رحلة هروبه استغرقت عاما.. حكاية إدريس التي جعلته الكرة لاجئًا

01:54 م السبت 27 يوليه 2019

كتابة وفيديو – مارينا ميلاد:

صور – أحمد النجار:

جرافيك- أحمد مولا

الطقس حار في العاصمة الإريترية "أسمرة". يشتد في الصحراء التي بدأ يسلكها "إدريس" ومعه 7 فتيان من أصدقائه؛ تتراوح أعمارهم بين 11 عامًا مثله أو أكبر قليلًا. يحمل على كتفه حقيبة صغيرة تضم ملابسه، طعامًا، شرابًا، وكرة مصنوعة من القماش. يسير في اتجاه إثيوبيا. يتملكه الخوف من القبض عليهم. يضلون طريقهم؛ فتستغرق رحلتهم 5 أيام بدلا من ثلاثة. يعطي إدريس ظهره إلى مدينته الصغيرة النائية التي لم تؤمن طموحاته ولم تكن لتفعل ذلك. وأمامه عالمٌ آخر لم يتمنَ فيه إلا أن يحقق ما هرب وترك عائلته لأجله.

لا أمل هنا

صنعت كرة من القماش، كنت أخبئها في شنطة المدرسة بدلًا من الكتب، وهو ما كان يزعج أمي كثيرًا عندما تكتشف الأمر؛ فتطلب مني التركيز في دراستي أو العمل لأساعدهم

إبراهيم إسماعيل، هو الاسم الحقيقي لـ"إدريس"، وما الأخير إلا اسم شهرة نسبة لأحد لاعبي المنتخب الإريتري.

ولد الفتى الصغير في مدينة "عدي قيح" الواقعة بالجنوب الإريتري لأب يعمل في بيع الخضروات، ليكفيه بالكاد إطعام زوجته وإدريس وإخوته الخمسة.

تنتمي تلك الأسرة إلى قبيلة الساهو، وهي إحدى القبائل الإريترية التي تحتفظ بلغتها الخاصة المشتقة من التجرينية (اللغة الرسمية)، يرتدون الجلباب، يركبون الجمال، والقليل منهم يهتم بالتعليم.

صورة 4

رغم ذلك اهتمت أسرة إدريس بأن يلتحق بالمدرسة، لكن لم يكن هو على نفس قدر اهتمامهم بل جذبه شيء آخر سيتطور بعد ذلك ليصبح كل شيء في حياته.

كان إدريس يشعر بأحوال والديه التي دفعتهم لتزويج أختيه في سن صغيرة، لكن في الوقت نفسه يدرك ما تمثله الكرة بالنسبة له؛ فلحظات لعبه في الشارع أو في ساحة مدرسته هي ما تنسيه ظروفه وكل شيء، هي ما تجعل لديه أمل في أن يصير مثل كريستيانو رونالدو، الذي كان مغرمًا به ويتابع مبارياته مع ريال مدريد في مكان يشبه القهوة مخصصٍ لمشاهدة المباريات مقابل 5 ناكفات (العملة الإريترية).

يقف إدريس على باب هذا المكان؛ يطلب من كل شخص أن يعطيه ما يجعله يجمع المبلغ المطلوب ويدخل ليشاهد المباراة؛ ظل هكذا لفترة حتى عرفه صاحب المكان وأبلغه في يوم أنه يمكنه مشاهدة مباريات الريال ومانشستر سيتي دون مقابل.

سنوات قليلة فصلت بين هذه المعاناة التي يعيشها إدريس لمشاهدة مباراة ومعاناة عايشتها إريتريا بأكملها؛ وقت ما اندلعت الحرب بينها وإثيوبيا عام 1998 واستمرت عامين بسبب الحدود المتنازع عليها.

كان ذلك بعد مرور نحو 5 سنوات على استقلالها رسميًا عن إثيوبيا بعد صراع مسلح دام 30 عامًا، سبقه كفاح آخر للاستقلال عن إيطاليا.

