الهدنة تهدئ الأسواق مؤقتًا.. هل تتحول رسوم هرمز إلى "ضريبة على النفط العالمي"؟
كتب : أحمد الخطيب
مضيق هرمز
رغم التراجع النسبي في أسعار النفط عقب إعلان الهدنة بين واشنطن وطهران، فإن قراءة أعمق لتحركات السوق تشير إلى أن ما حدث لا يمثل نهاية للأزمة، بقدر ما يعكس انتقالها إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا السياسية مع أدوات التسعير الاقتصادي، خاصة مع تصاعد الحديث عن فرض رسوم على المرور عبر مضيق هرمز.
هذا التحول من سيناريو "تعطيل الإمدادات" إلى "تسعير العبور" يعكس تغيرًا نوعيًا في طبيعة المخاطر التي تواجه سوق الطاقة، إذ لم يعد التهديد مقتصرًا على توقف تدفقات النفط، بل امتد ليشمل تكلفة نقله نفسها، وهو ما يفتح الباب أمام نمط جديد من الضغوط المستمرة على الأسعار.
الأسواق تراهن على تجنب الكارثة لا على الاستقرار
في هذا السياق، يوضح تحليل "الإيكونوميست" أن الأسواق خلال ذروة التوتر لم تكن تتوقع استقرارًا، بل كانت تراهن على تجنب أسوأ السيناريوهات، وهو ما يفسر ارتفاع الأسعار إلى مستويات مرتفعة دون أن تتحول إلى صدمة شاملة تقود إلى ركود عالمي. ومع إعلان الهدنة، انعكس هذا الرهان سريعًا في أداء الأسواق المالية، التي استعادت جزءًا من توازنها، في إشارة إلى أن المستثمرين يتعاملون مع الأزمة باعتبارها مؤقتة.
غير أن هذا التوازن يظل هشًا، إذ تشير التقديرات إلى تراجع فعلي في الإمدادات، حيث انخفضت الصادرات الخليجية بشكل حاد، وفق بيانات Kpler، في وقت حذرت فيه وكالة الطاقة الدولية من أن أي اضطراب واسع في المضيق قد يمثل أكبر صدمة إمدادات في التاريخ. ويعزز ذلك من فرضية أن السوق لم يغادر بعد مرحلة الخطر، بل أعاد تسعيرها في صورة "علاوة مخاطر" مستمرة.
ضمن هذا الإطار، تتباين قراءات الخبراء حول مدى تأثير التحول الجديد في الأزمة، حيث يرى جمال القليوبي، أستاذ هندسة البترول والطاقة، أن المضيق قد يتحول إلى أداة ضغط اقتصادي مباشر، مشيرًا إلى أن فرض رسوم على المرور يمكن أن يحقق إيرادات ضخمة لإيران، دون الحاجة إلى اللجوء إلى الإغلاق الكامل.
ويمضي القليوبي في توسيع هذه الرؤية، مشيرًا إلى أن السوق يعيش حالة ترقب شديد في ظل ضبابية المسار التفاوضي، وهو ما يفسر بقاء الأسعار قرب مستوى 100 دولار للبرميل، مع توقعات بالتحرك في نطاق يتراوح بين 95 و110 دولارات خلال المدى القريب. ويربط هذا التوازن الهش بإمكانية فشل المفاوضات، والتي قد تعيد سيناريو السيطرة الكاملة على المضيق، بحيث لا تمر السفن إلا عبر تنسيق مباشر، بما يعيد طرح سيناريو تعطيل الإمدادات في صورة أكثر إحكامًا.
كما يلفت إلى مفارقة السوق الأمريكي، حيث تجاوزت الأسعار داخليًا 113 دولارًا للبرميل، نتيجة القيود على استخدام المخزون الاستراتيجي، بعد استنزافه لتعويض عجز يُقدر بنحو 7 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يضع الاقتصاد الأمريكي تحت ضغوط تضخمية قد تتجاوز نصف تريليون دولار حال استمرار الحرب.
ويطرح القليوبي سيناريو أكثر حدة يتمثل في استهداف محتمل للبنية التحتية النفطية في المنطقة، خاصة في السعودية والإمارات، وهو ما قد يؤدي إلى توقف الإمدادات العربية ودفع الأسعار إلى مستويات قياسية تصل إلى 170 دولارًا للبرميل.
كما يرى أن إيران قد تتجه إلى إعادة توظيف المضيق اقتصاديًا عبر فرض رسوم على المرور، مع استثناءات محتملة لبعض الدول، بما قد يدر عوائد يومية تتراوح بين 50 و70 مليون دولار، وهو ما يحول المضيق إلى أداة ضغط مستدامة تتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية.
في المقابل، يقدم الدكتور ثروت راغب أستاذ هندسة البترول والطاقة، قراءة تركز على ديناميكيات السوق الفعلية، مشيرًا إلى أن إغلاق المضيق أدى إلى توقف إمدادات تُقدر بنحو 20 مليون برميل يوميًا، ما تسبب في ندرة المعروض ورفع الأسعار إلى ما بين 112 و119 دولارًا.
ومع الهدنة، تراجعت الأسعار إلى نحو 94 دولارًا، إلا أن السوق لا يزال يواجه اختناقات لوجستية، في ظل تكدس أكثر من 1000 سفينة بانتظار العبور، وهو ما يجعل التعافي تدريجيًا. ويتوقع أن تنخفض الأسعار إلى ما بين 80 و85 دولارًا خلال فترة الهدنة، قبل أن تستقر عند 80 دولارًا، ثم تعود إلى نطاق 70–80 دولارًا مع اكتمال التعافي.
