إعلان

التذكرة الأخيرة.. رحلة في ذاكرة "ترام الرمل" قبل التطوير

كتب : مارينا ميلاد

03:05 م 31/03/2026 تعديل في 03:05 م

ترام الرمل - مارس 2026

تابعنا على

قصة/تصوير: مارينا ميلاد

في النهار الأخير له، ينطلق الترام الأزرق من محطة الرمل في وسط الإسكندرية، تنزلق عرباته بسلاسة على القضبان، فيخرج صوته المألوف الذي يجذب الأنظار إليه. وهذه المرة تحديدًا، يصعب تجاهله.

فمنذ توقفه الجزئي في بداية فبراير 2026، يقطع الترام رحلة منقوصة، لا يصل فيها إلى نهاية مشواره المعتاد لنحو مائة عام، حيث محطة النصر (فيكتوريا)، إنما ينهيها عند محطة مصطفى كامل. رحلة متوترة ومربكة له ولركابه، فصلته عن نصف مناطقه تقريبًا.. لكنها مهدت لهذه اللحظة، لحظة توقفه بالكامل لتطويره في الأول من إبريل 2026.

تبدو وجوه رفقائه حزينة ومستغربة. يتسابقون خلسة على الجلوس جوار نافذته والالتصاق بها أكثر من العادي. وينضم إليهم علاء خالد الذي اعتاد الفرجة منه على حياة الإسكندرية وعمرانها وتاريخها ومحاولة الاقتراب من كل ذلك بهدوء. يقطع تذكرته التي سيحتفظ بها هذه المرة؛ فبين مئات التذاكر التي قطعها طوال عمره البالغ 65 عامًا، فهذه الأخيرة لهذا الترام الذي عرفه وعرف منه المدينة.

شرق الإسكندرية، عام 1862

كانت منطقة "الرمل" أو "الرملة" شبه خالية، لما شرعت عائلات ثرية في بناء منازلها تدريجيًا، محولين إياها إلى ريفييرا صغيرة. لم يكن عددهم يتجاوز 500 نسمة يوم قررت الحكومة المصرية إنشاء خط سكة حديد لهم أو ما صار يعرف بـ"ترام الرمل"، سيربطهم بالطرف الآخر من المدينة.

وعند أول عربات هذا الترام الذي بدا مدهشًا ومثيرًا للجميع، اجتمع مؤسسو الخط: السادة شوتس وصفر وفليمنج وبولكلي؛ ليتفقوا على استعمال قاطرة بخارية في جر القطار بدلًا من هذه الخيول ومناقشة تعريفة الركوب: ستة قروش للدرجة الأولى، وأربعة للدرجة الثانية، وقرشان للثالثة. مروا على مساحات واسعة، سيمتد إليها الترام فيما بعد، ويخلق للإسكندرية امتدادًا عمرانيًا جديدًا. ستصبح محطات وستأخذ أسماءهم مثل "بولكلي" أو "بوكلي" -كما اعتاد الإسكندرانيون أن ينادوها.

أسفل لافتة "بولكلي" بعد نحو مائة عام، يستقل "علاء"، الذي لم يتجاوز عمره السبع سنوات، مع والده الترام يوميًا، لكنه ليس الترام الذي عرفه "بولكلي" شخصيًا، إنما عربات حديثة مقسمة لدرجتين: الأولى بكراسي جلدية، والثانية بكراسي خشبية، يمضي على خط تمت كهربته ومده منطقة بعد أخرى. فأطل "علاء" من النافذة على ملامح مدينة بطابع أوروبي وأسماء إنجليزية في كل ناحية، على حدائق وفيلات، وعلى بحر ينكشف له في مساحات كثيرة ويتسلل من بين الأبنية، خاصة عند محطة جامع إبراهيم أو القائد إبراهيم.

إسكندرية الستينيات كانت تترقب لحظات التحول، كما سردها نجيب محفوظ في روايته "ميرامار"، فصار "علاء" مهووسًا بأن يراقب ذلك من منظور آخر، من الطابق الثاني للترام، ليكشف له أعداد الأجانب من ركابه التي تقل شيئًا فشيئًا، خاصة من الأزاريطة (محطة حسن راسم)، الجزء الأرستقراطي بالمدينة، وأسماء الشركات والمصانع والشوارع التي تتغير مثل محطة مصطفى باشا، وهو الأمير مصطفى فاضل شقيق الخديوي إسماعيل، صاحب القصر الكبير الذي كان موجودًا في المنطقة، وصارت محطة "مصطفى كامل"، وشركة سباهي باشا للغزل والنسيج التي تأممت فأصبحت "السيوف"، وهو نفس اسم محطة الترام.

