تحت "سقف" واحد.. أعمال مصر التراثية تجتمع في معرض "ديارنا"

02:03 م الأحد 12 يناير 2020
تحت "سقف" واحد.. أعمال مصر التراثية تجتمع في معرض "ديارنا"

معرض ديارنا

كتابة وتصوير- شروق غنيم:

تتخطى أسماء محمد عتبة بوابة معرض "ديارنا"، تدهشها الألوان، التنوع في الثقافات المتواجدة على أرض المعارض بمدينة نصر، وكأنما عبرت الفتاة العشرينية إلى محافظات شتى في خطوة واحدة، تدنو من التراث النوبي، السيناوي، تُبصر منحوتات الواحات، تمور آل سيوة، وجلود أهل الشلاتين المصاغة في حُلى، إذ تجتمع أعمال ما يقرب من 540 عارضًا من أصل 27 محافظة في مصر.

على طابقين نُظم معرض ديارنا في نسخته الـ64، إذ افتتحته وزيرة التضامن الاجتماعي نيڤين القباج، في السادس والعشرين من ديسمبر، ويستمر حتى الـ15 من يناير الجاري. في الطابق العلوي تستقر شادية يوسف مع ثلاث عارضات أخريات في رُكن خاص بالأعمال النوبية، يجاورها 20 سيدة أخرى يستعرضن فنون أسوان في الأعمال اليدوية والمأكولات الشعبية.

12

قبل ثمانية أعوام بدأت حكاية شادية مع حضور المعارض المختلفة، لكن سبقتها أعوام أكثر كانت تحيك خلالها في منزلها الأعمال اليدوية "طلعنا لقينا نفسنا بنعرف نعمل الشغل ده، كنا نشوف أمهاتنا وجدادتنا ونتعلم منهم". لكن منتجات السيدة الستينية ظلت حبيسة قريتها الصغيرة في أسوان، حتى تسنت لها فرصة الالتحاق بمعرض ديارنا وكذلك معارض أخرى في القاهرة.

تسر ألوان منتجات النوبة عيون المارين، في نظر شادية فإن أكثر ما يميز بلدتها هو منتجات الخوص، تتشكل بخيوط مبهجة فتصبح قطعة فنية مختلفة، بين ما يمكن وضعها في المنزل كديكور من الخوص، أو عرائس تحمل شكل الفتاة النوبية في الماضي.

3

4

كما يتملّك زوار المعرض شغف للتعرف على مختلف الثقافات، يحدث ذلك مع شادية أيضًا "حتى لو محصليش مبيعات كبيرة بفرح بإني بتعرف على ناس هنا مختلفة"، تتعدى خبراتها وتتعرف على التطريزات المتنوعة، الألوان التي تميز كل بلدة عن غيرها، فيما ينفتح مجال التعاون أكبر بينها وباقي السيدات من المحافظات الأخرى "ممكن نشتري من بعض، وكل واحدة تاخد منتجات التانية وتسوقها في بلدها".

تُصبح معارض مثل "ديارنا" مُتنَفس لمنتجات شادية عبد العليم وسيدات العريش في شمال سيناء، واللائي يسوقن شغلهن من خلال جمعية تنمية المجتمع، في الأعوام الماضية كانت منتجات السيدة الخمسينية تسافر إلى القاهرة لعرضها تحت اسمها "لكن أول مرة أحضر بنفسي في المعرض وأشوف الدنيا بتمشي إزاي".

وراء كل منتج ثمة حكاية لأصحابها؛ طوال قرابة ثلاثين عامًا عكفت ابنة العريش على صناعة المنتجات اليدوية، أتقنت التطريزات السيناوية وألوانها المميزة مثل الأحمر، لكنها قررت أن تصبح مدربة لباقي نساء بلدتها "أغلبهم معندوش دخل وفي ستات كتير متقدرش تخرج من بيتها تشتغل"، صارت قِبلتهن للتعلم "وبقينا سوا نطوّر كمان من أفكار الشغل" لكن الثابت الذي لا يتغير هو ألوان سيناء وتطريزاتها.

56

تتحمّس شادية للعودة إلى مدينتها عقب انتهاء المعرض، تتلهّف لنظرة السيدات الفرحة بما صنعن وتم بيعه، فيما تأخذ مع رحيلها خبرة مختلفة عن التطريزات من باقي العارضين والعارضات داخل المكان "لإني بعشق الخياطة والتطريز، فأي كلام عنهم بيبسطني".

