• "جئت لأجله وسأبقى هنا لأتذكره".. حكاية حب على مسرح الأوبرا

    01:04 م الخميس 14 فبراير 2019
    "جئت لأجله وسأبقى هنا لأتذكره".. حكاية حب على مسرح الأوبرا

    إيرمينيا تعلوها صورة زوجها في صالة باليه الأوبرا

    كتابة – تصوير: مارينا ميلاد

    يقع الضابط "دون خوسيه" في حب الفتاة الغجرية "كارمن"، بل ويترك عمله ليلحق بها، وفي النهاية تعشق مصارعة الثيران وتتركه فينتقم منها بقتلها.

    هذا ملخص لأحداث باليه "كارمن" المأخوذ عن رواية الفرنسي بروسبير ميريميه، والذي عُرِضَ للمرة الأولى على مسرح أوبرا باريس. ورغم قساوة نهايته خاصة إذا كان الراقصان المؤديان لدوري الضابط والفتاة هما حبيبان بالفعل خارج الرواية، إلا أن "إيرمينيا" تعتبره الأقرب إليها من بين العروض التي قدمتها.

    إيرمينيا هى راقصة الباليه الإيطالية التي أدت دور كارمن مع زوجها عبدالمنعم كامل، الذي أصبح فيما بعد رئيسًا لدار الأوبرا المصرية، وكان ذلك على مسرح الجمهورية عام 1985.

    51842351_2598778210138421_8199051581191094272_n

    قبل هذا العرض بسنوات قليلة، اتخذت إيرمينيا قرارات صعبة على فتاة في تلك السن المبكرة: أن تفسخ خطوبتها من أحد الإيطاليين، تترك عملها في فرقة باليه مسرح لاسكالا أشهر المسارح الإيطالية بعد أن ذاع صيتها فيه، وتهجر عائلتها وأصدقاءها، لتذهب مع كامل أو "مايك" – حسبما كانت تناديه – إلى مصر وتتزوجه: "وجدته ليس سعيدًا في إيطاليا، وشعرت بأنه إذا رفضت الذهاب معه فلن نكمل سويًا، لم أفكر مرتين واتخذت قراري لأنني كنت أحبه كثيرًا".

    جاء "مايك" إلى فرقة مسرح لاسكالا عام 1980 واستمر هناك عامين ليزيد من خبرته في الباليه، لكنه لم يكن يعرف أن هذا المسرح لن يعود عليه بالخبرة فقط كباقي مسارح العالم التي زارها ودرس فيها، لم يعلم أنه سيقابل إيرمينيا فرانكو، تلك الفتاة الشقراء المولودة في ميلانو ودرست 8 سنوات في أكاديمية هذا المسرح ثم التحقت بفرقة الباليه الخاصة به لمدة 11 سنة.

    رقص معها، كلاهما "سوليست-Soloist" (راقص منفرد)، بدأت تراه بشكل آخر، كذلك هو؛ فوجد قلبه يحلق مع جسدها أثناء راقصاتهما، لكنه كان متزوج ولديه ابنه، فقرر أن يعود إلى مصر في إجازة أسبوعين لينفصل عن زوجته ويعود لها حرًا.

    التقى "مايك" بوالديها، ومفاجأتهما من قرار ات ابنتهما لا زالت طازجة، لكنه نجح في كسر ها وتحويلها لشيء آخر: "أحباه وانبهرا به، قالا لي بعد انتهاء لقاءهما معه إنه برنس، ذكي، ليس شخصًا عاديًا، وتركا لي حرية اختيار حياتي معه".

    لم يكن سهلا على إيرمينيا التكيف مع طبيعة الحياة في مصر ، كانت خائفة واحتاجت لأجل ذلك عامًا كاملًا: "لم أكن أعرف هنا إلا زوجي". كما أن "مايك" لم يحدثها العربية إنما الإنجليزية، لذلك تقول إنها حتى الآن تتعلم كل يوم كلمة مصرية جديدة. لكن مع الوقت صار لديها أصدقاء من نادي الجزيرة، وهي أحد أعضاؤه، إلى جانب جيرانها في جاردن سيتي، التي ترفض تركها والانتقال إلى المناطق الجديدة البعيدة، لاعتيادها على البقاء قريبة من زحام وضوضاء وسط القاهرة.

    شقت إيرمينيا طريقها في القاهرة سريعًا بمساعدة زوجها، حيث بدأت عملها كمدربة باليه في أكاديمية الفنون، وقدمت عروضًا معه على مسرحي سيد درويش بالأكاديمية والجمهورية، فلم يكن لدينا دار أوبرا وقتها لاحتراق أوبرا القاهرة الخديوية عام 71، ثم انتقلا رفقة عروضهما إلى الأوبرا الحالية بعد افتتاحها عام 1988، واشتركا معًا في تصميم رقصات: بالية النيل، أورينتال ستيب، أوزوريس: "لولاه ما فعلت شيئًا هنا، كنت الأجنبية الوحيدة وقتها في الأكاديمية".

    51670520_2009669476000897_887728710260621312_n

    كانت إرمينيا تنسى أثناء البروفات أن عبدالمنعم كامل هو زوجها إنما مدير فرقة الباليه وراقص الفرقة الرئيسي "بريمير - Premier" فقط، مثلما يفعل هو؛ ويعاملها كراقصة الفرقة الرئيسية، بل يصل الأمر بينهما إلى الشجار الذي يفرضه ضغط العمل لرغبة كل منهما في ظهور العرض بأفضل شكل ممكن، لكن فور خروجهما على المسرح وفتح الستار، ينسيا كل ما كان خلفه: "عندما ترقص مع شخص تحبه فعلًا لابد أن يشعر الجمهور بقصة الحب الحقيقية".

    شخصية كامل التي ظهرت في جديته أثناء عمله وتحوله بعدها في لحظة، هى تمامًا الصورة التي تعلقت في ذهن إيرمينيا عنه حتى اللحظة: الرجل الصارم في عمله والحبيب المختلف في بيته، وكلا الوجهان اعتادت عليهما واحببتهما.

    51748850_291104884902042_4397306831836282880_n

    في تلك الفترة -وهي سنواتها الأولى في مصر -لم يسمح وقت إيرمينيا بالذهاب إلى إيطاليا لزيارة والديها وأختها الوحيدة "ليزا" إلا مرة واحدة كل عام، خاصة بعدما أنجبت ابنها الوحيد "كريم" الذي اخذت اسمه من اسم "البرنس كريم"، الشخصية التي قرأت عنها ذات مرة في قصة ما ولا تتذكرها حالياً، لكن ما تتذكره أنها أُعجبت به كثيرًا وقررت أنه إذا جاءها ولدًا سيكون هذا اسمه.

    لم تتردد إرمينيا في قرار الإنجاب للحفاظ على قوامها كـ"باليرينا" مثل ما هو معروف، لكنها على العكس أرادت ذلك بشدة، وعادت إلى وزنها الطبيعي بعد فترة قصيرة، لتكون حاضرة على المسرح بعد شهرين فقط: "كنت أنهي البروفات وأنصرف إلى البيت سريعًا ليأكل كريم".

    كريم، الذي أخذ نفس ملامح والده، يبلغ من العمر 30 عام، أنهى دراسته لعلوم الكومبيوتر في إيطاليا، وعاد إلى مصر ليعمل في هذا المجال، ويعيش مع والدته في البيت حتى لا يتركها وحيدة بعد وفاة والده قبل 6 سنوات.

    52327080_389308011900559_8161288008226570240_n

    الآن، لم يصبح في حياة إيرمينيا إلا ابنها وعملها كمدير فني لفرقة باليه أوبرا القاهرة، وهو المنصب الذي تركه لها زوجها منذ سنوات طويلة بعد أن ترقى هو في عمله بالأوبرا حتى أصبح رئيسها.

    في بيتها الكلاسيكي الهادئ؛ تصنع على موسيقى الأوبرا قهوتها الإيطالية صباحًا ثم تأتي لتجلس بها على الأريكة بصالة بيتها المليئة بالمرايا التي تشير إلى أنها لم تكن من البداية صالة للجلوس إنما صالة باليه كانت تتدرب فيها على الرقص حتى 2007 وهو تاريخ آخر راقصاتها. ربما تسحب في طريقها كتابًا من المكتبة المكتظة بكتب الباليه مختلفة اللغات وتظل تقرأ فيه لوقت طويل إن لم يكن لديها بروفه، وهذا لم يحدث كثيرًا، ففي أغلب الوقت يكون هناك عمل وبروفات مستمرة بقاعة "عبدالمنعم كامل"، المعلق في منتصفها صورته وهو يقوم بإحدى رقصاته:

    51943309_324001998460520_8882776375753179136_n

    | "فكرت في العودة إلى إيطاليا بعد وفاته لكنني تراجعت. فكلما ذهبت إلى هذه الصالة التي أُدرب فيها فرق الباليه أتذكره حين كان أستاذًا وأنا تلميذة بنفس المكان. فأرى إنني جئت إلى هنا لأجل هذا الحب وسأبقى حتى أظل اتذكره".

    إعلان

    إعلان

    إعلان