إعلان

زيارة ترامب إلى بكين.. رسائل ودّ أكثر من اتفاقات والرئيس الصيني يقود المشهد

كتب : وكالات

12:25 م 16/05/2026

ترامب في الصين

تابعنا على

ربما لم تسفر زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الصين هذا الأسبوع عن اتفاقات فورية كبيرة تعالج الخلافات المتعلقة بالتكنولوجيا والتجارة، لكن لا شك أن الزعيم الصيني شي جين بينج سيعتبرها نجاحًا مدويًا.

فبكين لم تكن بحاجة إلى نتائج ملموسة ضخمة لتحقيق مكاسب كبيرة، مثل إظهار الصين كندٍّ للولايات المتحدة على الساحة العالمية، وتوجيه نبرة العلاقة الثنائية، بما في ذلك ملف تايوان، حسبما قالت شبكة سي إن إن الأمريكية في تحليل لها.

وفقا للشبكة الأمريكية، فإنه يبدو أن زيارة ترامب حققت الهدفين معًا. فالساعات التي قضاها الزعيمان معًا خلال الزيارة التي استمرت ثلاثة أيام كانت مليئة بأجواء الود بين القوى الكبرى، وبإشادات واسعة من الرئيس الأمريكي، الذي وصف العلاقات الأمريكية الصينية بأنها واحدة من "أكثر العلاقات تأثيرًا في تاريخ العالم".

مستقبل رائع بين البلدين

وقبل حتى أن يجلس الزعيمان لإجراء المحادثات، قال ترامب لشي إنه واثق من أن البلدين سيكون لهما "مستقبل رائع". ولاحقًا، خلال مأدبة رسمية، قال الرئيس الأمريكي إن العلاقات الجيدة بين البلدين يمكن أن تصنع "مستقبلًا أكثر ازدهارًا" للعالم، وهو ما انسجم مع كلمات شي في نخب الترحيب.

كل تلك التصريحات الودية والمجاملات شكلت خلفية مثالية لإعلان الصين دخول مرحلة جديدة من "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" بين القوتين، وهي مرحلة تركز على التعاون والمنافسة المُدارة بدلًا من التنافس المتقلب الذي طغى على العام الماضي.
واستغل الزعيم الصيني لقاءاته المباشرة مع ترامب لتوضيح نقطة واحدة بشكل حاسم: أن القضية الرئيسية القادرة على تقويض العلاقة الجيدة هي تايوان، التي تُعد "الخط الأحمر" الأهم بالنسبة للصين.

وقال شي لترامب في اليوم الأول من الزيارة إن فشل واشنطن في التعامل مع هذه القضية بشكل جيد سيضع كامل العلاقات الأمريكية الصينية في "خطر كبير". وتعتبر بكين الجزيرة ذات الحكم الذاتي جزءًا من أراضيها، وتعارض العلاقات غير الرسمية القوية التي تربط الولايات المتحدة بتايبيه.

مخاوف الزعيم الصيني

وتشير تصريحات ترامب للصحفيين خلال رحلة عودته على متن الطائرة الرئاسية إلى أنه على الأقل استمع جيدًا إلى مخاوف شي، بما في ذلك اعتراضات الصين على مبيعات الأسلحة الأمريكية المنتظمة لتايوان. وقال ترامب إن الجانبين ناقشا الموضوع "تفصيل كبير"، مضيفًا أنه سيتخذ قرارًا بشأن مبيعات الأسلحة للجزيرة قريبًا.

الصورة كهدف سياسي

كان الدبلوماسيون الصينيون يدركون جيدًا الفرصة التي تتيحها الزيارة. فقد صمموا بعناية مشهدًا مهيبًا من الاحتفالات والمراسم لإبهار ترامب، بدءًا من التحية العسكرية بالمدافع، وصولًا إلى زيارة نادرة داخل المجمع السري لقيادة الحزب الشيوعي المعروف باسم "تشونجنانهاي".

