إعلان

دراما الحروف.. ما وراء تصميم أسماء مسلسلات رمضان على البوسترات

كتب : مارينا ميلاد

04:23 م 19/02/2026 تعديل في 04:32 م

بوسترات مسلسلات رمضان

تابعنا على

يجفُّ الحبرُ من على صفحته بعد أن خَطَّ الحرفَ الأخير الذي يمدُّه طويلاً، فيظهر عنوان المسلسل بحروف بيضاء متدفقة ومتشابكة: "علي كلاي". ثم يخرج هذا الرسم على البوستر الدعائي خلال شهر رمضان، وفي خلفيته يظهر البطل داخل حلبة ملاكمة، مرتديًا قفازات القتال، بجسد مشدود مثل هذا الحرف الأخير؛ لينبئ بالصراعات التي سيخوضها.

لثوانٍ تخيلْ أن ترى بوسترات مسلسلات رمضان دون عنوان؟ ستكون مجرد صورة لنجوم العمل، فتلك الكلمة أو الكلمات القليلة التي تتشكل بطريقة ما لتتصدر "الأفيش" في الشوارع أو على المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، هي التي تدلنا على العمل، تعطيه اسمه وهويته، والأكثر تعقيدًا أن تحمل حروفه شخصيته، معناه، وربما روحه.

قبل أسابيع من بداية شهر رمضان، يتلقى محمد عباس (36 سنة) عدة اتصالات معتادة من شركات الإنتاج ليشترك في دراما رمضان هذا العام كأحد نجومها المتوارين في الظل، لا أمام الكاميرا ولا وراءها، إنما سيكون حضوره من خلال "الكاليجرافي" أو فن الكتابة بالخط العربي، ليكتب ويصمم شعار واسم المسلسل على البوستر الرسمي.

أكثر من 60 عملاً ما بين أفلام، مسلسلات، وأغنيات، صنع "محمد" أسماءها منذ بداية احترافه هذا المجال عام 2016، مما جعلته اسمًا مطلوبًا من جانبهم.. أرسلوا له ملخصات المسلسلات، عَرف قصتها ورسالتها جيدًا، ليفكر في الخطوة التالية والأهم: كيف سيعكس كل ما قرأه على الاسم المكتوب في كلمة أو كلمتين؟

كيف سيكتب اسم مسلسل "رأس الأفعى"، المستوحى من أحداث حقيقية، تكشف دور الأجهزة الأمنية في تعقب عناصر جماعة الإخوان الإرهابية وشخصية محمود عزت، أحد أخطر وأبرز قياداتها؟ الأمر أشبه بحياكة ثوب بدقة أو الطهي بمقادير محسوبة بعناية.. رَسم اسكتشاته، واحدًا تلو الآخر، حتى وصل للتصميم الأخير الذي يرضيه: سيترك الحروف تنساب قليلاً، لن تكون ناعمة تمامًا، تلمح بوجود شيء مستتر، غير واضح، حتى يأتي الحرف الأخير (ي) ليفصح عن كل شيء، فسحبه كما ترفع الأفعى رأسها لتلدغ.

المعنى الذي أراده "محمد": "أن تأخذنا الكلمتان إلى فكرة المسلسل وحكايته، حيث تلك الجماعة التي تسترت وراء الدين ثم انكشفت نواياها في نهاية الأمر"، كما يحكي لـ"مصراوي".

أما في مسلسل "المتر سمير"، الكوميدي الذي يدور حول شخصية محامي أسرة، فعلى ما يبدو، كان تخيل شكل اسمه أسرع: خط رقعة يشبه الموجود على اللافتة المكتبية التي يدون عليها اسم الشخص الجالس وراءها. بينما مسلسل "فرصة أخيرة"، فلا بد –في رأيه– أن يكون خطاً "كوفياً" حاداً وصريحاً، يُشعر بالتهديد.

ولأن مسلسل "توابع" تم تصميم بوستره من الأساس ليكون صورة وعكسها، يُظهر أبطاله معكوسين بالاتجاه الآخر، فألزمه ذلك أن يضع الاسم مماثلاً.. اختاره بخطٍ أقرب للنسخ، مشدودًا، يتماشى مع التصميم؛ فتخدم كل هذه العناصر دراما المسلسل التي تدور حول "إنفلونسر" يتشابك ماضيها مع حاضرها وصورتها العامة، وتتصاعد الصراعات بين ما تظهره للجمهور وما تخفيه.

في غضون ثلاثة أيام إلى عشرة أيام، حدد "محمد" ملامح أسماء هذه المسلسلات باستخدام الخط العربي الحر الذي يميل إليه، فهو -كما يقول عنه- "لا تقيده قواعد مثل الكلاسيكي"، فيمكن أن يأخذه ويذهب به إلى مساحات مختلفة كـ"الرقعة" أو "الكوفي" أو "الفارسي" كما فعل بمسلسل "الحشاشين" رمضان الماضي.

أنواع وأشكال هذه الخطوط أدركها "محمد" مبكرًا من والده الذي قربه منها في الكتب. استهواه الأمر رغم دراسته التجارة، فتابع "الأفيشات" السينمائية القديمة، واتخذ خضير البورسعيدي، الملقب بشيخ الخطاطين المصريين، ملهماً. وللأسف لم يعرف أسماء كثيرين من زمن "خضير"، فيقول: "هذه المهنة لم يكن يُسلط عليها الضوء".

ذَهب هذا الجيل في المهنة وحل جيل آخر مع ظهور الكمبيوتر، لاحظ "محمد" معه "أن غالبية العناوين تتشابه حتى عام 2007 وما بعده"، فانكسر خط التقليدية، وصولاً إلى اليوم الذي صار هناك مكانٌ له ولزملائه.

لكنه يريد أن يسبق بخطوات في هذا العمل.. يستخدم أدوات جديدة وغريبة، غير القلم الرصاص والحبر وقلم الـ iPad، تلك أسراره التي لا يفصح عنها باستثناء أنه يشتري أحياناً أوراق لوحات أو "ورق لحمة" ليرسم عليه ويعطيه تأثيراً ما، قد يكون هو المطلوب.

ربما لم يعد تطويره خياراً مع اقتحام الذكاء الاصطناعي لسوقهم، ذلك المنافس البليد الذي ينقل ويقلد، لا يخترع، ويلعب على أنه الأوفر والأسرع أداءً. يقول "محمد" إنه "لا يخشاه"، ويكمل: "لن يكون قادرًا على ابتكار شيء أو على وضع إحساس وروح، كما نفعل نحن". ثم يضرب مثالاً بفيلم "برشامة"، من بطولة الفنان هشام ماجد، والمنتظر عرضه خلال عيد الفطر: "سيفهم معناها الدواء، وليس الغشاش، لقد رسمتها بعلامات صح وغلط، بخط عادي يحاكي قصة الفيلم وبطله".

وبعد أن ينهي "محمد" تصميمه ورسمه، ما لم يتدخل المخرج أو شركة الإنتاج باقتراح لتصور بعينه، يحولها في النهاية إلى صيغة رقمية توضيحية، لتصبح جاهزة للوضع على البوستر.

مع الوقت، يمكن أن يُنسى هذا البوستر –كما يرى "محمد"– لكن شكل كلمات عنوان العمل هي ما تبقى، وهو تمامًا ما يريده "محمد"؛ أن تعيش كلماته وتنسيقه لها مثل اسم برنامج "العلم والإيمان" أو مسلسل "الضوء الشارد"، اللذين نتذكرهما حتى الآن.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان