عائدون إلى "الصفر".. الجسر يعبر بالنازحين إلى جنوب لبنان المعزول والمدمر
كتب : مارينا ميلاد
جنوب لبنان
في الساعات الأولى من صباح الجمعة، جمعت "فاطمة" أغراضها من مركز الإيواء الذي كانت تسكنه مع أسرتها في شمال بيروت، ليأخذوا طريقهم باتجاه جسر القاسمية الذي قصفته إسرائيل، لتعبر عليه بأي طريقة حتى تصل إلى بلدتها بجنوب لبنان.
تعود "فاطمة" مع أسرتها المكونة من خمسة أفراد مثل آلاف النازحين الذين قرروا العودة مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين حزب الله وإسرائيل حيز التنفيذ، لمدة عشرة أيام بدءاً من منتصف ليل الخميس (16 إبريل).
لما وصلت "فاطمة" إلى مشارف الجسر، كانت الجرافات تعمل على تمهيد طريقه وسد الحفر التي خلفها القصف، بإشراف الجيش اللبناني، حتى تتمكن مئات السيارات المصطفة على جانبيه، والمحمّلة بالفرش والأغطية، من المرور عبره، كما تصف "فاطمة" المشهد، الذي تخلله أصواتُ التهليل احتفالاً بالعودة.
فتقول "فاطمة" (39 عاماً) والتي نزحت بعد بدء الحرب بين حزب الله وإسرائيل في 2 مارس الماضي: "لا نطيق الانتظار حتى نعود إلى بيتنا وبلدتنا، رغم أننا نخشى ألا نجد بيتنا". فبلدتها "الخيام" قد تعرّضت لضربات مدمرة، ضمن أكثر من 60 بلدة جنوبية شنت إسرائيل عليها عشرات الغارات، غير إخلائها، وهدم مبانٍ وبيوت بشكل منظم في بعضها، كما تُظهر مقاطع فيديو جرى التحقق منها.
بيوت جنوب لبنان سويت بالأرض
لا تعلم "فاطمة" وكثيرون من العائدين عبر الطريق السريع المؤدي إلى جنوب لبنان مصير بيوتهم، إلا أنهم تبادلوا في رسائلهم معلومات ومقاطع مصورة حول العمليات الإسرائيلية التي جرت في مناطقهم، بتسوية المنازل بالأرض في عمليات تفجير ضخمة عن بعد. وجاء ذلك بعد أن أصدر إسرائيل كاتس (وزير الدفاع الإسرائيلي) قراراً بـ"تسريع تدمير المنازل اللبنانية الموجودة على الخطوط الأمامية"، أي القريبة من الحدود الإسرائيلية، وهو النموذج المستخدم من قبل في غزة.
كان ذلك بالتزامن مع قصف جسر القاسمية، الجسر الرئيسي على نهر الليطاني الذي يقسم جنوب لبنان إلى جزأين، مما أدى إلى عزل المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني عن بقية المناطق. واعتبر وزير الدفاع الإسرائيلي أن هذه الجسور "تُستخدم في أنشطة إرهابية"، وأن العمليات بهدف "وقف التهديدات التي تواجه شمال إسرائيل"، حيث المناطق التي تستهدفها صواريخ حزب الله.

مخاوف من عدم انسحاب الإسرائيليين من جنوب لبنان
وكانت "فاطمة" تدعو الله ألا يقع أمامها فيديو يوثق تدمير بيتها مثل بقية البيوت التي شاهدتها في المقاطع المصورة، ومنها ما يقع في بلدتها، فتقول: "الإسرائيليون يريدون محو ذاكرتنا وهويتنا، لكننا لن نتركها لهم، وإن دُمر منزلي، سأبقى على أنقاضه، ونبدأ من الصفر".
ومثل "فاطمة"، سيعود بحذر "إبراهيم"، وهو مزارع من بلدة "دير سريان" القريبة من بلدة "فاطمة"، الذي فر عدة مرات خلال عمره الذي تجاوز خمسين عاماً، وكان آخرها في جولة حرب حزب الله وإسرائيل الماضية عام 2024. لكن هذه المرة، يعرف "أنه سيعود على لاشيء، فلا محاصيل ولا متجر ولا بيت"، كما يقول باقتضاب، ولا يريد أن يحكي مزيداً من التفاصيل؛ فيبدو أن عودته تحمل مزيجاً من الحزن والقلق، مستعيداً ذكريات الاحتلال الإسرائيلي للجنوب بشكل متقطع منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي وحتى عام 2000.
ومن غير الواضح ما إذا كانت القوات الإسرائيلية ستنسحب تماماً هذه المرة من المنطقة الجنوبية أم لا. فبعد التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار، قال بنيامين نتنياهو (رئيس الوزراء الإسرائيلي): "إنّ القوات ستبقي على منطقة أمنية بعمق 10 كيلومترات داخل جنوب لبنان.. الإبقاء على هذه المنطقة العازلة ضروري لمنع خطر أي توغل داخل الأراضي الإسرائيلية". ولا يتضمن الاتفاق المبرم بين الطرفين أي إشارة إلى انسحاب إسرائيل من المناطق التي اجتاحتها خلال الحرب.
ومنذ بداية هذه الحرب على خلفية الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، قُتل أكثر من 2100 شخص وأصيب نحو 7 آلاف آخرين في الهجمات الإسرائيلية على لبنان، وفقاً لوزارة الصحة اللبنانية، غير أكثر من مليون شخص نزحوا داخلياً أو عبروا الحدود السورية.
وحتى قبل دقائق من سريان الهدنة، استهدفت إسرائيل أبنية في مدينة صور الساحلية في جنوب لبنان، وقُتل ما لا يقل عن 13 شخصاً وأصيب 35 آخرون، كما ذكر مسؤول في بلدية صور.
وتنص بنود الاتفاق على احتفاظ إسرائيل بحقها في اتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للدفاع عن النفس في أي وقت، في حال وقوع هجمات مخطّطة أو وشيكة أو جارية؛ على الناحية الأخرى، يُطلب من لبنان اتخاذ خطوات جدية لمنع حزب الله وجميع الجماعات المسلحة الخارجة عن سلطة الدولة من تنفيذ هجمات ضد أهداف إسرائيلية.
وتسري هذه الهدنة لعشرة أيام قابلةٍ للتمديد باتفاق الطرفين في حال أحرزت المفاوضات تقدماً، لكن تتمنى "فاطمة" أن يطول أمدها. هكذا تقول في نهاية حديثها وهي على وشك عبور الجسر للعودة إلى بلدتها واكتشاف ما حدث لها، لكنها سرعان ما تكمل: "ذلك بشرط ألا يبقى أي جندي إسرائيلي في الأراضي اللبنانية".
اقرأ أيضا:
"كنا نعتقد أن الهدنة تشملنا".. لبنانيون يروون كابوس غارات الـ10 دقائق
النازحون إلى المسرح اللبناني يعرضون قصتهم فوق خشبته: "راجعين"