لكن في الحرب الأخيرة، قررت سلطات الدولة المعروفة أنها "دولة الحزب الواحد" استدعاء كل الشباب – حتى لو كانوا غير مؤهلين أو في سن صغيرة – للمحاربة في صفوفهم ضد إثيوبيا، ومن بينهم أكرم إسماعيل، الذي كان في الـ14 تقريبا من عمره، ويلعب كرة في فريق البراعم منذ كان في التاسعة حتى أنه شارك بإحدى البطولات في ستوكهولم، وفاز فريقه.

صورة 6

جاءت الحرب لتقصي أكرم عن أحلامه تمامًا؛ فلم يكمل دراسته في هندسة الطيران، كذلك لم يصبح لاعبا في فريق الناشئين بعد إصابته بشظايا بساقه منعته من اللعب.

كما تشتت فريقه بعدما قُتل ثلاثة من اللاعبين في الحرب، وفقد اثنان أرجلهم، وأصيب اثنان في أيديهم.

لم يقتصر الأمر على آلاف القتلى والمصابين ومعهم آلاف من الأحلام المفقودة، بل طالت الخسائر كل شيء؛ فأغلقت جامعة أسمرة الوحيدة عام 2003 بعد أن اصطدم طلابها مع الحكومة لأفكارهم المعارضة، وتم إنشاء كليات في أقاليم متفرقة، كان ذلك هو نفس العام الذي ولد فيه إدريس.

الهروب

صورة 1

في الصحراء كانت الناس تبحث عن الطعام وأنا أفكر في الكرة!

في ظهيرة ذلك السبت، أغسطس عام 2014، صار إدريس "غريبًا".

عندما أدرك إدريس ظروف بلده، وأن عمره وفقا لقواعد كرة القدم ليس صغيرًا، قرر الهرب دون انتظار موافقة أهله.

كان وقتها بالصف الخامس، واعتاد اللعب كل سبت مع أصدقائه في ساحة المدرسة، حتى تناقشوا ذات يوم في إمكانية سفرهم إلى الخارج عبر إثيوبيا ليحقق كل منهم ما يريده، فتواصلوا مع آخرين أكبر منهم سنًا ليعرفوا ما عليهم فعله.

اتفقوا على خطتهم التي تبدأ من أن يجمع كل شخص ما يستطيع من أموال، فلم يكن أمام إدريس إلا طريقة واحدة يجيدها.

لعب إدريس مباراة على 300 ناكفا، سيحصل عليها إذا فاز فريقه، وقد حصل عليها؛ اشترى بها خبزا، مانجو، ومياها غازية، وضعها في حقيبته مع ملابسه وكرته المصنوعة من القماش، وتحرك يوم السبت نحو الحدود الإثيوبية مع أصدقائه سيرًا على أقدامهم لعدم وجود المال الكافي لتأجير سيارة. واستمرت رحلته بين الأشجار الكثيفة والجبال دون دليل أو مرشد لـ5 أيام، ضلوا فيها طريقهم ونفد طعامهم في اليوم الثاني.

صورة 5

أخيرًا وصل الرفاق وهم منهكون تمامًا إلى الحدود. هناك أخذهم الجيش الإثيوبي في سيارة حتى حانت لحظة فراقهم: إدريس إلى معسكر اللاجئين، والباقون إلى أديس أبابا ليذهبوا منها إلى أوروبا، وهي الرحلة التي لم يستطع إدريس تحمل نفقاتها.

في المعسكر: سُجل اسم إدريس، حصل على "كارت للطعام"، مرت أيام يرى فيها وجوهًا كثيرة، يعيش في اللحظة الواحدة لحظات عدة، يصون تفاصيل لا تهم المحيطين به، الذين يحتقره ويضربه بعضهم، ويتعاطف معه البعض الآخر.

صورة 2

لكن مع الوقت استطاع بلعبه بالكرة القماش التي كانت برفقته طوال الرحلة أن يتعرف على أصدقاء إثيوبيين أرادوا أن ينضم إليهم، أخذوه إلى منطقة تسمى "الشيرة"، كانوا يعطونه الطعام والشراب ويلعب معهم في النهار على أن يعود إلى المعسكر مساءً.

