رخصة الهدم.. تُدمر العقارات السليمة (تحقيق)

10:46 ص الجمعة 19 فبراير 2016
رخصة الهدم.. تُدمر العقارات السليمة (تحقيق)

رخصة الهدم

تحقيق- نور عبد القادر ومحمد أبو ليلة:

في منتصف الشهر الماضي استيقظ أهالي مدينة منيا القمح بمحافظة الشرقية على حادثة انهيار العقار الشهير المكون من ثمانية طوابق، والذي راح ضحيته عشرة أفراد، وقتها قال محافظ الشرقية اللواء خالد سعيد في تصريحات صحفية أن سبب الإنهيار هو وجود أعمال حفر بجوار هذا العقار المنكوب بعمق ستة أمتار من أجل بناء برج سكنى، حيث قام المقاول المسئول عن الحفر بالتعرض لأساسات العقار المجاور له بشكل غير علمي وبدون دراسة مما أدى لإنهياره.

تلك الواقعة لم تكن الوحيدة ففي نفس الشهر انهار عقار مكون من ستة طوابق على ساكنيه بمدينة دمنهور بالبحيرة، وكانت الأسباب أيضا هدم منزل مجاور عبر رافعات وجرارات ضخمة أثرت على أساسات العقار المنهار، والذي راح ضحيته مواطن في الستين من عمره، وفي محضر رسمي حمل رقم 9950 إداري قسم دمنهور لسنة 2015، اتهم أصحاب العقار المنهار مالك العقار المجاور لهم بانه السبب وراء انهيار منزلهم بسبب الطريقة البدائية التي اتبعها في هدم منزله.

6

هناك عشرات الشكاوى تُقدم من الأهالي يومياً بسبب الطرق الخاطئة في هدم العقارات، وأبرز ما لفت إنتباهنا الشكاوي التي تقدم لمحافظة الإسكندرية عبر خدمة شكاوي المواطنين التي تقدمها المحافظة – والتي اطلع مصراوي على جزء منها- كان منها شكوى من مواطن يدعى خالد عبيد ومقيم بحي باب شرق يطالب بسرعة وقف أعمال هدم غير مرخصة يقوم بها مالك العقار المجاور له حيث أدت لإنهيار جزء من عقاره والعقارات المجاورة لأنه حسبما ورد في نص الشكوى لا يوجد إشراف هندسي من الحي أو أيه إجراءات وقائية يتبعها مقاول الهدم في هذه المنطقة، مما أدت لإنهيار عدد من العقارات المجاورة.

عشرات الشكاوى تُقدم من الأهالي يومياً بسبب الطرق الخاطئة في هدم العقارات

جزء من هذه الوقائع يتم التحقيق فيها أمام النيابة العامة، وجزء أخر ليس بقليل طُويت ملفاتها ضمن أدراج عدد من مكاتب الأحياء في المحافظات، لكن من الواضح أنه هناك عامل مشترك بين كثير من العقارات التي انهارت مؤخراً، وتشابهت اغلبها في أسباب السقوط - بناء برج مجاور أو هدم عقار مجاور- بدون دراسات علمية للحالة الجغرافية لتلك المناطق.

المادة الثانية من قانون تنظيم هدم المباني الصادر سنة 2006، طالبت بمعاقبة كل من هدم كلياً أو جزئياً مبنى أو منشأة بالحبس مدة لاتقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لاتقل عن مائة ألف جنيه ولا تزيد خمسة ملايين جنيه، ونص القانون على وجوب شطب اسم المهندس أو المقاول المحكوم عليه من سجلات نقابة المهندسين أو الإتحاد المصرى لمقاولى التشييد والبناء بحسب الأحوال وذلك لمدة لاتزيد على سنتين، وفى حالة العودة يكون الشطب لمدة لاتقل عن سنتين ولا تجاوز خمس سنوات.

111 ألف قرار هدم عقارات

"السبب الرئيسي لإنهيار تلك العقارات المجاورة هو الاستعانة بمقاولين غير متخصصين فى مجال الهدم بطرق آمنة، وكذلك استعمال معدات ثقيلة شديدة الخطورة لسرعة إنجاز الهدم بأقل تكاليف دون النظر للمخاطر التى تسببها لباقى العقارات المجاورة".. حيث يؤكد ذلك رئيس مركز بحوث البناء والإسكان السابق مصطفى الدمرداش لـ مصراوي.

