بعد تغيير مسار رحلته.. كيف ساق القدر "عوض" إلى الموت في حادث المنيا؟ (صور)
كتب : مصراوي
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
-
عرض 4 صورة
أسيوط - محمود عجمي:
لم تكن شمس، صباح يوم الأحد، قد ارتفعت فوق سماء قرية عرب مطير، التابعة لمركز الفتح بمحافظة أسيوط، حين بدأ الخبر الحزين يتسلل بين البيوت: "عوض فرحان أحمد.. عاد من الغربة، لكنه عاد جثمانًا".
في دقائق قليلة، عمّ الصمت الشوارع الضيقة، وتبدلت الوجوه بين الذهول والوجع. عوض، الشاب الثلاثيني الذي غادر قريته قبل عام ونصف العام سعيًا وراء رزقٍ يكفي أسرته الصغيرة، كان الجميع ينتظر عودته: زوجته، طفلته الأولى التي اعتادت انتظار مكالماته، وطفله الثاني الذي وُلد بينما كان الأب في الغربة. لكن أحدًا لم يتخيل أن تكون العودة بهذه الصورة القاسية.
العودة التي لم تكتمل
بدأت القصة مع اضطراب رحلته الجوية؛ إذ كان من المقرر أن يهبط في مطار أسيوط الدولي، قبل أن يُبلّغ، قبل ساعات من الوصول، بتحويل الرحلة إلى مطار القاهرة. لم يعترض؛ فالمهم أنه سيصل، وسيعانق من اشتاق إليهم طويلًا.
وصل عوض إلى القاهرة مبتسمًا، يحمل أملًا أكبر من حقيبة سفره، تلك الحقيبة التي ملأها بعناية: ملابس، ألعاب، وهدايا صغيرة، تشبه فرحة أبٍ يعود بعد غياب طويل. كان يتخيل لحظة دخوله البيت، كيف سيجري طفلاه نحوه، وكيف ستبتسم زوجته بدموعٍ ممزوجة بالامتنان والحنين.
وبعد وصوله، استقل سيارة ميكروباص متجهة إلى أسيوط، لتكون الرحلة البرية آخر ما يفصله عن بيته.
لحظات الرحيل
لكن الطريق الصحراوي الشرقي بمحافظة المنيا كان يخفي قدرًا آخر. توالت المعلومات، وتعلقت القلوب بكل تفصيل. يقول شهود عيان إن اللحظات الأخيرة لعوض كانت هادئة، رغم قسوة الحادث، إذ وُجد رافعًا إصبع التشهد، كأنه كان يستعد لختامٍ لم يخطر له ببال.
أما حقيبته، فظلت إلى جواره مغلقة كما تركها؛ كأنها تحمل أسرار رحلة لم تكتمل، ورسائل شوق لم تُقرأ، وهدايا لم تُسلَّم.
أهل القرية.. ووجع السؤال
في عرب مطير، لا تزال العيون تترقب باب بيت عوض، وكأن الذاكرة ترفض تصديق أن صاحب الدار لن يدخل منه بعد الآن. ويروي أحد أقاربه، بعينين محمرتين: "كان راجع لولاده.. الحنين كان مالي قلبه، وما كانش بيتكلم في الأيام الأخيرة غير عن لحظة رجوعه. جهّز كل حاجة، وكان مبسوط وهو خارج من المطار".
القدر سبق الفرحة بدقائق
لم يكن عوض شخصية معروفة أو اسمًا لامعًا، بل كان أبًا بسيطًا، عاملًا مجتهدًا، خرج بحثًا عن لقمة حلال، فعاد محمولًا على الأكتاف. كتبت الأقدار رحلته الأخيرة بوضوح: "عاد إلى وطنه… لكنه لم يصل إلى بيته"، وبقيت حقيبته المغلقة شهادة موجعة على قصة أبٍ كان الطريق أقصر من حلمه، وأقوى من اشتياقه.