صورة 10

قضى إدريس ثمانية أشهر على هذه الحال، لم يذق فيها النوم جيدًا لتفكيره في عمره الذي يمر، حتى جاء يوم واتخذ قراره.

إذ اتفق مع سماسرة كانوا يترددون على المعسكر أن يهربوه إلى السودان، لكنه لم يملك الـ1500 دولار التي طلبوها، لذلك عقدوا معه اتفاقًا: "أنت صغير فإذا نجحت في أن تأتي بثلاثة أشخاص معك سيدفعون؛ فسوف تأتي دون مقابل".

نجح إدريس بالفعل في أن يأتي بثلاثة أشخاص إريتريين، استقلوا جميعهم السيارة مع السماسرة متجهين نحو السودان، أجر خمسة أشخاص بيتًا وأخذوا إدريس معهم، بل ووجدوا له عملا في حمل الحديد بأحد مواقع الإنشاء، الذي لم يدم به سوى ثلاثة أسابيع بعد أن كشفت كاميرا المراقبة ما كان يفعله.

رأت مديرة الموقع إدريس من خلال كاميرا المراقبة وهو يلعب بالكرة التي اشتراها من يوميته في مكان العمل، فطردته على الفور، وبقي بعدها بلا عمل.

خصص وقته لطرق أبواب الأندية الرياضية للتدريب والتقديم للاختبارات، لكن كان رد جميعها واحدًا بطريقة مباشرة وغير مباشرة: "أنت غير سوداني، عليك أن تدفع لتستطيع الدخول".

في هذا الوقت، كان أكرم إسماعيل في السودان أيضًا، وقد هرب بطريقة غير شرعية مثل إدريس بعد أن انتهت فترة تجنيده بإريتريا. عمل مع إحدى المنظمات التي تساعد اللاجئين، وقضى سنواته (2009 –2016) يخشى كل لحظة يمكن أن يرحلوه فيها إلى إريتريا، فلم يجلس في معسكر اللاجئين أبدًا، وظل يتعامل في الشارع كأنه سوداني ويتحدث العربية.

لذلك لم يلتقِ أكرم بإدريس في السودان، الذي ضاع فيها أمل الفتى مجددًا بعد ثلاثة أشهر قضاها هناك، ليجد نفسه أمام قرار جديد ربما يكون الأخير.

في مصر

صورة 11

الشباب هنا في أرض اللواء التي سكنتها يضربونني دائمًا ويزعجونني دون سبب، يمكن أن يأخذوا التليفون، يسبونني، وعندما أذهب إلى مركز الشباب وأختلف مع أحد المصريين فيؤيده الباقون ويقولون لي إنني مخطئ، وإذا حجزت لألعب 3 ساعات يعطونني مثلا ساعة واحدة!

جاء إدريس إلى مصر استرضاءً لحلمه في منتصف 2015 بالطريقة نفسها التي ذهب بها إلى السودان؛ دخل أسوان ومنها إلى منطقة أرض اللواء بالجيزة، التي كان الإريتريون القادمون معه يعرفونها كإحدى المناطق الملائمة لهم ويسكنها كثيرون من السودانيين والصوماليين.

في أرض اللواء؛ لم يستطع إدريس لعب الكرة في الشارع صباحًا بسبب الزحام ومضايقات البعض، فينتظر الثانية صباحًا، كل يوم ليمارس هوايته المعتادة. أيام وبدأ يسأل عن أندية حتى دله أحد الأشخاص بالمنطقة على موقع نادي النصر.

ذهب بحسب الوصف ونجح في الاختبار بالمرحلة الأولى، فطلبوا منه أن يأتي مرة أخرى بل وأعطوه أموالا للمواصلات، لكنه لم يأت ثانية: "كنت سعيدا جدًا، لكن عندما عدت إلى البيت أنفقت أموال المواصلات، وفقدت الورقة والعنوان، ولم أستطع أن أتواصل جيدا بالعربية لأذهب مرة أخرى".