وفي بعض الأحيان، يتوقف دوران تلك المشاهد وسير الترام، حين كانت "السنجة" التي تصله بأسلاك التيار الكهربائي أعلاه تخرج عن المجرى، فينزل الكمساري ليعيد البكرة داخل سلك الكهرباء السميك ويستكمل رحلته.

كبر الترام عشرة أعوام أخرى، ومعه "علاء" الذي صار مراهقًا يثيره أن يتعلق الشباب بباب الترام ويطير نصف أجسادهم خارجه، ويجذبه أن يرى من نافذته السينمات التي يترك مدرسته ليذهب إليها: "لاجتيه" بالإبراهيمية و"أوديون" في كامب شيزار، مناطق الجاليات الأرمنية واليونانية، ويتمنى أن يكون لديه "أبونيه" الترام أي اشتراكه، يقدمه للكمساري المهندم الذي يرتدي بدلة بنية ويربط الحقيبة على كتفيه، لشعور داخله أن ذلك يجعله كبيرًا بما يكفي، وربما لتوطيد علاقته بالترام أكثر.

لذا قصد أن يلتحق بمدرسة ثانوية تبعد عن محطته "بولكلي" أكثر من عشر محطات؛ ليستمتع بطريقه مع الترام حتى نهايته عند محطة فيكتوريا، حيث كلية فيكتوريا، ويحصل على الاشتراك الذي طالما تمناه، وربما ليسرق وقتًا داخله ويرى فتاة يعجب بها، كما يفعل زملاؤه.

والأهم بالنسبة له، أن يختلط بطبقات المجتمع المختلفة التي جمعها الترام. فعند "بولكلي" يفترق خطاه افتراقًا دراميًا؛ فأحدهما المسمى بـ"النصر" أو "رقم 2" يتهادى بين الأشجار والفيلات والقصور في محطات الهدايا وسابا باشا وجليم (جليمونوبولو) وزيزينيا، عند مدخل قصر الصفا. والآخر واسمه "باكوس- رقم 1"، ينحدر طبقيًا بشكل تدريجي، وهو يقطع شارع أبو قير عرضًا، فيصل إلى محطة الوزارة، وبها مبنى فخم كان مقرًا صيفيًا للحكومة المصرية التي اعتادت الانتقال مع الملك إلى هنا في أيام الصيف، ثم "فليمنج"، وصولًا إلى "باكوس"، التي يعرف "علاء" أنه وصل إليها عندما يزدحم الترام وتختلط فيه رائحة السمك وأصوات الأسواق والباعة.

ولا يتنفس الترام إلا عندما يخرج على محطة "جانكليس"، ثم يلتقي خطاه مرة أخرى في سان ستيفانو، ويستكملان رحلتهما معًا حتى نهاية الخط.

ينساب الترام داخل تلك الأحياء ويذوب بها كما يذوب الجميع داخله أيضًا، "فهذا الشيء لديه قدرة غريبة على أن يزيل الحواجز بين الغرباء"، هكذا يراه "علاء" دائمًا. ثم ظهرت داخله طبقات جديدة جلبتها فترة ما بعد الانفتاح الاقتصادي، وظهر هو نفسه في ثوبه الجديد حين جاءت عربات مصنوعة في اليابان من إنتاج شركة "كينكي شاريو"، يتذكر "علاء" شكلها الأول: "فكانت لها كراسي جلدية حمراء، والأبواب تفتح بتفريغ الهواء، وهناك مساحة واسعة في المنتصف بين جزئي العربة، لم تكن متوفرة في عربات الترام القديمة".

ولم يصدق "علاء" أن يراه ساكنًا ولا يعمل ولو ليوم واحد، لكنه حدث يوم جرت أعمال تخريب صاحبت احتجاجات يناير عام 1977 بسبب الغلاء، وأدت في نهاية الأمر إلى تعطيل الترام. كان "علاء" خارجًا من مدرسته وقتها، وخرج الطلاب والعاملون وغيرهم مشيًا إلى بيوتهم، فقطع بعضهم أكثر من 15 محطة سيرًا، يصف مشهدهم بـ"جموع، أعداد كبيرة خائفة، تمشي فحسب، ولا تفهم ما يحيط بها، يسلكون الطرق وينضم إليها آخرون مع زاوية كل شارع، وكأنهم في احتجاج صامت".

