هل تهدد زيادة الدين الخارجي خطة الحكومة لخفضه إلى 40% من الناتج المحلي؟ خبراء يجيبون
كتب : أحمد الخطيب
البنك المركزي المصري
يرى خبير مصرفي وآخر اقتصادي، خلال حديثهما مع "مصراوي"، أن الارتفاع الأخير في الدين الخارجي لا يمكن فصله عن ضغوط تمويلية وفنية مؤقتة، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحد هيكلي أعمق يرتبط بقدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة.
كشفت بيانات البنك الدولي عن ارتفاع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من عام 2025، والذي يعادل الربع الأول من العام المالي الحالي، في ظل نظام السنة المالية الذي يبدأ في مصر من أول يوليو وينتهي بنهاية يونيو من العام التالي.
وبحسب بيانات البنك الدولي، ارتفع الدين الخارجي إلى نحو 163.71 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، مقارنة بنحو 161.23 مليار دولار بنهاية يونيو الماضي، مع اعتماد البنك الدولي على بيانات البنك المركزي المصري في تحديد حجم الدين الخارجي.
وأظهرت البيانات أسباب ارتفاع الدين جاءت بسبب البنوك وبعض المؤسسات الحكومية بعد أن انخفضت مديونيات الحكومة بنحو 1,23 مليار دولار لأول مرة منذ 6 أشهر وتراجع الدين لدى البنك المركزي بنحو 40 مليون دولار.
وبينما تؤكد الحكومة التزامها بخفض الدين إلى 40% من الناتج المحلي الإجمالي، يشدد الخبراء على أن تحقيق هذا الهدف يظل مرهونًا بتعزيز الإنتاج وزيادة الصادرات، لا بمجرد إعادة توزيع الأعباء أو تسجيل تراجعات رقمية مؤقتة في مكونات الدين.
وأكد الخبراء أن الحل الحقيقي لأزمة الدين الخارجي لا يكمن في الأرقام المحاسبية وحدها أو في إعادة ترتيب الالتزامات، بقدر ما يرتبط بمسار اقتصادي إنتاجي ملموس يقوم على زيادة الإنتاج، وتعظيم الصادرات، وتعزيز موارد النقد الأجنبي، باعتبارها السبيل الوحيد لتحقيق خفض فعلي ومستدام لمستويات الدين الخارجي.
الزيادة فنية وموسمية ولا تمثل خطرًا مباشرًا
من جانبه، قال محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن الارتفاع الأخير في الدين الخارجي لا يجب النظر إليه باعتباره أزمة هيكلية أو خروجًا عن مسار الخفض، موضحًا أن هذه الزيادة تعود إلى أسباب فنية وموسمية وليست ناتجة عن توسع مستدام في الاقتراض.
وأوضح عبد العال أن أول هذه الأسباب يتمثل في فارق التوقيت بين التدفقات النقدية الداخلة والخارجة، حيث تحصل الدولة أحيانًا على شرائح تمويلية على مراحل، بينما تُسجل الالتزامات كاملة في فترة واحدة، ما يؤدي إلى ارتفاع مؤقت في رصيد الدين خلال شهر بعينه.
وأضاف أن السبب الثاني يرتبط بلجوء الدولة إلى الاقتراض المؤقت لتغطية احتياجات عاجلة، خاصة في ظل تأثر بعض الموارد الدولارية، مثل تأخر تدفقات إيرادات قناة السويس نتيجة التوترات الجيوسياسية، ما يدفع الحكومة إلى الاستدانة لحين عودة هذه الإيرادات.
وأشار عبد العال إلى أن العامل الأهم يتمثل في ارتفاع تكلفة خدمة الدين، لافتًا إلى أن جزءًا كبيرًا من الديون الخارجية يتم عبر أدوات مرتفعة العائد مثل السندات الدولية، التي تصدرها وزارة المالية بأسعار فائدة تتراوح بين 8% و11%، مؤكدًا أن تراكم الفوائد يؤدي تلقائيًا إلى تضخم حجم الدين حتى دون الحصول على تمويل جديد.
وشدد الخبير المصرفي على أن هذه التفسيرات لا تعني تبرير التوسع في الاقتراض، وإنما توضيح الطبيعة المؤقتة لهذه الارتفاعات، مؤكدًا أن خطة الحكومة لخفض نسبة الدين لا تزال قائمة على المديين القصير والطويل، لكنها تظل مرهونة بقدرة الاقتصاد على توليد موارد دولارية مستدامة.
وأكد عبد العال أن القراءة الموضوعية لأرقام الدين تفرض التمييز بين الضغوط الطارئة والأزمات الهيكلية، موضحًا أن ارتفاع المديونية يفرض ضغوطًا فنية ونفسية على الأسواق وسعر الصرف، كما يزيد الطلب المستقبلي على الدولار، ما يتطلب الحفاظ على مستويات مرتفعة من السيولة الدولارية لضمان الاستقرار النقدي، مشيرًا إلى أن وكالات التصنيف الائتماني تراقب عن كثب نسبة خدمة الدين إلى الإيرادات السيادية، وأن أي تحسن حقيقي في هذا المؤشر يظل مرهونًا بنمو مستدام في الناتج المحلي وزيادة الصادرات.
خفض شكلي وترحيل للديون لا أكثر
في المقابل، يرى وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، أن الزيادة الأخيرة في الدين الخارجي مقلقة أكثر من كونها مؤقتة، لأنها تكشف عن خلل في إدارة المديونية، حيث يتم خفض الدين على الحكومة أو البنك المركزي فقط، بينما ترتفع ديون البنوك والهيئات الاقتصادية الأخرى.
وأوضح أن ما يحدث ترحيل للأعباء وليس خفضًا حقيقيًا، مؤكدًا أن استمرار هذا المسار دون تعزيز الموارد الإنتاجية والنقدية قد يدفع الدين الخارجي إلى مستويات أعلى، مما يزيد الضغوط على السيولة وسعر الصرف ويهدد استقرار الاقتصاد.
وأضاف النحاس أن الزيادة تراكمت حتى نهاية سبتمبر، مع إغلاق الربع الأول من العام المالي الحالي والربع الثالث من 2025، لترتفع المديونية بنحو 2.48 مليار دولار.
وأشار إلى أن الحكومة تقدم هذه الأرقام باعتبارها نجاحًا في خفض الدين الحكومي، حيث انخفض دين وزارة المالية من نحو 82 مليار دولار إلى 80.7 مليار دولار، كما تراجع دين البنك المركزي بنحو 1.3 مليار دولار، إلا أن هذا الانخفاض قابله ارتفاع واضح في ديون البنوك والهيئات الاقتصادية.
وأوضح النحاس أن ديون القطاع المصرفي زادت بنحو 1.33 مليار دولار، بينما زادت مديونية القطاعات الأخرى بنحو 2.4 مليار دولار، معتبرًا أن ما يحدث هو ترحيل للدين من وزارة المالية والبنك المركزي إلى البنوك والهيئات، دون خفض حقيقي في إجمالي الالتزامات.
وأضاف: "الدين في النهاية دين على الدولة، سواء كان على وزارة المالية أو البنك المركزي أو البنوك، نحن ننقل العبء ولا نخففه"، معتبرًا أن هذه السياسة تمنح صورة إيجابية مؤقتة أمام المؤسسات الدولية، وتسهم في خفض تكلفة التأمين على المخاطر، لكنها تفتح الباب لمزيد من الاقتراض بدلًا من تقليصه.
وأكد النحاس أن استمرار خطط طرح ديون جديدة، بما في ذلك إصدارات قد تصل إلى 4 مليارات دولار، إلى جانب الصكوك السابقة وتمويلات صندوق النقد والاتحاد الأوروبي، قد يدفع الدين الخارجي لتجاوز 170 مليار دولار خلال الربع الثالث من العام المالي الحالي، في ظل ما وصفه بأزمة سيولة وأزمة طاقة متزامنتين.
اقرأ أيضًا:
هل يشهد سوق الذهب محليًا موجة تصحيح لجني الأرباح؟ خبراء يجيبون
لماذا زاد الدين الخارجي لمصر 2.48 مليار دولار بالربع الأول للعام المالي الحالي؟
الدين الخارجي لمصر يرتفع إلى 163.7 مليار دولار بالربع الأول من العام المالي الحالي