وإذا بفرصة ثانية أمامه، هذه المرة بأكاديمية في أكتوبر، التي تدرب بها ثلاثة أشهر، اختاره بعدها مدرب فرنسي ضمن أربعة أشخاص سيستمرون، لكنها ضاعت أيضًا مثل السابقة، لطلبهم أوراقه الرسمية، وهي ليست معه كما ليس بإمكانه أن يحصل عليها من أسرته بعدما علم بوفاة والده ووالدته بعد هروبه.

يبكي إدريس حين يذكر هذا السبب الذي حال بينه وبين هذه الفرصة. تزداد حدة مشاعره حين يتحدث عن أن آخر تواصل مع أسرته المكونة من إخوته، هي مكالمة هاتفية منذ 7 أشهر.

تكلفة الدقيقة الواحدة لمكالمة إخوته "5 جنيهات"، فلم يستطع دفعها، لكن السبب الأقوى هو أنه لا يريد أن يهاتفهم: "حديثي معهم يحزنني كثيرًا، لم أستطع النوم بعدها، يحكون لي عن أوضاعهم السيئة وأنهم سيتركون المدارس، ويحتاجون مني أن أنسى الكرة وأعمل وأرسل لهم أموالا!".

عندما تأتي أموال لإدريس كمساعدة من جمعية أو منظمة معنية بشؤون اللاجئين، فلا ينفقها على الطعام، الذي يعتمد في توفيره على رفاقه الإريتريين المقيمين معه في الشقة، إنما على مواصلات يذهب بها إلى أندية أو ليصنع "تي شيرتات" لنادي دورتموند الألماني، وانتر ميلان الإيطالي عليه اسمه عند أحد المحال بمنطقة عين شمس، لذلك قد يلعب كثيرًا وهو جائع.

صورة 7

في 3 مايو الماضي، نظمت جمعية "Save the children" بمنطقة أرض اللواء، بالجيزة بطولة شارك فيها أطفال من "السودان، اليمن، الصومال، إريتريا"، وسجل أصدقاء إدريس اسمه دون علمه، شارك وفاز فريقه "ستار" الذي يضم إريتريون بالبطولة، في حين أن منتخب بلدهم الحقيقي لم يفز بأي بطولة سابقة.

تابع أحد مسؤولي نادي الجونة إدريس في هذه البطولة، وأعجب بأدائه، وبدأ الفتي الإريتري مؤخرًا معايشة ثلاثة أسابيع بالنادي (تحت الاختبار).

صورة 8صورة 9

يحتاج إدريس أن يتحدث بالتجرينية ليروي قصته جيدًا، لذلك وفرت له هذه الجمعية مترجمًا إريتريًا، كان هذا المترجم هو أكرم إسماعيل، الذي ما زالت الشظايا التي تلقاها في ساقه ومنعته من استكمال طريقه لاعبًا تترك أثرًا، وكأنها شاهد على ما فعلته الحرب بهم، وما كانت لتفعله بمن لم يهربوا.

صورة 12

أكرم يبلغ من العمر الآن 35 عاما، وجاء إلى مصر من السودان منذ عامين ونصف العام؛ ليعمل مترجمًا: "أول مرة أتقابل مع إدريس، لكن شعرت كأنني أرى نفسي فيه.. لو لم يهرب من إريتريا لصار مثلي وضاع حلم الكرة للأبد".

يقول إدريس إنه لم ينم من شدة سعادته بأن نادي الجونة سيعطيه فرصة، لكن في نفس الوقت يساوره القلق وقد يصل إلى البكاء حين يتذكر أن فرصته ربما تضيع مثل سابقيها بسبب فقدانه لأوراقه وأنه لا يحمل الجنسية المصرية. يعيد هذا إلى ذهنه مشاهد متفرقة لوطنه وعائلته، تستعصي ذاكرته على تنسيقها، لكن في النهاية لا يمكنه نسيانها أبدًا، فهي التي قادته إلى هذه النقطة، إلى الطريق الشاق، إلى الهروب والجنون الذي ربما يأتي النجاح منه يومًا ما.

تابعت كل مباريات بطولة أفريقيا، أحلم أن أشارك بها في يوم، لكن ليس مع المنتخب الإريتري إنما مع أي بلد يساعدني في تحقيق حلمي

إعلان

إعلان