على مدار أسبوعين من افتتاح المعرض توالت الأقدام على المكان لاستكشاف الحرف اليدوية والصناعات التراثية المختلفة، تُقدّر المبيعات خلال تلك الفترة بـ الأسبوعين اللي فاتوا المعرض قدر يحقق مبيعات بمبلغ أكتر من 4 ملايين جنيه بحسب التقرير الذي استلمته وزيرة التضامن الاجتماعي نيڤين القباج، فيما تم تخصيص لأول مرة في معرض ديارنا الذي بدأ إقامته منذ عام 1964، بركنًا خاصًا بذوي القدرات الخاصة في أول طابق من المعرض.

78

عام 2016 جاءت عائشة عيد إلى مصر للمشاركة في معرض مجاور لـ"ديارنا"، لا تزال تتذكر تلك اللحظة، كيف قدمت مبكرًا لكي تمر على "ديارنا" أولًا لكي تستطلع كل الأعمال المشاركة "مكنتش عارضة فيه حاجة بس لفيته كله أشوف شغل أسوان، الفيوم، سيوة وسيناء"، تمضي ثلاث سنوات وتصبح الفتاة العشرينية إحدى العارضات في "ديارنا" لعام 2019-2020.

في أول طابق يستقر ركن بدويات البحر الأحمر، جاءت ابنة محافظة مرسى علم لكي تعرض منتجاتها وسيدات مدينتها "إحنا بنحب الهاند ميد، بنعمل ميداليات وإكسسوارات وعقودة وديكور وستاير وكله من تراثنا". صنعتها السيدات من الجلد الطبيعي، الخرز، خيط الشمع وأهم ما يميز منتجاتهن تطعيمها بقواقع من البحر.

9

تعرفت أيادي الفتاة العشرينية على الأعمال اليدوية منذ عام 2008 "كانت أمي بتعمل الحاجات دي، وإحنا اللي نلبسها"، عام تلو الآخر بدأت والدتها وباقي السيدات بيعها في مدينتهن للسائحين "لكن في الشتاء بتبقى السياحة ضعيفة في الجنوب"، هنا جاء دور الفتاة اليافعة التي كانت بوابة أعمال سيدات بلدتها إلى القاهرة ومعارضها "بقيت باخد الشغل وأروح بيه على المعارض خصوصًا في الشتاء عشان نسترزق برضو".

حافظت عائشة على طقسها خلال المشاركة في المعارض، أن تجوبه أولًا لتتعرف على ثقافات مختلفة وأعمالها اليدوية، كيف يصنعن الإسوارة، وكيف يتم استخدام الجلود في أعمالهم، لكن يعكر صفوها أحيانًا لمّا "الناس تستغلى الحاجة رغم إن سعرها بسيط، خصوصًا إن كلها شغل إيد ستات حتى التقطيع ودبغ الجلود بيعملوه بنفسهم، غير السفر والشيل" تتهاود مع الزبائن الذين يتفاوضون في أسعار المنتجات "في النهاية عاوزين نبيع وبنتبسط لما نشوف حاجة من تراثنا بتلف وبيلبسها أهالي مختلفة".

1011
مسافة 973 كم تفصل بين القاهرة والشلاتين في محافظة البحر الأحمر، لكنها تختصر حينما تقف زينب علي داخل ركنها في معرض "ديارنا"، تتحدث بفخر عما تصنعه أيادي سيدات الشلاتين من جلد الماعز والسعف كحُلي أو علب وشنط، ترافقها سيدة أخرى من مدينتها.

لأول مرة تأتي زينب إلى القاهرة، طيلة 20 عامًا مضت كانت أعمالها اليدوية تسافر إلى المعارض "لكن دي أول مرة أنا أجي بنفسي أشوف الموضوع بيمشي إزاي"، داخل مدينتهن تعكف السيدات على تطوير تراثهن "بنحاول نواكب اللي بيحصل عشان يلائم الناس هنا" دون المساس بالتفاصيل الأساسية التي تميز ثقافتهن.

12

13

يخرج الزوار من المعرض وقد تشبعوا بالثقافات المختلفة، يقولها أيمن السيد وقد اشترى أطباقًا من خوص النوبة، بينما تتزين أيادي ابنته بإسوارة من صنع سيدات الشلاتين. يُشارف المعرض على الانتهاء بعد أيام قليلة، غير أن تفاصيله لا تغادر السيدات العارضات، وقد صرن صُحبة، يتبادلن أعمالهن لتسويقها في بلدتهن، في انتظار عودة لقياهم العام المقبل.

14

إعلان

إعلان