وجاءت تصرفات الرئيس الأمريكي لتعكس تمامًا الصورة التي ترغب المؤسسة الدبلوماسية الصينية في إبرازها. فقد وصل ترامب إلى بكين برفقة مجموعة كبيرة من كبار الرؤساء التنفيذيين الأمريكيين، وقال لشي إنهم حضروا "لتقديم احترامهم" له وللصين.
ومنح مثل هذا القدر من التقدير من قبل زعيم أقوى دولة في العالم يحمل دلالات كبيرة على مكانة بكين الدولية. وهو ما يخدم شي داخليًا وخارجيًا، حيث يسعى إلى تقديم الصين كقائد بديل للولايات المتحدة.

ومع انتهاء زيارة ترامب للصين بعد أيام مليئة بالمراسم الفخمة، شرحت شبكة سي إن إن الأمريكية كيف ستُقرأ نتائج القمة من منظور بكين.

علاقة مستقرة ومتوقعة

كما أن وجود علاقة مستقرة ومتوقعة مع الولايات المتحدة يمنح بكين وقتًا لمواصلة صعودها في المجالات التكنولوجية والعسكرية والجيوسياسية. فقيود التكنولوجيا الأمريكية والرسوم الجمركية — مثل تلك التي أشعلت الحرب التجارية المتبادلة بين البلدين العام الماضي — يمكن أن تربك سلاسل الإمداد وتضر بالشركات، ما يبطئ هذا الصعود.
وينطبق الأمر أيضًا على الولايات المتحدة، التي أدركت مدى النفوذ الصيني على إمدادات العالم من المعادن الأرضية النادرة المعالجة، عندما شددت بكين قبضتها على هذه المواد الاستراتيجية في مواجهة الرسوم الأمريكية العام الماضي.

ورغم أن البيان الرسمي للبيت الأبيض لم يكرر مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي البنّاء" الذي استخدمه شي، فإن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال في مقابلة مع شبكة إن بي سي نيوز الأمريكية، من بكين إن الولايات المتحدة تتفق مع تركيز الصين على هذا المفهوم "حتى لا تحدث سوء تفاهمات قد تؤدي إلى صراع أوسع".

وبالتأكيد، فإن استقرار العلاقات الأمريكية الصينية يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على الاقتصاد العالمي، تمامًا كما أن التوترات بينهما قد تعطل التجارة العالمية.
لكن تعريف هذا "الاستقرار الاستراتيجي" قد يمنح الصين أيضًا مساحة للاعتراض على أي خطوات أمريكية تراها مهددة لهذا الاستقرار، خاصة فيما يتعلق بالتجارة والتكنولوجيا، وهما الملفان اللذان فجّرا التوترات العام الماضي.

الحديث عن تايوان

وفقا لتحليل شبكة سي إن إن، فإن الاستنتاج الذي ستركز عليه بكين أكثر من غيره بعد الزيارة يتعلق بتايوان. فالحزب الشيوعي الصيني لم يسبق له أن حكم تايوان، لكنه يعتبر الجزيرة جزءًا لا يتجزأ من الأراضي الصينية. ويُعد ضمها إلى الصين — بالقوة إذا لزم الأمر — عنصرًا محوريًا في رؤية بكين لما تسميه "النهضة الوطنية" بحلول عام 2049.

ولم يفوت شي فرصة التأكيد على هذه النقطة، حتى بشكل غير مباشر. ففي نخب الترحيب بترامب خلال المأدبة، لم يذكر تايوان صراحة، لكنه عقد مقارنة بين شعار ترامب "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" ورؤيته الخاصة لـ"النهضة العظيمة".

وقال ترامب في مقابلة مع شبكة فوكس نيوز بُثت مساء الجمعة إن "لا شيء تغيّر" في سياسة الولايات المتحدة تجاه تايوان خلال الزيارة. لكنه أضاف أن الزعيمين "تحدثا طوال الليل عن هذه القضية"، كما تبنى جزئيًا الرواية الصينية التي تقول إن الحزب الحاكم في تايوان يسعى للاستقلال.
وقال ترامب: "سأقول هذا: أنا لا أبحث عن أن يصبح أحد مستقلًا، كما أننا لسنا مضطرين للسفر 9500 ميل لخوض حرب. لا أريد ذلك. أريد منهم أن يهدأوا، وأريد للصين أن تهدأ أيضًا".

الفشل في تقديم التزام

وقال كبير محللي الأمن القومي في شبكة سي إن إن الأمريكية، إن فشل ترامب في تقديم التزام واضح بالموافقة على مبيعات أسلحة لتايوان يُعد "انتصارًا للصين".
والحزب الحاكم الحالي في تايبيه يدعم سيادة تايوان، لكنه لا يسعى لتغيير الوضع القائم عبر إعلان الاستقلال رسميًا.

وتايوان هي مقر حكومة جمهورية الصين — الاسم الرسمي للجزيرة — التي كانت قواتها القومية تحكم البر الرئيسي سابقًا قبل أن تفر إلى الجزيرة بعد انتصار الحزب الشيوعي في الحرب الأهلية الصينية عام 1949. وكانت اليابان الإمبراطورية قد سلمت تايوان إلى جمهورية الصين بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، وذلك بعد عقود من انتزاعها من أسرة تشينغ الصينية.

وبموجب سياسة "الصين الواحدة"، تعترف الولايات المتحدة بموقف الصين القائل إن تايوان جزء من الصين، لكنها لم تعترف رسميًا أبدًا بمطالبة الحزب الشيوعي بالجزيرة.
وظلت طريقة تعامل الولايات المتحدة مع علاقتها غير الرسمية مع تايوان نقطة خلاف دائمة بالنسبة لبكين، التي تراقب الآن عن كثب ما إذا كان ترامب سيمضي قدمًا في صفقة أسلحة بقيمة 14 مليار دولار للجزيرة، وهي الصفقة التي وافق عليها الكونغرس في يناير الماضي.
وقال ترامب في مقابلة فوكس نيوز،إنه يضع الصفقة "قيد التعليق"، مضيفًا أنها تعتمد على الصين… إنها ورقة تفاوضية جيدة جدًا".

مبيعات الأسلحة مع تايوان

وخلال رحلة العودة إلى الولايات المتحدة، قال ترامب أيضًا للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية إنه ناقش مع شي مبيعات الأسلحة لتايوان "بتفصيل كبير"، وإنه سيتخذ قرارًا "خلال فترة قصيرة مبكرة". وسيُعتبر تعليق الصفقة انتصارًا كبيرًا للصين.
فالولايات المتحدة ملزمة قانونيًا بتوفير أسلحة لتايوان من أجل الدفاع عن نفسها. كما أن تعهدًا أمريكيًا قُدم لتايوان عام 1982 ينص على أن واشنطن لا تتبع سياسة التشاور مع بكين بشأن مبيعات الأسلحة. وعندما سُئل ترامب عن هذا الموقف يوم الجمعة، علّق ساخرًا بأن "الثمانينيات بعيدة جدًا".

وبعد ساعات من مغادرة ترامب لبكين، قدمت الصين أيضًا قراءتها الخاصة لما جرى.
وقال وزير الخارجية الصيني وانج يي للصحفيين، بحسب وسائل إعلام رسمية: "شعرنا خلال الاجتماع أن الجانب الأمريكي يفهم موقف الصين ويولي أهمية لمخاوفها… ولا يدعم أو يقبل تحرك تايوان نحو الاستقلال".
كما أعلن وانج في تصريحاته أن شي قبل دعوة ترامب لزيارة الولايات المتحدة في الخريف المقبل، ما يمهد للمحطة الرئيسية التالية التي قد يواصل خلالها الزعيمان فترة التفاهم والود الحالية.

فيديو قد يعجبك



إعلان

إعلان