عامًا تلو الآخر، ازدحم الترام أكثر. قفز داخله الموظفون والطلاب وهو يتأرجح من "سوتر"، حيث مجمع الكليات، إلى "جمعية الشبان المسلمين" عند ملجأ العجزة الإيطالي الذي كان يختفي فيه اليهود في الحرب العالمية الثانية، إلى "الشاطبي" أمام كلية سان مارك بمبناها الأحمر العتيق ونادي الاتحاد السكندري، الذي يحاوطه جماهيره عادة عند البوابات، ثم إلى نفق محطة "الجامعة"، الوحيدة التي يمضي فيها تحت الأرض.

ومن نافذته في تلك الفترة، كان يتخيل "علاء" نفسه في شريط سينمائي، هو داخل كادر ثابت، والمشاهد والحكايات تتبدل أمامه بسرعة: تختفي أول سراي ملكية تعود لزمن الخديوي إسماعيل من عند محطة السرايا، تزيد المحال والباعة والمباني ويتغير شكلها وتنتشر الإعلانات الملصقة والمكتوبة على حواف مقاعد الانتظار الرخامية؛ لتستهدف جمهور الترام المضمون.

مع الوقت، تحمل الترام فوق طاقته حتى تهالك وصار مزعجًا أكثر بسبب "فلنكاته"، مخيفًا بخفة دم، يهز الطاولات بالبيوت القديمة التي يمر على امتدادها، فيعتقد أصحابها أنه زلزال. وفي عام 1998، تم تفكيك قضبانه القديمة والمزلقانات والتحويلات واستبدالها بأخرى أكثر تطورًا وأمتن وأقل ضوضاء وأبسط اهتزازًا، وتطوير عرباته المتهالكة دون تغيير ملامحها، كما ذكر المهندس عصام حسبي (رئيس الهيئة العامة لنقل الركاب بالإسكندرية) في تصريحاته للصحف حينها.

وواصل الترام سيره بنفس الهزة القوية التي تحرك أجساد راكبيه معه، فيستسلمون لها وأحيانًا يبتسمون مثل "علاء" الذي باتت رحلته معه تأخذ معنى آخر، فيرى أن شخصيته -وقد تخطى عمره الخامسة والثلاثين– وشخصية مدينته "ترتبط ببطء الترام، وعناده على الاستمرار في الخدمة رغم العوائق الكثيرة وإشارات المرور والسيارات التي تعترض مسيرته".

لكنه شاخ وتدهور وضعه ومستوى نظافته مع بداية الألفينيات. غالبية ركابه أصبحوا من الطبقات الأفقر، كما يلاحظ "علاء" الذي تلاشت من أمامه ذكرياته: سينما لاجتيه التي هدمت وبني مكانها مول تجاري، وسينما أوديون في كامب شيزار التي صارت مغلقة ومهجورة، وأغلب الفيلات التي لم تعد في مكانها وحلت محلها الأبنية الشاهقة. وبات يشغله أكثر مراقبة الجالسين على مقاعد انتظار الترام، وقد صار لها سكان ليليون.

ثم كان الترام جزءًا مما يحدث من تظاهرات متتالية أعقبت ثورة يناير 2011. كان مشاركًا، فاستقله طلاب جامعيون وأخذوا يهتفون "يسقط حكم المرشد" في ذكرى رحيل مبارك يوم 12 فبراير عام 2013. وقطع ملثمون مرتدون الأقنعة السوداء طريقه باستخدام الحواجز المرورية في صباح أحد أيام الجمع خلال نفس الفترة كإجراء احتجاجي.

استمر روتينه اليومي كما هو، يحمل على مقاعده البرتقالية نحو 80 ألف راكب كل يوم بسرعة لا تتجاوز 11 كم/س، فيقضي معهم وقتًا قد يفوق الساعة بقليل. ورغم ملامح عجزه الواضحة، إلا أنه أصبح مزارًا، نزهة، شيئًا يربط المدينة بزائريها. لا يفرق بينهم، في وقت فرقتهم الشواطئ التي قسمت إلى "مميزة-سياحية-مجانية". كان "علاء" يرمقها من بعيد على شريط الكورنيش، وقد غطاه الكثير من الكافيهات والنوادي، وتم توسيع طريقه ليصبح 4 أو 5 حارات، وهو ما جعله لا يفكر أبدًا في التخلي عن الترام واستبداله بوسائل نقل أخرى لا تعجبه وتجبره على عبور الطريق بكباري مشاة مغلقة.

وفي يوم من أيام عام 2019، تفاجأ الترام باختراق خطوطه من جانب 15 وحدة حديثة، أوكرانية الصنع، مكيفة الهواء، مزودة بخدمة الإنترنت، "بأرضية أكثر أمانًا، بها نظام إطفاء، وجهاز طوارئ في يد السائق"، كما يقول المهندس مجدي جابر محمد (رئيس الإدارة المركزية لشؤون الترام بالهيئة العامة لنقل الركاب بالإسكندرية).

مضت تلك الوحدات الجديدة صفراء اللون بجانب زميلتها القديمة الزرقاء، نسخة السبعينيات. اندمجت سريعًا معها. ورغم أنها لا تبدو متعالية أو غريبة المظهر بالنسبة لـ"علاء" إلا أنه ظل يركب العربات القديمة فقط. ومثله محمود رمضان (سائق أقدم موديل في الترام الذي يعود لعام 1930)، فيقول "إن تلك العربات الجديدة إمكانياتها جيدة جدًا، تدرب عليها ويمكنه قيادتها، لكن العشرة والألفة تبقى مع القديم وحده".

ووقتها، كان المفترض البدء في تنفيذ مشروع تطوير ترام الرمل لتقليل زمن التقاطر وزمن الرحلة، كما أعلن خالد عليوة (رئيس الهيئة العامة لنقل الركاب بالإسكندرية). لكن لم تبدُ فكرة التطوير قريبة إلا بعد خمس سنوات أخرى، عندما وقع كامل الوزير (وزير الصناعة والنقل) عقد تنفيذ أعمال البنية الأساسية لمشروع إعادة تأهيل ترام الرمل بين الهيئة القومية للأنفاق وتحالف شركتي (المقاولون العرب – حسن علام للإنشاءات). وقال: "إن تنفيذ أعمال إعادة تأهيل خط ترام الرمل يأتي ضمن خطة وزارة النقل لتنفيذ عدد من مشروعات النقل الأخضر الجماعي بالإسكندرية، ثاني المحافظات ازدحامًا بالسكان".

وبعد أشهر، تحديدًا في يناير 2026، صارت الفكرة في موضع التنفيذ، بدعم مالي من بنك الاستثمار الأوروبي ووكالة التنمية الفرنسية. فأعلنت محافظة الإسكندرية رسميًا عن مشروع تطوير مسار الترام الممتد من محطة الرمل وحتى فيكتوريا؛ لتحديث البنية التشغيلية ورفع كفاءة الخدمة، وأن ذلك "بناءً على دراسات تمت خلال السنوات الماضية وتقييم الأثر البيئي والاجتماعي وبالتعاون مع كبرى الجامعات المصرية، فكان التدخل ضروريًا لإنقاذ المرفق من الموديلات المتهالكة التي تفتقر لقطع الغيار وتسببت في حوادث حريق هددت سلامة الركاب".


والمحطات التسع العلوية التي سيرجع بها الترام ستقصي 15 محطة كان يتوقف عندها الترام مثل جامع إبراهيم، والشبان المسلمين، وكامب شيزار، وسبورتنج الصغرى، وكليوباترا الصغرى، وكليوباترا حمامات، وبولكلي، وهي محطة بيت "علاء".

صنع هذا الخبر هزة داخل الترام تفوق هزاته العادية. كان وقعه سيئًا بالطبع على ركابه الدائمين ومنهم "علاء"، ورغم أنه -ومثل كثيرين- يتفقون مع فكرة صيانته وزيادة إمكانياته وتحسينها، إلا أنه لا يتفق مع تغيير شكله وذاكرته وتقصير مسافته وتقليل وقته، فهذا ربما ينال من روحه.

أما نعمة يوسف (43 عامًا)، فكانت تفكر فيه على نحو مغاير، غير عاطفي بالمرة، "فالترام يصل بها عند باب المستشفى التي تعمل بها، وبابنها عند بوابة كليته الواقعة على امتداد الترام، بسعر تذكرة 5 جنيهات، والآن سيضطرون لركوب حافلات بضعف هذا السعر أو أكثر؟". ولتعويضهم، وفرت المحافظة 185 مركبة بديلة، على أن يكون سعر تذكرة الأتوبيس (من محطة الرمل وحتى فيكتوريا) 13 جنيهًا، والميني باص والميكروباص بمحاذاة الترام ما بين 8 – 9 جنيهات، وهناك نصف مسافة بـ5 جنيهات، قبل أن تختلف تعريفة الركوب مرة أخرى خلال شهر مارس بعد زيادة أسعار الوقود.

لذا، امتلأت جوانبه في أيام توقفه الجزئي (من محطة فيكتوريا وحتى محطة مصطفى كامل)، بالأحاديث عن ذلك، مزيج من الكلام حول "أن عربته الواحدة تحمل ما يزيد على 3 أتوبيسات"، و"الأتوبيسات والميكروباصات تفرض شروطها عليهم"، و"أنه يمكن تطويره تدريجيًا وهو يعمل، فتوقفه سيخنق المدينة ويزحمها، خاصة مع توقف قطار أبو قير للتطوير في نفس الفترة".

هؤلاء غير المتضررين على جانبيه، من أصحاب المحال أو مستأجري المحال والأكشاك القائمة بمحاذاته، الذين تحدثت عنهم دراسات المشروع المنشورة على موقع بنك الاستثمار الأوروبي والتي تعود إلى عام 2023، وقدرتهم بحوالي 100 محل، وحددت آليات إثبات أحقيتهم وصرف التعويضات لهم وسماع شكواهم.

من ناحية أخرى، سلك أحد المحامين ويدعى محمد فتوح مسارًا قانونيًا، بتقديم دعوى قضائية لا تزال منظورة، يطالب فيها بوقف المشروع الذي بدأت بالفعل أولى ملامحه بتفكيك أجزاء الترام والقضبان وبعض المحطات.

ومع ذلك، فبحلول اليوم 31 مارس، يخرج الترام الأزرق من محطة الرمل للمرة الأخيرة، ركبه "علاء" ليسير به على النباتات الخضراء البرية التي تنمو أسفل عجلاته، ليحاول أن يلتقط لمحة من البحر من وراء الكافيهات والمطاعم، ليستمتع بمراقبة الأماكن، وشم رائحة الكشري من مطعم "أناميشو"، وسماع ثرثرة الباعة والمسافرين بالقطار عند محطة سيدي جابر، ولمس أفرع الأشجار القديمة المتدلية التي تقتحم نوافذ الترام.

أخذ الترام عند محطة مصطفى كامل منعطفًا صغيرًا بالنسبة له، ولكنه نقطة تحول حاسمة في تاريخه. سيستقر في جراج كبير جوار زملائه بانتظار عملية تطويره. تقول محافظة الإسكندرية، التي ترفق بمنشوراتها صورًا مصممة لترام حديث أزرق اللون يشبه القديم: "إن الحفاظ على هوية المدن لا يعني تجميدها، بل تطويرها بشكل متوازن يحمي التراث ويواكب متطلبات الحاضر والمستقبل، والتطوير لا يتعارض مع الأصالة، بل قد يكون السبيل الوحيد لصونها واستدامتها".

الفكرة نفسها تحدثت عنها مونيكا حنا (عالمة الآثار ومؤسسة أول كلية في مصر لدراسة التراث الحضاري)، فأكدت على أهمية تحديث المسارات والإشارات والمركبات لكن دون بناء جدران، وذكرت النموذج المختلط الذي يدعم التطوير دون تدمير: "مثل بلاكبول، المدينة البريطانية التي حافظت على تشغيل الترام بتحديث نظامها عام 2012 بترام (فليكسيتي سويفت) أنيق (مشابه للقطارات المقترحة للإسكندرية) ولم تغلق الواجهة البحرية بل أبقت الخط مفتوحًا واستمرت في تشغيل الترام التراثي جنبًا إلى جنب مع الترام الحديث، وأيضًا النموذج الفرنسي، فمنذ تسعينيات القرن الماضي افتتحت فرنسا أكثر من عشرين نظام ترام جديدًا. صُممت هذه القطارات لتسير في الشوارع، غالبًا على مسارات مفتوحة، ليتناغم مع الطابع المعماري للمدينة".

سيغيب ترام الرمل لعامين، المدة المقدرة للمشروع -حال تم تنفيذه كما هو- وسيعود بشكله الجديد. وفي هذه الفترة، لا يقتنع "علاء" ببديل له؛ سيمشي إن كانت المسافة قصيرة أو يستقل عربة خاصة في المسافات الأطول. لكن الأمر عنده أكبر من ذلك بكثير، فسيفتقد لقاءهما اليومي الذي لم ينقطع لنحو ستين عامًا. ذلك اللقاء الذي بدأ عند محطته "بولكلي"، والتي لم يصلها الترام الآن ولن يصل عندها حتى بعد عودته.

الرسومات الواردة في القصة مصنوعة بأدوات الذكاء الاصطناعي.

اقرأ أيضا: في الإسكندرية.. آخر أيام ترام الرمل "وداع قبل التطوير"

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان