إعلان

النازحون إلى المسرح اللبناني يعرضون قصتهم فوق خشبته: "راجعين"

كتب : مارينا ميلاد

03:16 م 24/03/2026

النازحون بالمسرح الوطني اللبناني

تابعنا على

على خشبة مسرح سينما الكوليزيه القديمة ببيروت، يقف نحو عشرة من الشباب والفتيات ليقدموا بروفات مسرحيتهم الجديدة "راجعين" التي سيفتح الستار عليها بداية من 27 مارس بمناسبة اليوم العالمي للمسرح.. ستروي المسرحية قصة الحرب والنزوح في لبنان، لكن أبطالها لا يمثلون حكايات غيرهم ولا يوثقون فترة مضت، إنما سيجسدون حياتهم، مشاعرهم، وأيام نزوحهم الحالية وإقامتهم بهذا المسرح.

فقد فتح المسرح الوطني اللبناني أبوابه أمام النازحين مع الأيام الأولى لشهر مارس وبدء الهجوم الإسرائيلي على لبنان، ليستضيف في فروعه الثلاثة "طرابلس وصور وبيروت"، نحو 120 شخصاً بمبادرة من الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي الذي يديرهم.

"هذه قيمة وأهمية وقضية المسرح"، يؤمن "قاسم" بذلك، وهو دافعه لهذه المبادرة، كما يقول لـ"مصراوي".

المسرح الوطني اللبناني.. "ملاذ" للنازحين

ولم تكن هذه المرة الأولى؛ فخلال صيف 2024 وأثناء ترميم سينما الكوليزيه التي تأسست عام 1945، وعمل "قاسم" على إحيائها من جديد بعد إغلاق سنوات، كان النازحون من الجنوب ينامون أيضًا بين مقاعدها، وهم عائلات هربت من القصف الإسرائيلي في صراعه المسلح مع حزب الله.

وقد تجدد هذا الصراع مرة أخرى يوم 2 مارس، يوم انخرطت جماعة حزب الله في إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل انتقاماً لمقتل آية الله علي خامنئي (المرشد الأعلى الإيراني). فردت إسرائيل، التي لم توقف القصف على لبنان منذ هدنة عام 2024، بضربات طالت المناطق الجنوبية وحتى داخل العاصمة مع إخلاء مساحات واسعة، حيث بات هناك أكثر من مليون شخص سجلتهم السلطات اللبنانية كنازحين.

ولما وقع ذلك، حان دور المسرح الوطني اللبناني، كما يرى "قاسم"؛ فيقول: "نحن بحاجة الآن إلى التضامن أكثر من أي وقت مضى حتى يعود الناس إلى بيوتهم، فالمسرح قريب منهم ومعهم في أوقات السلم والحرب، وهذه معركتنا الدائمة من أجل الحرية والكرامة في وجه العدو".

ما بين الإحباط والأمل.. "راجعين" توثق أيام النزوح

كان أحمد فهيم، واحداً من هؤلاء النازحين القادمين من الضاحية الجنوبية لبيروت. افترق عن جدته التي كان يسكن معها، فذهبت هي إلى مكان وهو إلى المسرح. فيرى "أنه إذا كان مقدراً له أن ينزح، فالمسرح هو المكان الأنسب له"، فهو مصمم جرافيك وموسيقي، أوقفت الحرب سعيه لنشر أغنياته التي جهزها مؤخرًا. لكنه الآن يوظف موهبته في المشاركة بهذه المسرحية الجديدة. يحكي "فهيم" عن "تحضيره موسيقاها وتمثيل دور بها أيضًا وربما غناء أحد المقاطع الغنائية".

وسواء في التمثيل أو الموسيقى، يحاول "فهيم" أن يخرج فيهم كل مشاعره، كما يقول لـ"مصراوي"، ويلخصها في "الخوف والإحباط مع الحرب المستمرة طوال الوقت، وفي نفس الوقت التمسك بالأمل ورفضه الهروب من بلده رغم أن والدته تعيش خارجها".

ليست نازحة إنما ممثلة تريد أن تنجو

وبين جنبات المسرح، تقضي تالين حسن، وعمرها 13 سنة، يومها بين التحضير لهذه المسرحية والنوم. فقبل أيام من اندلاع الحرب، كانت تأتي من محافظتها "البقاع"، شرق لبنان، لتحضر دورة تدريبية في التمثيل، والمشاركة "في مسرحية العيد". لكن انقلب الأمر تماماً، لتصبح مسرحيتهم "عن الحرب والنزوح الجديد"، كما تصفها.

لا تصنف "تالين" نفسها نازحة، بل إنها تبيت في المسرح حتى لا تضطر إلى قطع مسافة نحو 60 كم ذهاباً وعودة كل يوم في هذه الظروف، كما تحكي. فعائلتها التي تسكن بلدة "رياق"، وفي محيطها تتجدد الغارات بين حينٍ وآخر، ترفض النزوح حتى اللحظة. فتقول "تالين" لـ"مصراوي": "لن نخرج من بيتنا حتى لو هددونا".

ويبدو من حديثها أن عائلتها وافقت على تركها هذه الأيام بالمسرح باعتباره أكثر أماناً لها. إذ قتلت الغارات الإسرائيلية منذ 2 مارس وحتى 23 مارس، 1039 شخصاً، بما فيهم أكثر من مئة طفل، بحسب إحصاء وزارة الصحة اللبنانية. ومن ناحية أخرى، ستحقق "تالين" داخله حلمها بأن تصبح ممثلة.

وعندما تستريح قليلاً من التدريب، تعاون "تالين" سمر خيري (أحد الموظفين بالمسرح)، وهي الآن متطوعة مع شقيقتها وسبعة أشخاص آخرين في مساعدة الأسر النازحة. فتقول "سمر" وهي تجوب رفقة "تالين" لتوزيع الوجبات على نحو ثلاثين شخصاً: "الجميع هنا صار عيلة، الكل يساعد بعضه، نقوم باستقبال التبرعات ونجهز الطعام وننظف وننظم المكان، فالأمر ليس استضافة أشخاص فحسب، إنما الاستمرار في عمل المسرح بالتدريب وتقديم ورش عمل للأطفال وعرض أفلام يومياً مجاناً للتخفيف عنهم".

نحارب بالفن

فالأطفال الذين بعمر "تالين" تعرضوا لصدمات حربين يفرق بينهما أقل من عامين، وهو ما تقول عنه إيفلين بارود (طبيبة نفسية للأطفال والمراهقين)، لوكالة فرانس برس: "إنها تجارب سلبية متراكمة وعدم استقرار وعدم القدرة على التنبؤ المستمر تجعل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة لخطر الإصابة بالاضطرابات النفسية والنتائج السلبية على الصحة العقلية".. وتضيف: "إن مشاهدة العنف والاعتداءات الجسدية والقتل والتهجير القسري وفقدان المنزل وفقدان أحد الوالدين، كل هذه الأمور تحمل خطراً كبيراً للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة".

لكن "تالين" تقف في وجه كل ذلك بالفن، كما تحكي، وهو نفس ما يفعله قاسم إسطنبولي، مؤسس المبادرة. ربما يستلهم ذلك من تاريخ حي الحمرا نفسه، مكان المسرح الذي تتدرب فيه "تالين" وغيرها من المشاركين على مسرحيتهم المنتظر عرضها. هذا الحي الذي كان يزدحم بدور السينما والمسارح في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، ويقف على مسارحه كل من فيروز وعادل إمام، وتضرر كثيراً بفعل الحرب الأهلية (1975 – 1990) واجتياح القوات الإسرائيلية للمنطقة عام 1982، ورغم ذلك، استمر الناس يرتادون دور السينما في ذلك حتى لو دُمرت قاعتها.

رغم صغر سنها، تدرك "تالين" ما بليت به بلدها إلى حد ما، وتعرف مكانها في تلك المعركة، فتنهي حديثها قائلة بنبرة هادئة: "أشعر هنا بكثير من الفخر والقوة والحرية، أن أكون قادرة على الحكي من خلال المسرح، فالحرب تريد تدمير أحلامنا لكننا نحاربها بالفن، ونجعل العالم يشاهد ما يحدث لنا".

اقرأ أيضا:

حماية بـ "الدرع الأزرق" و"الإحداثيات".. ماذا يحدث لمواقع إيران التاريخية؟
بالرجل الحديدي وسبونج بوب.. هكذا حول البيت الأبيض الحرب الإيرانية إلى "لعبة"

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان