«القرية عزمت نفسها».. حكاية إفطار جماعي بدمياط أبطاله «ولاد البلد»

06:45 م السبت 25 مايو 2019

كتب وتصوير- عبدالله عويس:

قطعتا لحم وكفتة، وأرز، وسلطة، ومخلل، وخبز، وعصير وطبق حلويات، وكوب شاي.. وجبة إفطار متكاملة، ضمن 1650 وجبة، لا فضل فيها لأحد بعينه، وإنما هي نتاج تضافر مجهود ودعم قرية بأكملها، قرر أهلها تنظيم إفطار جماعي في رمضان، يجمع الصغار والكبار، كل بحسب ما يملك من مال أو جهد.

1

قبل أسبوعين من رمضان، جلس حمدي وهدان مع 30 رجلًا من أبناء قريته، السعيدية القبلية، بمحافظة دمياط، بعد وجبة غداء دسمة، ثم فاتحهم في الفكرة التي كانت تراوده حين يطالع مشاهد الإفطار الجماعي في كثير من الأماكن، ليجد قبولًا كبيرًا وترحيبًا واسعًا بالفكرة، ويخرج من تلك الجلسة بـ16 ألف جنيه هي نواة ذلك العمل: «قلت لنفسي إن لو في خلاف بين اتنين وأكلوا على مكان واحد نص مشاكلهم هتتحل، وإن ده شكل من محبة الجار، وإن يبقى قلبنا على بعض في الحلوة والمرة»، قالها حمدي الذي أتم دراسة الشريعة والقانون في جامعة الأزهر، ويشارك مع شباب آخرين في أعمال خيرية بقريته: «في القعدة دي طلعت بـ16 ألف جنيه، وبعد كده وصلنا لـ39 ألفًا، غير بقى لما كل حد قال أنا هجيب حاجة سواء كبيرة أو بسيطة».

2

كانت مشاهد إفطار عزبة حمادة بالمطرية دافعا لحماس الشاب، فالحميمية التي كانت تظهر من الصور المنتشرة للحدث، ومظاهر التعاون والمحبة، رأى أن أهل قريته أولى بها: «فكانت دافعًا كبيرًا لأدعو للإفطار ده، وعملناها مرة زمان من 7 سنين بس كانت بسيطة ومحدودة».

3

رغب الكثير من أبناء القرية في التبرع، وقرر حمدي أن يتولى واحد منهم كل ما يتعلق بالمسائل المالية، فكان اختياره للسيد الشحات ومحمد السلوم: «وساعتها قلنا لازم الموضوع يبقى منظم، فأستاذ أحمد عبدالشافي، أحد سكان القرية، جاب سترة صفراء وبطاقات تعريف، للناس اللي هتتولى التنظيم من الشباب».

4

لجنة الدعوات الداخلية والخارجية، ولجنة النظام والإشراف على المائدة، ولجنة الفرز والتجهيز، ولجنة إرسال الوجبات.. لجان اختارها أهل القرية لتنظيم الإفطار وفعالياته: «هدفنا نفطر أكبر عدد ممكن من أهالي القرية، ونودي وجبات لبيوت الناس اللي ممكن متحضرش، والشباب دول هيقدروا ينظموا كل ده».

5

39700 جنيه، قيمة ما جمعه الـ3 رجال من تبرعات، ذهب قرابة نصفها في شراء عجل، وصل وزن لحمه 265 كيلو: «ده صافي اللحم، واشترينا كمان لحوم للكفتة، غير الأطباق والأكواب وبقية التجهيزات»، يحكي السيد، بينما كان يعاون أحد الشباب في رفع صينية وضعت عليها أطباق عدة ممتلئة بالطعام: «فيه ناس كانت بتجيب 50 جنيه، وفيه اللي كان بيجيب 1000، كل واحد وقدرته، واللي مقدرش يدفع جاب حاجة من بيته».

6

كان المستهدف في البداية 1000 وجبة للمائدة، وتوزيع 100 وجبة على بعض المنازل، لكن الوجبات تخطت ذلك العدد، فوصلت إلى 1400، بينما تم تجهيز 250 لإرسالها لبعض المنازل: «عشان لو حد مقدرش ييجي إحنا نبعتله، وجبنا شيف بصنايعيته عشان منتعبش حد في عمايل الأكل».

7

من ميكروفونات المسجد الكبير بالقرية، كان النداء مستمرا بضرورة الحضور لذلك الإفطار، وخصص محمد سلوم عربته لتجوب القرية كلها، تدعو الناس للإفطار: «كل ما أتمناه إنه اللي عملناه النهارده يستمر بعد كده والأجيال الصغيرة تكمله».

8

على عربة نصف نقل كان رجب النبراوي ينادي على الناس عبر مكبرات الصوت، يخبرهم بالحضور إلى ذلك الاحتفال، ويعمل الرجل في مجال الفراشة، وقدم بعض ما في مخزنه بالمجان لذلك اليوم، وكذلك فوزي الشربيني، الذي أخرج العروق الخشبية اللازمة لنصب اللافتات والأقمشة الخاصة بالمائدة، التي امتدت لأمتار.

9

أكبر 3 نجارين في القرية وصلوا صباح الجمعة الـ19 من رمضان، إلى محل المائدة، الواقعة في محيط المسجد الكبير، ونصبوا المائدة، بعدما تم تقسيم مساحتها عليهم، ولم يأخذ أحد منهم أي مقابل سواء له أو للصنايعية الذين يعملون معه: «رمضان عبدالجواد، والسيد المتولي، وأنا السيد رمان، كل واحد اشتغل بعدته وبصنايعيته، وعملنا المائدة».. يحكي الرجل بينما كان ينقل ألواحا خشبية، وإلى جواره يقطع عمرو عواد وعبده رضا الخشب إلى أجزاء تناسب حجم المائدة، وكان السيد الصباحي، يتولى التركيب: «طالما مدفعتش فلوس يبقى أقدم خدمة».

10

صباح يوم الإفطار، كان العمل حول المائدة كخلية نحل، يتصبب الشباب عرقا من حرارة الشمس، ويسرع الصبية إلى نقل بعض الاحتياجات الخفيفة. يصل موتوسيكل محمل بالثلج، اشتراه أحدهم وأعطاه للطهاة مجانا، ويقف عجوز يبيع الخضار لمنح معدي السلطة العشرات من الأربطة التي معه مجانا، وتصل سيدة تحمل كيسا فيه 7 كيلو جرامات سكر، ويمنحهم آخر علب عصير مجانا، بينما كان زكي السيد، 43 عاما، يقف في مطبخ منزله، يعد مشروب الكركديه بكميات كبيرة ليكون جاهزا لحظة الإفطار: «عملت كمية كبيرة، وفي العادي بجهز كمية لـ70 واحد مثلا يفطروا عليها في الجامع، بس النهارده الكلام مختلف، وحبيت أشارك في الخير بمقدرتي».. يحكي الرجل، بينما يصب الماء فوق الكركديه المركز، ويضع فيه الثلج، قبل أن ينزل إلى الشارع حاملا أوعيته لصبها في الأكواب البلاستيكية، التي ستوزع فيما بعد بطول المائدة، جنبا إلى جنب مع زجاجات المياه المعدنية: «الواحد بيعمل الحاجة دي بحب، عشان طالعة لناسه، وعارف إن الخير هيتردله أضعاف أضعاف حتى لو كان بسيط».

1112

أحد محال الحلويات في القرية، جهز 8 صوانٍ مجانا للإفطار، وتولت عربة المحل نقلها، بينما وقف الشباب حولها، لتقطيعها ورصها في الأطباق قبل تغليفها سريعا، وأثناء ذلك وصلت سيارة أخرى فيها 6 صوانٍ، وكان محمد الهريجي، صاحب المحل، يتولى بنفسه التقطيع:

«طالما حاجة خير يبقى أشارك، وبعدين دول ولاد بلدي، لو مش هعمل كده معاهم هعمل مع مين؟».

13

خلف مكان تقطيع الحلويات ورصها، كان محمود عبدالحي وعبدالمقصود السعيد يتوليان مهمة إعداد الخبز، وقدم الشابان من كفر الشيخ لتجهيز الخبز، ولدى علمهما بأنه سيقدم لمائدة إفطار خصما من مستحقاتهما المالية: «عشان لله مش أكتر». يقف إلى جوارهما معاذ أسامة، 14 عاما، وبيده فرشاة وعلبة زبدة، يمر على وجه كل رغيف خبز يخرج من الفرن بالفرشاة تلك، كما أخبره الخبازون، ورغم الحرارة المرتفعة، فإن الصغير رفض تماما الخروج من محيط الفرن: «لو الكبار مشاركين فإحنا كمان لازم نشارك».

14إسراء السيد، وريماس محمد، وحنان السيد، ومنى محمد.. 4 فتيات أكبرهن لم تتخط الـ12 عاما، وقفن لنفخ البلالين وربطها في أحبال قبل أن يتم تزيين المائدة بها، وترى إسراء أنها بذلك التصرف البسيط، تسهم في تجهيز المائدة: «معانا 75 بالونة كبيرة، ونفخها مش سهل، وحتى لو ده حاجة صغيرة بس حبيت أشارك». يمر إكرامي وهدان من أمامهن، فيلقي عليهن السلام ويشجعهن، ثم ينصرف الرجل إلى كومة كبيرة من السكر والشاي، جهزها لهذا اليوم: «مجهز شاي وسكر يكفو فوق الـ1000 نفر، ولو الناس احتاجت تاني هجيب، وأنا اللي هقف على الشاي واللي عايز يجيله لحد مكانه».

15

قبل نصف ساعة من المغرب، كان الشباب يهرولون في كل اتجاه، يحملون الصواني، والأطباق، وعلب العصائر، ينادي بعضهم بعضًا، إذا ما احتاج أحدهم يد المساعدة، وكان محمد جمال وأحمد الدمياطي اللذان يسكنان إلى جوار بعضهما، يوزعان الوجبات بكلمات من شأنها إضحاك الجالسين: «عشان إحنا وسط ناسنا، فميبقاش بنعمل حاجة وإحنا مضغوطين يعني» قالها محمد، بينما كان آخرون يعيدون تنظيم الطعام على المائدة.

16

مكان مخصص للأطفال، يشرف عليه كبار في السن، سواء بتوزيع الوجبات، أو بتقديم كل ما يحتاج إليه الصغار. ويأمل حمدي وهدان أن يظل ذلك الحدث عالقا في أذهان هؤلاء الأطفال حتى يكبروا في السن، ويقوموا بالتصرف ذاته.

17

وعقب الإفطار قام مجموعة من الشباب بحمل المخلفات في أجولة، دون أن يطلب منهم أحد ذلك: «المشهد كان يفرح بالنسبة ليا، لما الناس كلها اتلمت وقعدت مع بعض بمحبة» قالها وهدان السعيد شقيق حمدي. يقاطعه حمدي: «كان في اتنين متخانقين بقالهم 12 سنة مقاطعين بعض، والنهارده اتصالحوا وباسوا راس بعض، وده بالنسبالي كافي أوي».

191820

إعلان

إعلان