وفيما يتعلق برسوم العبور، يرى راغب أنها تمثل عنصر تكلفة إضافي، لكنها قد تقابل بانخفاض في تكاليف التأمين، مرجحًا أن يقتصر تأثيرها على زيادة تتراوح بين 2 إلى 3 دولارات للبرميل.
هذا الطرح يتقاطع مع رؤية الدكتور أحمد معطي، الخبير الاقتصادي، الذي يؤكد أن العامل الحاسم في تحديد اتجاه الأسعار يظل مستوى التصعيد العسكري.
ويشير إلى أن الهدنة أدت إلى تراجع فوري في الأسعار بنحو 15% لتصل إلى قرابة 94 دولارًا للبرميل، موضحًا أن هذا التراجع يعكس "هبوطًا معنويًا" مدفوعًا بتحسن التوقعات، وليس عودة كاملة لحركة الملاحة، في ظل استمرار الحذر لدى السفن.
ويرى أن فرض رسوم على المرور -في حال تطبيقه- سيكون تأثيره محدودًا، حيث قد يضيف ما بين 1 إلى 2 دولار فقط للبرميل، دون أن يعيد الأسعار إلى ما فوق 100 دولار، مؤكدًا أن السوق يتفاعل بالأساس مع المخاطر الأمنية وليس الإجراءات الاقتصادية.
ويمتد هذا الطرح إلى التوقعات المستقبلية، حيث يرجح أن يؤدي التوصل إلى اتفاق نهائي إلى تراجع الأسعار إلى نطاق 70–80 دولارًا للبرميل.
غير أن البعد القانوني يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى المشهد، إذ يخضع مضيق هرمز لنظام "المرور العابر" المنصوص عليه في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والذي يضمن حرية الملاحة دون فرض رسوم تعيق التجارة الدولية.
اقرأ أيضًا:
النفط تحت ضغط الهدنة.. وخبراء يحذرون من "قفزات جنونية" حال التصعيد
من إغلاق المضيق إلى "تسعير العبور"
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد أنيس، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي، أن فرض رسوم على المرور يمثل خروجًا على هذا الإطار القانوني، مشيرًا إلى أن أسعار النفط ظلت طوال فترة الحرب فوق مستوى 100 دولار، قبل أن تتحرك خلال الهدنة في نطاق يتراوح بين 90 و100 دولار.
ويرى أن المسار المستقبلي يظل مرهونًا بالتطورات السياسية؛ إذ قد تنخفض الأسعار إلى مستويات الثمانينات في حال التوصل لاتفاق نهائي، أو تعود سريعًا لتتجاوز 100 دولار مع أي تصعيد جديد.
ويؤكد أنيس أن أي رسوم سيتم تحميلها في النهاية على المستهلك النهائي، ما يعزز من الضغوط التضخمية، حتى في حال عدم حسم الجدل القانوني حول شرعية هذه الخطوة.
تتلاقى هذه القراءات مع ما خلص إليه تحليل "الإيكونوميست"، الذي يشير إلى أن سوق النفط دخل مرحلة جديدة لن تعود فيها الأسعار إلى مستوياتها السابقة بسهولة، حتى في حال استقرار الأوضاع، بسبب بقاء "علاوة المخاطر" المرتبطة باحتمالات تجدد الصراع أو فرض قيود على حركة التجارة.
في المحصلة، تكشف التطورات أن الهدنة لم تنه الأزمة، بل أعادت صياغتها في شكل أكثر تعقيدًا، حيث أصبح النفط يسعر ليس فقط بناءً على حجم الإمدادات، بل وفقًا لمستوى المخاطر المحيطة بنقله وتأمينه.
ومع بروز فكرة فرض رسوم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يدخل سوق الطاقة مرحلة جديدة تتجاوز منطق العرض والطلب التقليدي، إلى معادلة أوسع تحكمها الجغرافيا السياسية، والقانون الدولي، وتكلفة عدم اليقين.
ورغم هذا التباين في تقدير حجم التأثير، تتفق مختلف الرؤى على أن سوق النفط لم يعد محكومًا فقط بعوامل العرض والطلب التقليدية، بل أصبح ساحة لتفاعل معقد بين السياسة والقانون والاقتصاد. فبحسب "الإيكونوميست"، فإن "علاوة المخاطر" ستظل جزءًا دائمًا من الأسعار، حتى مع انتهاء التوترات، في ظل صعوبة استعادة الثقة الكاملة في استقرار الإمدادات.
وفي المحصلة، تكشف الأزمة أن العالم دخل مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة قواعد اللعبة في أسواق الطاقة؛ مرحلة لم يعد فيها السؤال متعلقًا فقط بكمية النفط المتاحة، بل بتكلفة تأمينه، ومسار نقله، والمخاطر المحيطة به.
ومع بروز فكرة فرض رسوم على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، يصبح النفط أكثر من مجرد سلعة، ليتحول إلى انعكاس مباشر لتوازنات القوة في الاقتصاد العالمي.
اقرأ أيضًا:
ماذا حدث في الأسواق خلال 48 ساعة من هدنة إيران وأمريكا؟ وما السيناريوهات المقبلة؟