضرب بالروسية ويفهم لغة المجدعانية تحت عنوان (ويكا، يا ويكا)، ويجلد على الأقل في أقسام البوليس إحدى عشرة مرة، ولا تقل كل مرة عن خمس عشرة جلدة شوي نار على فوق الخربة بأعلى الفخذين.
(البند الثامن): ولما يدخل في سن الجدعنة، يعني خمستاشر سنة، يسمى عترة، ويستمر في هذه الوظيفة السامية يتمتع بكل الحقوق المكتسبة للعترات ويتعلم في أثنائها: معاكسة الناس والشتم على أنواعه، والعياط لإثبات التهمة على الغير، ونط حيطان الخرابات وقفل شبابيك الأدوار الأرضية والسلملكيات على أصحابها، ولما يمر عليه ثلاث سنوات يصير امتحان بمعرفة لجنة فنية تتألف من خمسة فتوات وخمستاشر عترة وخمسة وعشرين فتوة وثلاثة بريمة، وعشرة بطحجية، وثمانية ولاد حنت (مدقدقين) وثلاثة مزنقاتية، واثنين عصبجية من رؤساء الأخطاط، ولما يتصدق على مهنة الامتحان يمنح في الحال لقب «صبوة»، ويجوز له المشي والبرم مع الصبوات».
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع