كيف يواجه الإنسان القلق من المستقبل؟.. عمرو الورداني يوضح الطريق إلى اليقين
كتب : محمد قادوس
الدكتور عمرو الورداني
أكد الدكتور عمرو الورداني، رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب، أن شهر رمضان ليس مجرد موسم لزيادة الطاعات أو محاولة تعويض التقصير خلال العام، بل هو زمن إلهي خاص اختاره الله سبحانه وتعالى ليصلح القلوب ويعيد ترتيبها من الداخل، موضحًا أن إصلاح القلب لا يتم بالقرارات السريعة أو الاندفاع المؤقت، وإنما يحتاج إلى تربية عميقة تعيد تشكيله من جديد.
وأضاف الورداني، خلال حلقة برنامج "في الدين"، المذاع على قناة" الناس": أن المقصود بالدين ليس مجرد معلومات دينية أو أحكام محفوظة، بل الدخول إلى عمق المعنى الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين»، مشيرًا إلى أن الفقه ليس فقط فقه المسائل، وإنما هو فقه القلوب، لأن النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب» كان يشير إلى مركز الأزمة ومركز الحل في حياة الإنسان.
وأوضح أن القلب هو موضع القرار والخوف والطمأنينة والرؤية، ولذلك قد يكون الإنسان فاهمًا الأمور كلها بشكل صحيح، لكنه يتعب ويضيع لأن قلبه لا يرى الحقيقة كما ينبغي، مشيرًا إلى أن من أخطر ما يصيب القلب في زماننا ليس فقط الشهوات أو الغفلة، وإنما حالة خفية يمكن تسميتها بالصراع مع المستقبل، وهي حالة تستهلك القلب من الداخل وتجعله دائم التوتر والاستعجال والشعور بأن اللحظة الحاضرة ناقصة.
وأشار إلى أن كثيرًا من الناس يعرفون ما يسمى بالخوف من الفوات أو ما يطلق عليه «الفومو»، لكن الصراع الحقيقي مع المستقبل أعمق من ذلك، لأنه يجعل الإنسان يعيش قلقًا دائمًا بشأن ما سيأتي قبل أن يحدث أصلًا، موضحًا أن هذا الصراع ينبع في جوهره من الخوف من المجهول، وهو أمر قد يبدو طبيعيًا في ظاهره، لكنه عند التأمل العميق يكشف عن أزمة ثقة فيمن يعلم الغيب ويدبر الأمر وهو الله سبحانه وتعالى.
وبيّن أن الأسئلة الوجودية الكبرى تضع الإنسان أمام الحقيقة الواضحة، فالله هو الذي يعلم المستقبل ويصنع أحداثه ويتحكم فيه، ولذلك عندما يخاف الإنسان خوفًا مفرطًا ويرتجف من الغد فإن هذا يشير إلى اهتزاز في الثقة بالله، مؤكدًا أن المشكلة تتفاقم عندما يتحول الاعتماد على الأسباب إلى نوع من «تأليه الأسباب»، فيتعامل الإنسان مع خططه وذكائه وكأنهما مصدر النتائج وينسى إرادة الله المحركة للكون.
ولفت إلى أن الحياة الحديثة ساهمت في إضعاف الشعور بمعية الله لدى كثير من الناس، خاصة مع تسارع الأحداث والتغيرات، حيث أصبح ما كان يحدث خلال عشرين عامًا قد يحدث الآن خلال عام واحد، وهو ما ولد شعورًا دائمًا لدى الناس بأنهم غير مستعدين للحاق بالمستقبل، وهذا العجز يولد رغبة قوية في السيطرة على ما لا يمكن السيطرة عليه.
وأكد أن القلق يبدأ عندما يكتشف الإنسان أن الحياة لا تسير وفق السيناريو الذي رسمه في ذهنه، وكأنه يحاول فرض إرادته على الغيب، وهو صراع خاسر منذ البداية لأنه ينازع قيومية الله سبحانه وتعالى، موضحًا أن التخطيط للمستقبل ليس خطأ بل هو جزء من العبودية، لكن المشكلة تبدأ عندما يتعلق القلب بالسبب وينسى المسبب وهو الله عز وجل.
وأشار إلى أن التعارض الحقيقي ليس بين النصوص الشرعية، بل بين فهم الناس لهذه النصوص، موضحًا أن القلق المرضي يتحول أحيانًا من شعور عابر إلى حالة وجودية يطبع الإنسان نفسه عليها، فتقنعه نفسه بأن القلق هو الحالة الطبيعية، بينما هو في الحقيقة يسرق منه الحاضر ويمنعه من الاستمتاع بالنعم التي بين يديه.
وأوضح أن القلب الذي يعيش دائمًا في خوف من احتمال زوال النعمة لا يعيش الواقع الحقيقي، بل يعيش مأساة متخيلة داخل سجن من الخيال، مشيرًا إلى أن كسر هذا السجن لا يكون بفكرة نظرية فقط، بل بحال يعيشها الإنسان بقلبه وجوارحه، ومن أهم العبادات التي تخرج الإنسان من ضيق نفسه إلى سعة مدد الله هي عبادة الخدمة.
وبيّن أن الخدمة في معناها العميق ليست مجرد خدمة للناس، بل هي في حقيقتها خدمة لله سبحانه وتعالى من خلال خدمة خلقه، لأن الله يحب أن يرى عباده في حال العطاء والرحمة، موضحًا أن الإنسان حين يخدم الآخرين يبدأ في رؤية يد الله في حاجات الفقراء ونداء الله في أنين المكسورين، فيشعر بالقرب من الله ومعيته.
وأضاف أن للخدمة سرًا عظيمًا يتمثل في أنها تمنح الإنسان «حق الدخول» على الله سبحانه وتعالى، فالخادم كلما خدم دخل على سيده واقترب منه، وفي هذه الحالة يرى بعين قلبه كيف يدبر الله الأمور بلطف وحكمة خفية، فيكتشف أن الأحداث التي كان يراها عشوائية ومخيفة هي جزء من نسيج دقيق من التدبير الإلهي.
وأكد أن الخدمة تهدم الكبر داخل النفس وتكسر وهم الاستقلال، وتعلم الإنسان التسليم العملي لله لا التسليم النظري فقط، وهو ما يحيي في القلب قيمة اليقين بمدد الله، وهي القيمة التي تعالج الخوف من المستقبل وتجعل الإنسان يعيش في طمأنينة وثقة بأن الله لن يتركه وحده.
وأوضح أن «مدد الله» ليس أمرًا غيبيًا مجردًا، بل هو تدفق مستمر من أسباب الله الظاهرة والخفية، وهو شعور عميق بأن الإنسان ليس وحده في هذا الكون، وأن الله يدبر حياته كما يدبر حياة غيره، مشيرًا إلى أن الإنسان عندما يرى رزق الله ولطفه يجريان على يديه لخدمة الآخرين يدرك أن الذي استعمله لرفع كرب غيره لن يتركه في كربه.
وأكد الدكتور عمرو الورداني أن الخدمة هي من أعظم الطرق التي تورث القلب يقينًا بالله، لأنها تنقل الإنسان من ضيق الخوف إلى سعة الثقة، وتجعل القلب يهدأ وهو يعمل لا بعد أن يرى النتيجة، لأن القلب المتربي على الخدمة يطمئن لوجوده في حضرة الله حتى لو كان المستقبل ما زال مجهولًا.
وأشار إلى أن الفرق كبير بين الأجير الذي يعمل منتظرًا المقابل، والعبد الذي يعمل لأنه منسوب إلى سيده، فالأجير يقلق إذا تأخر الأجر أو جاء أقل من المتوقع، أما العبد فيسكن قلبه لأنه يعمل لله، وهذا هو المعنى الحقيقي لقوله تعالى: «إياك نعبد وإياك نستعين».
وخلال حديثه قدم رئيس اللجنة الدينية بمجلس النواب ثلاث خطوات عملية لتحقيق هذا المعنى في الحياة اليومية، أولها تصحيح زاوية النظر إلى الخدمة بحيث لا تكون عملًا هامشيًا بل موقفًا قلبيًا دائمًا، وثانيها أن يجعل الإنسان لنفسه وردًا يوميًا من خدمة الناس ولو كان بسيطًا كجبر خاطر أو مساعدة قريب أو صديق، وثالثها أن يتدرب على فعل الخير دون انتظار مقابل أو ربط قيمته بنتائج ما يقدمه.
وأشار إلى أن القلب عندما يعيش بهذه الطريقة يصبح أكثر سكينة وطمأنينة، ليس لأن المستقبل صار مضمونًا، بل لأن الإنسان عاد إلى مكانه الصحيح في حضرة الله، حيث يشعر بمدده وعنايته في كل لحظة.
ودعا الدكتور عمرو الورداني في ختام حديثه بأن يرزق الله القلوب يقينًا بمدده، وأن يرفع عنها غشاوات القلق والخوف، وأن يجعل مستقبل الناس باب رضا وفتح وكرم، وأن يرزقهم بصيرة ترى لطف الله في كل شيء، وأن يجعل قلوبهم مطمئنة متصلة به دائمًا.
اقرأ أيضاً:
ليلة القدر 17 رمضان.. داعية يفجر مفاجأة: الليلة ممكن تكون ليلة القدر
أمين الفتوى يعلق على تريند الدعاء "ولا عازبًا إلا زَوَّجته": السّجع المتكلف
17 رمضان ليلة القدر.. الشيخ أحمد خليل يحسم الجدل
قضية تبادل زوجات.. علي جمعة يكشف عن واقعة نادرة وأغرب فتوى في حياته (فيديو)