خلفاء وصحابة قتلوا في المسجد أو وهم يتعبدون
كتب : مصراوي
إعداد – هاني ضوه :
على مر التاريخ الإسلامي كان دأب الخوارج ومن يريدون إثارة الفتن ألا يراعون حرمة الدماء، ولا حرمة بيوت الله، بل كان كل غايتهم أن يحققوا مطامعهم وأغراضهم الدنيئة، ولو خسروا بذلك دينهم.
وهذا ما حدث حتى في عهد خلقاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقد استشهد ثلاثة منهم في المسجد أو وهم يتعبدون، وكذلك من صحابة سيدنا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه من قتل وهو متعلق بأستار الكعبة.
استشهاد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب

في يوم استشهاده خرج سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مسجد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمدينة المنورة ليؤم المسلمين في صلاة الفجر، وكان ذلك قرب نهاية شهر ذي الحجة من العام 23 هجريًا.
وبدأ سيدنا عمر بن الخطاب في الصلاة فاستفتح، ودخل أبو لؤلؤة المجوسي عليه لعنة الله حاملًا معه سكينًا ذو طرفين ومسمومًا، فطعن سيدنا عمر بن الخطاب عدة طعنات ثم حاول الهرب، وكان يطعن كل من يقابلهم في طريقه من الصحابة والمصلين، ويقال إنه طعن ثلاثة عشرة رجلًا، مات منهم سبعة، ولم يستطع أبو لؤلؤة الهروب من المسجد فطعن نفسه ومات أيضا، وكانت آخر وصية لسيدنا عمر بن الخطاب أن لا يغالوا في كفنه ويسرعوا به إلى القبر.
استشهاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب

كان أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب يواجه الخوارج ويقاتلهم في الكثير من المعارك، لما يثيرونه من فتن واضطرابات، منها معركة النّهروان حيث انتصر فيها عليهم وقتل الكثيرين.
سعى الخوارج للإنتقام من سيدنا علي بن أبي طالب فبيتوا له في اجتماع لهم قتل ثلاثة من قادة المسلمين منهم الإمام علي ابن أبي طالب خليفة المسلمين، ووالي الشّام معاوية بن أبي سفيان ووالي مصر عمرو بن العاص.
وأرسلوا ثلاثة لتنفيذ تلك المهمة وقد فشل اثنين منهم بتنفيذ هذه المهمّة بسبب الحراسة المفروضة على معاوية وعمرو بن العاص، ولكن تمكّن عبد الرّحمن بن ملجم- عليه لعنة الله- من التّربّص بالإمام عليّ وهو خارج إلى صلاة الفجر في مسجد الكوفة فضربه اللّعين على رأسة فابتلّت لحيته بالدّماء تحقيقاً لنبوءة النّبي لعليّ بذلك، وقد صاح الإمام علي عند ضربه بالسّيف غدراً هاتفاً فزت وربّ الكعبة وقد كانت وفاته رضي الله عنه في سنة أربعين للهجرة.
استشهاد سيدنا عثمان بن عفان

في عهد سيدنا عثمان بن عفان وقعت فتنة ثار فيها المتمردون على سيدنا عثمان بن عفان حتى أنهم هاجموا داره، وتصدى لهم جمع من الصحابة يدافعون عنه، فناداهم سيدنا عثمان رضي الله عنه، وقال: الله الله، أنتم في حلٍّ من نصرتي، فأبوا، لأنه كان واثقاً من استشهاده بشهادة النبي له بذلك، وأراد ألا تُراق دم مسلم بسببه، وتنشب فتنة بين المسلمين.
حرق المتمردون باب بيت سيدنا عثمان والسقف، وكان سيدنا عثمان يصلي، ويقرأ سورة طه من المصحف الشريف، وكان يومها صائمًا، فدخل عليه رجل من المحاصرين، ولما رآه سيدنا عثمان قال له: بيني وبينك كتاب الله، فخرج الرجل، ودخل آخر أسود البشرة، مصري يُقال له: الموت الأسود، فخنقه وكانت روحه لينة وجسده رقيق، فغاب عن الوعي وظن أنه مات.
ثم دخل على سيدنا عثمان رضي الله عنه كنانة بن بشر الملعون، وحمل السيف، وضربه به، فاتّقاه بيده فقطع يده، فقال عثمان رضي الله عنه عندما ضُرب هذه الضربه: بسم الله توكلت على الله. فتقطرت الدماء من يده، فقال: إنها أول يد كتبت المفصل، وتقاطر الدم على المصحف، وتثبت جميع الروايات أن هذه الدماء سقطت على كلمة: {فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ}.. [البقرة:137].
بعد ذلك ضربه كنانة بن بشر وضربه بعمود على رأسه، فخرّ رضي الله عنه على جنبه، ثم طعنه في صدره، ثم قام سودان بن حمران بحمل السيف، وطعن سيدنا عثمان رضي الله عنه في بطنه فمال رضي الله عنه إلى الأرض فقفز على بطنه، واتّكأ على السيف بجسده ليتأكد من اختراق السيف لجسد عثمان رضي الله عنه، ومات رضي الله عنه وأرضاه بعد هذه الضربة، والمصحف بين يديه، وفار الدم على المصحف الذي كان يحتضنه.
استشهاد الصحابى عبدالله ابن الزبير

بعد أن استولى الأمويون على المدينة، وجد ابن مروان أن الفرصة قد سنحت للإجهاز على ابن الزبير، فأرسل له جيشًا ضخما بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي، ونصب الحجاج المنجنيق على جبل أبي قبيس وشدّد الحصار على مكة.
ولم تمض أيام حتى هجم الجيش على مكة حتى قتل الكثيرون من أهل مكة وأصحاب ابن الزبير، فقاتل قتالاً شديدًا حتى قتل وقتل معه عبد الله بن مطيع العدوي وعبد الله بن صفوان الجمحي وهو متعلق بأستار الكعبة، وكان ذلك في يوم الثلاثاء 17 جمادى الآخرة سنة 73 هـ، بعد أن حُوصر في مكة لأكثر من ثمانية أشهر.
وقطع رأس سيدنا ابن الزبير، وأُرسِل إلى عبد الملك بن مروان، وصلب الحجاج بدنه مُنكّسًا عند الحجون بمكة، فما زال مصلوبًا حتى مر به عبد الله بن عمر فقال: «رحمة الله عليك يا أبا خبيب، أما والله لقد كنت صوّامًا قوّامًا»، ثم بعث للحجاج قائلاً: «أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟»، فأُنزل ودُفن هناك، بعد أن صلى عليه أخوه عروة، وأمه يؤمئذ حَيّة، ثم توفيت بعد ذلك بأشهر بالمدينة.