فاتورة الإيرانيين بعد الحرب.. استقبال العيد بأسعار مرتفعة وكميات قليلة
كتب : مارينا ميلاد
تصميم باستخدام الذكاء الاصطناعي
رغيف الخبز الموجود في سلة الإيرانيين المصطفين بكثرة أمام المخابز هذه الأيام، من المرجح أن يكون أصله من روسيا أو تركيا أو قادماً من موانئ الإمارات، التي امتدت إليها الضربات الإيرانية واستهدفتها بأكثر من 1000 صاروخ ومسيرة منذ اندلاع الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير الماضي.
وكل ما يحتاجه الأمر ليصل هذا الرغيف إلى الكيس البلاستيكي لكل شخص أخذ مكانه في الطابور، معطل أو يقابله الكثير من العوائق في حالة الحرب الجارية، بداية من وصول سفن القمح مع إغلاق مضيق هرمز، إلى تشغيل صوامع التخزين بالغاز أو الديزل ثم النقل بالشاحنات المتوقفة على البنزين، الذي ارتفع ثمنه وقُيد استخدامه.
لذا ترسم الروايات الواردة من داخل إيران صورة معقدة للحياة اليومية خلال أيام الصراع الذي تزامن مع نهاية شهر رمضان واستقبال عيد الفطر، وتَمثل في العملية العسكرية المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة، والتي أسفرت عن مقتل المئات في إيران، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، فيما ردت طهران بإطلاق دفعات من الصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف إسرائيلية وقواعد أمريكية في المنطقة. وقد فرضت هذه الحرب زيادة شبه خفية أحياناً على الخبز وأشياء أخرى في عربة التسوق.

يقف علي (اسم مستعار)، وهو رجل يبلغ من العمر 40 عاماً، في طابور الخبز بالقرب من منطقة شميرانات شمال طهران. يضطر لشرائه بزيادة تختلف من مكان لآخر، حيث رفعت بعض المخابز سعره فوق التسعيرة الحكومية، بحسب شهادات عدد من سكان العاصمة طهران "بذريعة أن الالتزام بالسعر الرسمي قد لا يغطي كلفة شراء لوازمه ويسبب خسائر في هذه الظروف الغامضة". وحتى قبل أن يبدأ كل ذلك، ارتفع سعر خبز “بربري” العادي بنسبة 31% ووصل إلى 4600 تومان (العملة الإيرانية المستخدمة في الحياة اليومية)، بينما زاد سعر نوع آخر 52%، في أغسطس 2025، بحسب ما نقلته وكالة تسنيم عن أمير كرملو (المتحدث باسم اتحاد المخابز التقليدية في طهران).
يقول الرجل، في لحظات وجيزة من التواصل لأحد المراسلين هناك: "هذا هو الحال منذ أعوام طويلة، فرص العمل قليلة، والبطالة مرتفعة، والأسعار في ازدياد مستمر، إما بفعل العقوبات أو الحرب".
ويسلك القمح وغيره من الحبوب كالذرة مسارات مختلفة من الدول الموردة ليصل إلى "علي" ونحو عشرة ملايين مواطن في طهران، فالإنتاج المحلي لا يكفي الطلب الكبير، إذ يبلغ استهلاك الفرد من القمح ما يزيد قليلاً عن 162 كيلوغراماً سنوياً، وهو ما يعادل 2.5 ضعف متوسط الاستهلاك العالمي.. وأحد تلك المسارات التي يأتي من خلالها هو مضيق هرمز، الممر الرئيسي لحوالي خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. ومنه تدخل الغالبية العظمى من الواردات، إلا أن إيران تغلقه الآن وتعلق حوله عشرات السفن.
وتسبب إغلاق مضيق هرمز في شلل مروري بحري، حيث أُجبرت السفن التجارية على التوقف التام أو سلوك مسارات بديلة طويلة وعالية التكلفة، مما خلق اختناقات حادة في حركة التجارة العالمية.
لكن يظل لإيران منفذ لاستيراد القمح الروسي عبر موانئها الشمالية على بحر قزوين.

و"علي" الذي يعمل موظفاً حكومياً، من المفترض أن يزيد راتبه الأيام المقبلة بأكثر من 60%، وفقاً لما أعلنته السلطات الإيرانية مؤخراً كزيادة سنوية من 103 ملايين ريال (العملة الرسمية) إلى 166 مليوناً. لكنها تأتي في خلفيتها هذه المرة، احتجاجات مناهضة للحكومة بسبب الظروف المعيشية. وبحسب سعر الصرف في السوق السوداء، يناهز الحد الأدنى الجديد 112 دولاراً.
لكن "علي" الذي يحاول تأمين مخزون أسرته من المنتجات الغذائية قبل العيد، يرى أن "تلك الزيادة ليست كافية". فيقول: "يرفعون الرواتب وفي المقابل يرتفع التضخم وسعر هذا الخبز، وإن استمر الوضع أطول، تخيلوا كم سترتفع أسعار كل شيء آخر!".
وفي فبراير، أعلن مركز الإحصاء الإيراني معدل تضخم بلغ 68.1%. تلك الأرقام التي تبدو جلية ومترجمة على أرض الواقع كما تحكي زهرة (اسم مستعار)، وهي امرأة ثلاثينية لديها طفلان، فتقول "إن الحياة في طهران مستمرة رغم الخوف والانفجارات التي تحدث بين الحين والآخر، والأسواق مزدحمة في ساعات معينة من اليوم، والسلع متوفرة، لكن الناس نفسها لم تعد قادرة على شراء كميات لحالات الطوارئ".
فعلى سبيل المثال، ذكرت أنها اشترت لوازم الطعام بضعف الثمن العادي، ووصل سعر البيضة الواحدة بالسوق إلى 15 ألف تومان بعد أن كان 13 ألفاً قبل الحرب، وتضيف أن البائع أخبرها "أن هذا السعر ينطبق فقط على المخزون الحالي، وأن السعر سيزيد من بضاعته الجديدة".
ورغم أن المشكلة الأساسية في القدرة الشرائية وليست توافر السلع، إلا أن إدارة الجمارك الإيرانية أعلنت أنه تمّ تخليص أكثر من 50 ألف طنٍ من السلع الأساسية من الموانئ والمرافق الجمركية، وأنّ العملية لا تزال جارية. كما صرّح نائب وزير الزراعة بأنه خلال الأسبوع الماضي، تمّ توزيع ما بين 1000 و1200 طنٍ من الأرز الإيراني عبر المتاجر الكبرى.
ومع مرور الوقت واستمرار الحرب، ستزيد حاجة إيران للاستيراد لتوفير الأعلاف، خاصة الذرة، إذ تستورد جميع الذرة تقريباً، بشكل رئيسي من البرازيل، كذلك الأدوية التي تأتيها من ألمانيا ودول أوروبية. وسط ذلك، لا يملك "علي" سوى الانتظار ومحاولة تدبير احتياجاته، فيقول: "باختصار، هكذا نعيش اليوم بيوم، على أمل أن تتحسن الظروف".
اقرأ أيضا: في إيران والخليج.. كيف تتأثر البيئة البحرية والهواء بحرب المنطقة؟