يدفع العرب فاتورتها.. كيف يتغير مفهوم "النصر" في حرب إيران؟
كتب - محمد طه:
صورة تعبيرية تم إنتاجها بالذكاء الاصطناعي
في يومها الثالث عشر، لم تعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران تدور في فلك بنك الأهداف العسكرية وحسابات القنابل المتساقطة؛ لقد تحولت إلى معركة سياسية معقدة لصياغة "سردية النصر" والبحث عن مخرج آمن من فخ التصعيد. فبينما يتراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن وعوده السابقة بقرب انتهاء العمليات العسكرية، يخرج المرشد الإيراني الجديد مجتبى خامنئي - في أول رسالة متلفزة دون صوت أو صورة - ليغلق باب التهدئة المجانية، مؤكدًا استمرار إغلاق مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية.
اقرأ أيضًا: "تاكو" ترامب.. كلمة السر في انسحاب "الرئيس المغامر" من فخ إيران
اقرأ أيضًا: المرشد مجتبى "مختبئ".. من يحكم إيران حقًا تحت القصف؟
ووسط هذا التناقض الصارخ، يجد العرب أنفسهم أمام مشهد بالغ التعقيد؛ حيث حرب يبحث طرفاها المباشران (هم) عن بوابة خروج تحفظ ماء الوجه وتُجنبهم الانهيار الاقتصادي بانتصار يصوغه كل طرف، في حين تقف الدول العربية (نحن) في خط المواجهة لتلقي تداعيات كارثة إقليمية تُهندس فوق أراضيها وبنيتها التحتية.
فما الذي قد يجنيه "هم" وما الذي ينقذنا "نحن"؟
في قراءته التحليلية لهذا المشهد المعقد، يؤكد الدكتور إبراهيم عوض، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، أن التنبؤ بخطوات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الحرب الراهنة "أمر بالغ الصعوبة"، مرجعًا ذلك إلى أسلوب ترامب الاستثنائي في إدارة الأزمات والذي يعتمد بشكل أساسي على إحداث حالة من الارتباك المتعمد لخصومه وحتى حلفائه.
ولكن هذا "الارتباك المتعمد" ليس مجرد أسلوب تفاوضي، بل هو غطاء يخفي أزمة حقيقية تواجه الإدارة الأمريكية حول كيفية إعلان النصر دون التورط في مستنقع الشرق الأوسط.
مأزق ترامب.. "النصر المزعوم" هربًا من المستنقع
يحاول الرئيس الأمريكي التهرب من الغرق في مستنقع "إسقاط النظام" أو الانزلاق إلى احتلال بري قد يفتح الباب أمام مواجهة مفتوحة تحرق الاقتصاد العالمي. ويرى الدكتور إبراهيم عوض، في حديثه لـ "مصراوي"، أن ترامب "قد يدّعي أنه حقق ما يريده من الحرب رغم أنه لم يكن يمتلك هدفًا محددًا في البداية، وبالتالي يمكنه ببساطة اختراع هدف يتفق مع ما تحقق على الأرض ليعلن انتصاره وينسحب".
ويوضح أستاذ العلاقات الدولية أن إدارة ترامب ستروّج داخليًا وخارجيًا بأنها نجحت في شل القدرات الإيرانية عبر القضاء على القيادة السياسية وعدد كبير من القادة العسكريين، فضلًا عن تدمير البنية الأساسية للبلاد وتقويض قدرة طهران على إنتاج الصواريخ الباليستية، وصولًا إلى الزعم بأن إيران ستحتاج لسنوات طويلة لاستعادة أي دور إقليمي مؤثر.
ويضيف: "الرئيس الأمريكي يمكن أن يقول ذلك سواء كان دقيقًا أم لا، كما حدث في تبرير الإدارة الأمريكية لضرباتها الأولية بأنها دفاع عن النفس بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لدرء خطر حالٍ، وهو ما كذبته أجهزة الاستخبارات الأمريكية ذاتها".
وهذا التعجل في البحث عن "نصر تلفزيوني سريع"، لا ينبع من فراغ، بل من قراءة دقيقة لحالة الرفض الشعبي داخل الولايات المتحدة، والمخاوف من ارتدادات اقتصادية قد تطيح بالمستقبل السياسي لساكن البيت الأبيض.
تعزز رؤية الدكتور عوض تحليلات مراكز الأبحاث واستطلاعات الرأي الأمريكية الحديثة التي تفسر رغبة ترامب في الخروج السريع.
وفقًا لاستطلاع (رويترز/إبسوس)، فإن 27% فقط من الأمريكيين وافقوا على بدء الضربات، في حين أظهر استطلاع لشبكة "CNN" أن 59% من المواطنين يرفضون الضربات بشكل قاطع ويرفضون التورط في صراع طويل الأمد.
هذا الرفض الشعبي، مقترنًا بالتحذيرات الاقتصادية من أن إغلاق مضيق هرمز قد يرفع أسعار الغاز والنفط لأسعار غير مسبوقة، يفسر رعب إدارة ترامب من تأثر الناخب الأمريكي، وهو ما قد يكلف الحزب الجمهوري خسارة أغلبيته في الانتخابات النصفية القادمة، ويدفع الإدارة للجوء سريعًا إلى إنهاء هذه الحرب وادعاء الانتصار.

معضلة الحلفاء وتقاطع المصالح
ورغم هذه الرغبة الأمريكية في الخروج السريع، يشير الدكتور إبراهيم عوض إلى عقبة رئيسية تكمن في مدى قبول حلفاء واشنطن، وتحديدًا إسرائيل، بوقف إطلاق النار قبل تحقيق كامل أهدافها. ويؤكد أستاذ العلاقات الدولية أن "إسرائيل وحدها لا تستطيع الاستمرار طويلًا في مواجهة إيران دون الدعم الأمريكي"، ما يعني أن تل أبيب قد تضطر للإذعان لرغبة واشنطن متى ما قررت الأخيرة إنهاء العمليات.
غير أن إقناع إسرائيل بالتوقف ليس التحدي الوحيد أمام ترامب، فالمعضلة الأكبر تكمن في الخصم نفسه؛ إذ أن القيادة الإيرانية التي تتلقى الضربات، تمتلك تعريفها الخاص لمعنى "النصر" ولشروط إنهاء الحرب.
عقيدة مجتبى خامنئي.. "البقاء هو الانتصار"
على الجانب الإيراني، لا يبدو المشهد أقل تعقيدًا؛ إذ يوضح الدكتور إبراهيم عوض أن طهران بدورها قد لا ترغب في إنهاء المعركة دون ثمن واضح يبرر ما تكبدته من دمار، مبررًا ذلك بأنها "لا تريد العودة إلى وضع ما قبل الحرب المتمثل في نظام العقوبات الصارم الذي خنق اقتصادها وأضر بشعبية النظام".
ويتساءل "عوض": "لكن كيف ستجبر إيران واشنطن على رفع العقوبات؟ ربما ترى طهران أن إطالة أمد المواجهة يصب في مصلحتها للضغط على الإدارة الأمريكية". وهو تساؤل أجابت عنه فعليًا رسالة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، والتي أسست لعقيدة "البقاء وتدفيع الثمن". فالقيادة الإيرانية تدرك تمامًا التفوق الجوي الكاسح للولايات المتحدة، لذا تخلت عن فكرة المواجهة العسكرية المتكافئة وانتقلت إلى استراتيجية تفخيخ الاقتصاد العالمي.
وهذا التوجه تؤكده التحليلات الغربية وتقارير مراكز الأبحاث؛ حيث تشير بيانات منظمة "ACLED" الدولية المعنية بتحليل النزاعات إلى أن الحرس الثوري لن يستسلم استسلامًا كاملًا، وأن مراهنة واشنطن على الانهيار السريع للنظام أو استسلامه هي قراءة خاطئة للواقع الداخلي.
وتتعزز هذه الرؤية بما نقلته وكالة "رويترز" وهيئة الإذاعة البريطانية "BBC" من أن استراتيجية طهران تعتمد بشكل رئيسي على "الصمود وتحمل الضربات" مع رفع الكلفة الاقتصادية على الغرب لإجباره على طلب التهدئة.
ولتنفيذ استراتيجية "رفع الكلفة"، لم تجد إيران سلاحًا أكثر فتكًا بالاقتصاد الغربي من إغلاق الممرات المائية، محولة أزمة عسكرية إلى كابوس تجاري يهدد العالم بأسره.
تتجسد هذه الكلفة في سلاح "مضيق هرمز"، الذي أمر مجتبى خامنئي بإبقائه مغلقًا كأداة ضغط استراتيجية.
وتشير لغة الأرقام إلى فداحة هذا السلاح، حيث أظهرت بيانات منصة "S&P Global" تراجعًا حادًا في حركة الشحن في هرمز، الذي يمر عبره 20% من الاستهلاك العالمي للنفط يوميًا، ما أدى إلى تراجع التدفقات بمقدار مليون برميل يوميًا فور اندلاع الأزمة، وهو ما يهدد بانهيار سلاسل الإمداد العالمية.
ومن خلال هذه الاستراتيجية، تهدف طهران إلى أنه إذا بقي النظام واقفًا فوق ركام المفاعلات والبنية التحتية، فسيتمكن مجتبى خامنئي من تسويق هذا "الصمود" للداخل الإيراني كـ "انتصار تاريخي" غير مسبوق في مواجهة آلة الدمار الأمريكية.
اقرأ أيضًا: الحرب في إيران.. لماذا يلتزم الخليجيون "ضبط النفس"؟ وكيف يتأثر تحالفهم مع أمريكا؟

العرب في مرمى نيران "إعادة تشكيل المنطقة"
بينما ينشغل المحوران الأمريكي والإيراني بتفصيل "انتصارات بمقاسات محلية"، تبقى حقيقة أن فاتورة هذا الصراع تُسدد نقدًا من رصيد الأمن القومي لدول المنطقة.
إذا كانت واشنطن وطهران تلعبان لعبة حافة الهاوية بحثًا عن صورة الانتصار، فإن الخاسر الصامت الأكبر الذي يدفع الفاتورة الفورية لهذه المعادلة الصفرية هو العالم العربي نفسه.
فالدول الخليجية التي أعلنت مرارًا وتكرارًا إجماعها على رفض الحرب وحيادها التام في هذا الصراع، وجدت أراضيها ومطاراتها وبنيتها التحتية هدفًا مباشرًا لضربات غير مسبوقة من الصواريخ الإيرانية، في محاولة من طهران لإيصال رسائل ردع للولايات المتحدة عبر حلفائها الإقليميين.
ولم تتوقف الخسائر عند حدود القصف، بل امتدت لتضرب صميم الاقتصادات الخليجية.
وفقًا لتقرير تحليلي نشرته منصة "The Middle East Insider"، فإن الحرب هددت ما يُعرف بـ "علاوة الاستقرار" التي تتمتع بها دول الخليج. وقد أدت التوترات إلى شلل حركة الطيران والسياحة بنسبة تصل إلى 70% في بعض القطاعات، وتضرر صادرات الغاز القطري، وارتفاع جنوني في تكاليف التأمين البحري والشحن، ما يوجه ضربة قاسية لخطط التنويع الاقتصادي العربي.
ومع ذلك، فإن الخسائر الاقتصادية المباشرة قد تبدو تفصيلًا صغيرًا أمام ما يحاك خلف الكواليس، حيث تتصاعد التحذيرات من أن الهدف أبعد بكثير من مجرد تحجيم إيران.
لقد تجاوز الأمر الخسائر العابرة ليصل إلى مخططات جيوسياسية كبرى ومثيرة للقلق.
يبدو هذا جليًا في تصريحات وزير خارجية سلطنة عُمان، بدر البوسعيدي، الذي حذر اليوم في تصريحاته إلى صحيفة "عُمان" الحكومية، مؤكدًا أن الحرب الحالية لا تستهدف ضرب المفاعلات الإيرانية وحدها، بل تقف خلفها خطة أوسع لـ "إعادة تشكيل المنطقة".
أوضح البوسعيدي، الذي ترعى بلاده مسارات تفاوضية حساسة، أن هذا التشكيل يهدف لتعزيز مسار التطبيع مع إسرائيل ومنع إقامة دولة فلسطينية مستقلة بوضوح، داعيًا دول الخليج إلى مراجعة "عقيدتها الدفاعية" وعدم الرهان الأعمى على أن مسايرة الرؤية الأمريكية ستجلب الاستقرار للإقليم.
المحور "المصري - السعودي" كطوق نجاة عربي
أمام هذا المشهد القاتم ومخططات إعادة التشكيل، يبرز التساؤل الملح: كيف تخرج الأمة العربية من هذه الكارثة؟
المفكر السياسي والدبلوماسي البارز الدكتور مصطفى الفقي، يؤكد لـ"مصراوي"، أن الأمة العربية ليست مجرد متفرج، وهي جزء أصيل وطرف مؤثر بشدة في الصراع الدائر، حتى وإن لم تكن قواتها في الخطوط الأمامية للمواجهة.
ويقول "الفقي" إن الصوت العربي مسموع ومؤثر إلى حد كبير جدًا في مجريات الأحداث، مشيرًا إلى أن العدوان الذي طال ست دول عربية وإن جاء كـ"رد فعل" لما تعانيه طهران على الجانب الآخر من المواجهة، فإن نتائجه أهم من مبرراته، وهي "تشير إلى وجود محاولة لتمزيق وحدة العالم العربي، والنيل من مكانة العرب دوليًا وإقليميًا".
ويضيف الفقي: "كل هذا يقتضي أن ننتبه جيدًا، فالأمر يشير إلى حقيقة نعتنقها جميعًا وهي أن هناك أمة عربية واحدة لها دور وتاريخ خالد يجب أن تمضي عليه للنهاية، وهذا الدور يكلفنا بأن نرعى هذه الحقائق ونهتم بها".
ومن هذا المنطلق القومي، تبرز الحاجة الملحة لتحرك عربي وازن يمتلك القدرة على فرض شروطه، أو على الأقل، حماية المنطقة من تبعات هذا الجنون الإقليمي، كما يؤكد الفقي، الذي يشدد على ضرورة تركيز الجهود العربية على محاور أساسية، وعلى رأسها المحور "المصري - السعودي"، واصفًا إياه بأنه "مؤثر للغاية، ويحتاج في الوقت الراهن إلى أعلى درجة من درجات التدخل والرعاية لضبط المشهد". بينما يدعو إلى التمسك بـ "الحياء القومي" محذرًا من محاولات العمل المنفرد.
وحول الدور المصري وقدرة القاهرة على النأي بالنفس أو التأثير، يؤكد الفقي قوة الموقف المصري قائلًا: "مصر صوتها ليس ضعيفًا، بل هي دولة مركزية قوية ودولة وطنية تستطيع أن تتحدث وتتخذ مواقف وتتضامن معها بقية الدول".
وفيما يخص إمكانية لعب القاهرة دور "الوسيط" بين طهران والخليج لتخفيف التوتر، يفضّل الفقي التحفظ الدبلوماسي الحذر، مؤكدًا أن هذا المسار له تأثير كبير على الحالة العربية ويتطلب إدارة الأمور بـ "رفق وحكمة شديدة".
ولا ينفصل الدور المصري - وفق هذه الرؤية - عن معاناته الاقتصادية المباشرة؛ إذ تجد القاهرة نفسها أمام ضغط مزدوج يتمثل في انخفاض حاد في إيرادات قناة السويس جراء التوترات المتتالية، إلى جانب التأثر المحتمل للموازنة العامة بارتفاع فواتير استيراد القمح والوقود عالميًا بسبب إغلاق مضيق هرمز. وهذا الواقع يجعل التحرك المصري لإيجاد "تسوية قسرية" ليس فقط التزامًا قوميًا، بل ضرورة استراتيجية واقتصادية قصوى، لمحاولة تخفيف الضغط الذي يرتد بصورة مباشرة على الحياة اليومية للمصريين.

حافة الهاوية وبوابة الخروج الإجبارية
الآن، يقف كل من ترامب ومجتبى خامنئي عند "نقطة التعادل السلبي" وحافة الهاوية. الأول لا يملك رفاهية الاستمرار في حرب طويلة تستنزف الاقتصاد العالمي وترفع أسعار الوقود لتطيح بحزبه في صناديق الاقتراع، والثاني لا يملك ترف تلقي ضربات مستمرة تمسح مقدرات دولته وتعيدها عقودًا للوراء.
وبينما يستمر الطرفان في تصعيد عسكري وإعلامي لانتزاع "نصر وهمي" وتسويقه للداخل، تبرز الرؤية العربية كطوق نجاة إقليمي؛ فبوابة الخروج الحقيقية من هذه الكارثة لن تُفتح بأزرار الصواريخ الباليستية، بل عبر "تسوية دبلوماسية قسرية" تلعب فيها القوى العربية الفاعلة دورًا محوريًا، لوقف حريق يستهدف إعادة تشكيل المنطقة ويهدد بابتلاع ما تبقى من استقرارها ومقدراتها.