2

موضحاً أن ذلك يحدث دائماً بتواطؤ من مشرفى الأحياء ومهندسى التنظيم عن مراقبة ذلك رغم ورود هذه الاشتراطات بالقانون ومعظم أصحاب العقارات يحصلون على الموافقة الصورية من أى مهندس استشارى، لإنهاء أعمال تراخيص البناء والهدم فى ظل غياب تام للرقابة والمتابعة.

القرار رقم 144 لسنة 2006 فى شأن تنظيم هدم المبانى والمنشأت غير الآيلة للسقوط والحفاظ على التراث المعمارى، يحظر الترخيص بالهدم أو الإضافة للمبانى والمنشآت ذات الطراز المعمارى المتميز أو المرتبطة بالتاريخ، ولايجوز هدم ماعدا ذلك أو الشروع فى هدمه إلا بترخيص يصدر وفقا لأحكام هذا القانون.

إجمالى العقارات المخالفة وصل لـ600 ألف عقار و7 ملايين وحدة سكنية

هناك ما يقرب من 111ألف و875 قرار بهدم المباني أصدره جهاز التفتيش الفني للمتابعة على أعمال البناء على مستوى الجمهورية – حسب حديث رئيسه السابق حسن علام لـ مصراوي- ، والذي أكد أنه في محافظات القاهرة والإسكندرية والجيزة 60 ألف عقار أيل للسقوط، في القاهرة وحدها 30 ألف عقار أيل للسقوط، موضحاً أنه تم إصدار قرارات إزالة، لكنه لم يتم تنفيذ سوى خمسة آلاف قرار فقط والباقى لم يتم تنفيذه بسبب الظروف الأمنية فى الفترة الماضية.

وأشار إلى أن الأحياء والمحافظات أصدرت نحو 300 ألف قرار ترميم للعقارات الآيلة للسقوط أكثر من 80% من هذه القرارت لم تنفذ بسبب طبيعة العلاقة الإيجارية بين المالك والمستأجر، لافتا إلى أن إجمالى العقارات المخالفة وصل لـ600 ألف عقار و7 ملايين وحدة سكنية مخالفة، معرباً عن قلقه بسبب أن 40% من العقارات بمحافظة القاهرة انتهى عمرها الافتراضى وأصبحت تشكل تهديدا حقيقيا على حياة السكان ويجب إزالتها فوراً.

7

ويؤكد المحامي العقاري شريف أبو النصر أن طلب الترخيص بالهدم من المفترض أن يقدم إلى الجهة الإدارية المختصة من مالك المبنى، وأن يكون موقعا بخط يد مالك العقار ومهندس نقابى - مدنى أو عمارة - ، موضحأ في حديث خاص لـ مصراوي أن قانون الإزالة طالب بأن تتم أعمال الهدم بإشراف مهندس نقابي وإلزامه وهو ومقاول متخصص لتنفيذ الهدم بإتخاذ الإجراءات والإحتياطات اللازمة للمحافظة على سلامة البيئة ، ووقاية وسلامة القائمين على التنفيذ والجيران والمارة والممتلكات والشوارع والممرات ومافى باطن الأرض وما يعلوها من أجهزة ومرافق ومنشآت.

رخصة الهدم

في رحلة قراءة مواد قانون الهدم تتلخص تلك الإجراءات - رخصة الهدم - من خلال تقدم مالك عقار بطلب ترخيص هدم المباني الغير أيلة للسقوط، في الحي التابع له، بمصروفات خدمة 200 جنيه، بالإضافة لعدة مستندات كاثبات الشخصية وعقد مسجل وشهادة من مأمورية الضرائب العقارية التابع لها المبني المطلوب هدمة يفيد عدم وجود مستأجرين بالمبنى مع تقديم اقرار من المالك موثق بالشهر العقاري يفيد ذلك.

السبب الرئيسي لإنهيار العقارات المجاورة هو الاستعانة بمقاولين غير متخصصين

بالإضافة لرسم مبسط للموقع مبينا علية المبني المطلوب هدمة وأسماء الشوارع والمباني المجاورة معتمداً على توقيع مهندس نقابي أو مكتب هندسي استشاري مسجل بنقابة المهندسين، و تعهد منهم بالاشراف علي تنفيذ اعمال الهدم المرخص بها طوال مده التنفيذ وتقرير هندسي مشتملا علي الأسلوب الفني الذي سيتبع في تنفيذ اعمال الهدم وخطوات وطريقة التنفيذ والاسلوب المتبع في تأمين العقارات المجاورة، ومستند يفيد التعاقد مع احد المقاولين المسجلين بالاتحاد المصري لمقاولي التشييد والبناء لتنفيذ اعمال الهدم المرخص بها، ويشترط القانون بعد كل ذلك ان تتم أعمال الهدم بشكل يدوي ولا تُستخدم الألات الميكانيكية.

8

"للأسف هذه الإجرءات القانونية لا يتم اتباعها على أرض الواقع، ويتواجد المقاول والعمال فقط و يتكاسل مسؤولو الوحدة المحلية عن متابعة عملية الهدم، وتركها للمقاولين ودخلاء المهنة، وبالتالي لا يكفى الحصول على رخصة هدم من الحي ولكن لابد على صاحب العقار اتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين العقارات المجاورة والمارة"..يؤكد ذلك المحامي العقاري شريف أبو النصر.

وحول دور دواوين المحافظات في تفعيل رخصة الهدم يؤكد خالد مصطفى المسؤول الإعلامي لـ محافظة القاهرة في حديثه لـ مصراوي أن الإشراف الهندسي على عمليات الهدم ليس من اختصاص المحافظة نفسها، والمسؤول عنها هو المكتب الإستشاري الهندسي الذي وضع تقريره بووب هدم العقار والذي على أساسه يتم إصدار رخصة هدم له، وحينما تحدث مشكلة يحاسب المهندس المختص أو المكتب الإستشاري وليست المحافظة.

"رخصة الهدم اللي بيصدرها الأحياء وليس المحافظة، والمفروض أن الإدارة الهندسية في المحافظة تعتبر إدارة مركزية تسيطر على كل الاحياء ولها إشراف على تراخيص الهدم"..هكذا قال.

مقاولو الإزالة

وتؤكد مديرة المركز المصري للحق في السكن منال الطيبي لـ مصراوي أن أغلب العقارات التى يتم هدمها تقع وسط الأحياء السكنية المكتظة بالسكان وغالبية الشركات العاملة في هذا المجال لا تمتلك العمالة الماهرة لتقوم بهذا العمل، وتقوم بالتعاقد مع عمال ليس لديهم الخبرة الكافية للقيام بهذا العمل الشاق.

صورة 2

موضحةً أن هناك معدات ثقيلة مستخدمة في الهدم أو الإزالة، غالبيتها مؤجرة من السوق لا ترقى إلى المستوى المطلوب في العمل، ويديرها مقاولين محدودي الخبرة، ويخالفون معايير الأمن والسلامة التي تهدد أرواحهم وأرواح المارة، بالإضافة إلى ما يسببونه من إزعاج لسكان العقارات المجاورة، كما يتم وضع المخلفات ومعدات الهدم في عرض الطريق لعدة أشهر خلال عملية الهدم.

وطالبت بوضع آلية للهدم ومراقبة عمليات إزالة العقارات لحماية الأرواح، وتجنب تصدع المباني المجاورة بسبب الهدم، وعدم اقتصار تصريح الهدم على السماح بإزالة العقار فقط، بحيث يتضمن التصريح ضرورة الالتزام باشتراطات الأمن والسلامة، وإزالة العقار في مدة يحددها الخبراء والمختصون، وأن تتم أعمال الهدم في أوقات لا تسبب إزعاجا للسكان.

5

في الوقت نفسه تواصلنا مع عدد من المقاولين الذين توكل إليهم عمليات الهدم لمعرفة الإجراءات التي يتبعونها في عملية الهدم، ويحكى السيد طه - مقاول هدم - وأحد أعضاء الإتحاد المصري لمقاولي البناء والتشييد، أنهم كمقاولين يلتزمون باستصدار ما يلزم من تراخيص لاشغال الطريق ويكون المقاول وحده المسئول عن الاشغالات، وفرز المواد الناتجة من عملية الهدم و تخصيص مكان لكل منها على ان يتحمل الطرف الاول - مالك العقار- أجور حفارة عملية الهدم، وباتمام كافة اعمال الهدم و نزع الاساسات و تسوية الارض فى خلالها.

40% من العقارات بالقاهرة انتهى عمرها الافتراضي وتشكل تهديدا حقيقيا على حياة السكان

"لا يجوز أن اوكل الى مقاول من الباطن بتنفيذ الأعمال التى تضمنها هذا العقد و الا أعتبر العقد مفسوخا من تلقاء نفسه دون حاجة الى تنبيه أو أنذار، كما اننا لا نستخدم المعدات إلا بعد معاينه المبنى من الحى والمهندس المسؤل للعقارات المجاورة، ليتم التأكد مع عدم تأثرها بالهدم"..هكذا يقول.

أحد المهندسين المدنيين المشرفين على قرارات إزالة محمد بركات يؤكد هو الأخر لـ"مصراوي" إنه لا يتم مباشرة أية أعمال هدم إلا بعد الحصول على الترخيص، وقبل الهدم يجب إجراء مسح هندسى للمبنى، لتحديد مخطط المبنى، وحالة المنشأ، والطوابق والجدران وإحتمالية الإنهيار المفاجئ لأي جزء من أجزاء المبنى ووجود مخاطر الهدم الأخرى المحتملة أو القائمة بالفعل، وأن يتم فحص أى مبنى مجاور يمكن أن يتواجد به.

صورة 3

مضيفاً أنه لابد من إجراء مسح إبتدائى للغازات السامة والمواد الضارة مثل الأسبيستوس والرصاص، مع ضرورة إتخاذ كافة إجراءات السلامة اللازمة للتحكم في خطر هذه المواد وحماية العاملين من مخاطر التعرض لها، كما أنه من ضنم الإجراءات المتبعة تسوير موقع الهدم بسور وإغلاقه على المارة قبل وبعد انتهاء العمل اليومى ولحين إنجاز الهدم بالكامل مع عمل ساتر حماية للجوار بارتفاع المبنى المطلوب هدمه مع مراعاة سلامة المارة والجوار أثناء العمل.

تواطؤ المحليات

القانون يعطي لرؤساء المراكز والمدن والأحياء والمهندسين القائمين بأعمال التنظيم بوحدات الإدارة المحلية صفة - الضبطية القضائية - وذلك فى إثبات مايقع من مخالفات لأحكام قانون الإزالة، "للأسف هذه الانهيارات المتتالية هى نتيجة طبيعية للفساد المستشرى فى منظومة المحليات، والرقابة الحكومية على الأعمال الإنشائية شبه منعدمة، ولاتظهر إلا فى الأزمات بشكل وقتى لتعود الأمور إلى سابق عهدها"..يوضح ذلك مدير مركز بحوث الإسكان مصطفى الدمرداش لـ مصراوي.

الانهيارات نتيجة طبيعية للفساد في المحليات.. والرقابة الحكومية شبه منعدمة

مؤكداً أن هناك تواطؤ دائم من مشرفى الأحياء ومهندسى التنظيم عن مراقبة ذلك رغم ورود هذه الاشتراطات بالقانون ومعظم أصحاب العقارات يحصلون على الموافقة الصورية من أى مهندس استشارى، لإنهاء أعمال تراخيص البناء والهدم فى ظل غياب تام للرقابة والمتابعة.

صورة 4

وطالب بتكثيف دور لجنة المنشأت الآيله للسقوط والمنوط بها متابعة العقارات باستمرار، كما طالب بتعديل قانون هدم المباني من خلال تغليظ العقوبات على أصحاب المبانى المخالفين للاشتراطات القانونية فى الهدم والبناء وذلك حتى لا يعرضوا أرواح المواطنين للخطر.

النيابة الإدارية طالبت بإعادة هيكلة جهاز التفتيش ومنحه مزيدا من الصلاحيات الرقابية

في الوقت نفسه كانت النيابة الإدارية قد أصدرت تقرير العام الماضي أواخر العام الماضي بمخالفات البناء في المحليات وطالبت بنقل تبعية الإدارات الهندسية فنياً وإدارياً إلى مديريات الإسكان التابعة لوزارة الإسكان بدلاً من – المحليات - التي وصفها تقرير النيابة الإدارية بأنها تفتقد الكفاءة الهندسية والتخطيطية، وطالب يتولي مديريات الإسكان عمليات البناء والتشديد وتطبيق سياسات وخطط الإسكان بكل محافظة في آن واحد وبما يمنع من تضارب.

صورة 5

وطالب التقرير بإعادة هيكلة جهاز التفتيش على أعمال البناء وذلك من خلال إنشاء فروع له في كافه المحافظات ومنحه مزيدا من الصلاحيات للرقابة على أعمال الإدارات الهندسية، مع أن تقوم نقابة المهندسين باختيار واعتماد عدد من المكاتب الهندسية الاستشارية ذات الخبرة والسمعة الطيبة لتكون مكاتب معتمده لدى الإدارة المحلية وذلك على مستوى المناطق والأحياء داخل نطاق كل محافظة وتقوم هذه المكاتب بأعداد ملف الترخيص بشكل كامل لعدم تواصل صاحب الشأن مع المختصين بالإدارة المحلية درءاً للشبهات، وتكون أتعاب المكتب الهندسي من حيث إعداد التصميمات المعمارية والإنشائية وتقرير الجسات وشهادة الكوارث وبيان الصلاحية في حدود 2% من قيمه تكاليف الترخيص.

شكوى أحد المواطنين

إعلان

إعلان