65 سنة تصوير.. سيرة حسن دياب مع "الريّس" عبدالناصر والخلق (بروفايل)

09:02 م الأحد 20 أكتوبر 2019

كتبت- شروق غنيم:

صور- حسن دياب:

قبل 93 عامًا، في العشرين من أكتوبر عام 1926 كانت لحظة الميلاد، جاء حسن دياب إلى الدُنيا، وبينما يكبر الصغير في منزل يحب لعبة البلياردو وأسرة تعمل في مجال أدوات الرياضة، رُسمت سيناريوهات للصغير بأن يصير بطلًا في اللعبة، خاض العديد من البطولات، حصل على الكؤوس والميدليات، لكن ثمة ميلاد آخر غيّر من دفة الأحلام؛ حينما مسك بآلة تُسمى الكاميرا وهو في الثامنة من عمره، لم يخطر على بال الصبي أن الآلة التي أسرت قلبه ستأخذه إلى عالم الصحافة، ثم يصبح المصور الرسمي لرئيس الجمهورية. سيرة بصرية طويلة لواحد من أهم المصورين الصحفيين في تاريخ مصر، لم تنقضِ رغم رحيله.

2019_10_20_20_51_47_364

"يا سلام لو السما محاوطة المئذنة"

كانت خاطرة تدق في عقل حسن دياب بينما يسير في حي الجمالية من أجل لقاء صديق، يتأمل مشهد مسجد "المؤيد"، يُملي نظره منه ويتمنى فقط لو عانقت السحاب المئذنة فيلتقط الصورة.كانت خاطرة حتى تحققت بينما يخطو الشارع في الشتاء، رأى المشهد، خفق قلبه سعادة، عاد مسرعًا إلى منزله بحي باب الخلق، أحضر كاميرته، التقط الصورة، وباتت ضمن 12 أخرى في الفيلم.

2019_10_20_20_52_41_770

منذ اللحظة التي عانقت فيها أيادي الصغير حسن الكاميرا، وأخذه التصوير من كل شئ، بات الطريق من شارع الحمزية في باب الخلق إلى المدرسة مُحببًا، صار أصدقاؤه أبطال صوره "لحد ما زهقوا مني"، فبدأت جولاته في شوارع إمبابة والجيزة، يسير أميالًا على أقدامه، يتحمّل مشقة الطريقة من أجل صورة واحدة.

لم يكن يعرف حسن إلى أين تقوده خطواته في عالم التصوير، حتى التقط صورة مسجد المؤيد، شاهدها سليم يوسف أحد المصورين المهمين بينما كان يلعب في صالة البلياردو الخاصة بعائلته، وقع في غرام الصورة، وقرر نشرها في مجلة الراديو المصري (مجلة الإذاعة والتلفزيون حاليًا)، وفي عام 1947 كُتب لأول مرة في عالم الصحافة تصوير حسن دياب، "اتبسطت وقتها إن اسمي يطلع على مجلة"-وفق ماذكره في حديث تلفزيوني- ظلت تُردد الكلمة طيلة أكثر من ستين عامًا عاش فيهم المصور الكبير من أجل التصوير.

2019_10_20_20_53_4_754

2019_10_20_20_53_5_848

"الصورة الناجحة لازم تقول كل حاجة"

عام 1948 كانت جريدة أخبار اليوم تُشكل فريقها للتصوير، وقع الاختيار على حسن دياب ليرافق المصورين أحمد يوسف ومحمد يوسف، كلما اقترب أكثر من عالم الصحافة تورّط في حبه، ولمّا كان يغطي في صالات مجلس الوزراء، سمع بالخارج "صوت زيطة كبيرة"، تحرك شغفه وخرج المصور الكبير يستطلع ما يجري "كان في ثور هايج في التحرير ودخل مجمع اللغة العربية"، التقط الصورة ووقتها اختيرت للصفحة الأولى في جورنال الأخبار "دي من الصور اللي بحبها، لإنها بتقول كل حاجة".

لم تكن صور دياب تحكي وحسب، بل تسجل مواقف، تقتنص حقًا، مثلما حدث خلال العدوان الثلاثي على مصر، حينما صعد فنار بورسعيد ليسجل الاعتداءات التي طالت المكان، في الوقت الذي كان ممنوعًا فيه دوليًا الاعتداء عليها، منحت جائزة يونسكو وأعادت حقًا لمصر.

2019_10_20_20_53_35_207

" أول لُقا.. وأول صورة لناصر"

حين قامت ثورة 23 يوليو عام 1952، ذهب دياب برفقة الصحفي الراحل مصطفى أمين لتغطية قرارت مجلس قيادة الثورة "وقتها قالي خلي بالك من ده"، أشار أمين على أحد الظباط، لم يكن يعرف المصور الكبير له اسمًا لكن ظل ملازمه، "مكنش لسة معروف واللي كان معلن إن محمد نجيب القائد"، لاحقه بعدسات كاميرته "لحد ما قالي بابتسامة مش كفاية تصوير بقى".

2019_10_20_20_53_50_988

2019_10_20_20_53_49_504

في تلك اللحظة دخل إلى المكان الرئيس الراحل محمد نجيب "لقيته بيقول للظابط يالا ناخد صورة مع بعض"، توجه نظر الظابط إلى دياب وسأله "نقف فين؟"، يسرد دياب رؤيته في التصوير "المصور الصحفي لازم يكون لمّاح، يصور بعينه المكان اللي فيه عشان متفتهوش أي حاجة" سريعًا أجابهم بالوقوف في ركن كتب عليه "الله عز وجل"، وحين رحل قرأ ثاني يوم حلقات الصحفي مصطفى أمين عن مجلس الثورة "عرفت إن ده يبقى جمال عبدالناصر".

2019_10_20_20_54_29_222

"صور من لحم ودم"

وِد ربط منذ تلك اللحظة حتى طلب منه الرئيس جمال عبدالناصر أن يكون مصوره الرسمي بالرئاسة عام 1954، كان لدياب نظرة خاصة في كل صوره للرئيس الراحل، لم يصوره قط صورة "رسمية" بل كان يخزن في أفلامه مشاعر ولحظات مهمة في حياة "الريّس".

طفل يمر مسرعًا من أمام الموكب الرئاسي في شارع الجمهورية، فيلتقط دياب لهفة الرئيس أو كما اسماها "لهفة أب" عليه، عناق الجماهير للراحل، قبلة من مُحِب، مصافحة فنان شعبي بيد واحدة، برفقة عائلته أو وحيدًا في مسجد بالجلباب، كانت كلها صورًا خارج الكادر أو "من لحم ودم، مليانة مشاعر حقيقية مش مجرد قاعد على كرسي أو في مؤتمر"، كما يصف حسام دياب، المصور الصحفي الكبير، وابن الراحل حسن دياب.

2019_10_20_20_54_45_352019_10_20_20_54_46_4722019_10_20_20_54_47_5042019_10_20_20_54_43_957

"آخر وداع وآخر صورة"

طيلة 18 عامًا رافق المصور الكبير ناصر في جولاته، في الثانية ظهرًا من الثامن والعشرين من سبتمبر 1970 ودّع "ناصر" أمير الكويت عقب قمة عربية، كان مُرهقًا من الأحداث المتلاحقة واللقاءات "قالنا بكرة نروح إسكندرية نشم هوا"، رحل دياب إلى منزله القريب من بيت الرئيس على وعد بالسفر ثاني يوم، لكنه ما إن وصل منزله "جالي تليفون تعالى عاوزينك" ذهب إلى بيت الرئيس، كانت الحركة بداخله مُريبة "لقيت دكاترة داخلين وخارجين من أوضته، فهمت وقلبي مطاوعنيش أدخل".

لم يستطع دياب حمل كاميرته والذهاب إلى الجنازة، حِمل ثقيل على القلب شعر به، يتذكر الابن حسام المشاعر التي خالطت والده "كان أبعد شخص عن السياسة، لكن ارتبط إنسانيًا بعبدالناصر، كان صعب عليه يقرب من شخص 18 سنة ويصوره وهو متشال".

2019_10_20_20_55_13_332

العودة للبراح.. التصوير

بعد رحيل عبدالناصر، تولى حسن دياب إدارة التصوير في رئاسة الجمهورية في مقرها في منشية البكري بمصر الجديدة، لكن غصة في القلب ظلت عالقة، "للي خرجه من الحالة دي إن وخلته يندمج مع الناس.. لما أختي الكبيرة خلفت"، كان للحفيد حاتم أثرًا طيبًا في نفس الجِد "وجود الطفولة في البيت خرجت بابا من حزنه، ورجع يصور من تاني".

لم يتخلَ حسن دياب عن حُبه للتصوير، عاد للعمل بأخبار اليوم، ظلت الكاميرا رفيقته حتى عام من وفاته، بات لديه رفيق جديد في خطواته، ابنه الأصغر الذي وقع في غرام نفس المهنة، جمعتهم الكاميرا ونفس أماكن التصوير "صورنا بيت جمال عبدالناصر لإنه كان هيتحول لمتحف"، وفي معرض سويًا الشهر الماضي في معرض إكسبوجر بالإمارات، في الثالث من مايو رحل حسن دياب، لكنه باقٍ بصوره التاريخية، في سيرة تتلى دائمًا على لسان الابن.

2019_10_20_20_55_30_988

إعلان

إعلان