الرئيس العراقي الراحل صدام حسين
من رحم المعاناة في قرية "العوجة" بمحافظة تكريت، وفي مثل هذا اليوم من عام 1937، انطلقت رحلة صدام حسين عبد المجيد التكريتي، الرجل الذي نشأ يتيماً في كنف خاله خير الله طلفاح، ما أصقل شخصيته ودفع به إلى أروقة السياسة السرية مبكرا، من محاولة اغتيال فاشلة لرئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم في 1959، وصولا إلى قمة هرم السلطة في 16 يوليو 1979.
بين الأيديولوجيا والدم.. مسيرة صدام حسين
منذ توليه رتبة الفريق عام 1973 وصولا إلى كرسي الرئاسة، أحاط صدام نفسه بشبكة عائلية معقدة جعلت من أصهاره وأبنائه (عدي وقصي) ركائز لنظام حديدي، ولم تكن حياته الخاصة بمنأى عن تقلبات السلطة، فتعددت زيجاته من ساجدة طلفاح إلى سميرة الشهبندر ونضال الحمداني، في حياة اتسمت بالانضباط العسكري والغموض الشخصي.
صدام حسين.. عقدان من العواصف
عاش صدام حسين الذي وُلد في 28 أبريل 1937 وتحل اليوم ذكرى مولده الـ89 حياته على حافة الهاوية؛ فخاض حربا طاحنة ضد إيران استمرت ثماني سنوات، وبينما كان يقدم نفسه كحامي البوابة الشرقية تارة، وقائدا للقومية العربية تارة أخرى، جاء غزو الكويت عام 1990 ليقلب الموازين رأسا على عقب، ويضع العراق في مواجهة مباشرة مع تحالف دولي قادته الولايات المتحدة، انتهى بـ"عملية غزو العراق" عام 2003.
المشهد الأخير.. صدام إلى منصة الإعدام
بذات التراجيديا التي صبغت حياته جاءت نهايته؛ فمن اختبائه في "جحر العنكبوت" في مزرعة بتكريت في ديسمبر 2003، إلى وقوفه أمام المحكمة مدافعا عن براءته، احتفظ الرئيس العراقي الراحل ببريقه حتى اللحظة الأخيرة، إلى أن أُعدم شنقا في صبيحة يوم 30 ديسمبر 2006 في بغداد، ليدفن في مسقط رأسه، مخلفا إرثا جدليا لا يزال يقسم الآراء بين من يراه ديكتاتورا قاد بلاده للخراب، ومن يراه رمزا للقوة.

كيف أصبح العراق بعد صدام حسين؟
في خضم هذا الجدل الممتد حتى بعد وفاته، يبقى السؤال قائما: كيف أصبح العراق اليوم؟ هل تحققت الوعود بالتحرير والازدهار أم أن "إرث الجمر" لا يزال يحرق الأصابع التي تحاول رسم مستقبل جديد؟
مفارقة الأمن والاقتصاد.. استقرارٌ هشّ وطموحاتٌ معلقة
وفقا لأحدث التقارير الصادرة عن مؤسسة "جالوب" الأمريكية للتحليلات في مارس 2026، يظهر العراق وجها مغايرا لما عهده العالم؛ حيث تشير البيانات إلى ارتفاع مستمر في شعور العراقيين بالأمان والثقة في المؤسسات الوطنية، فمنذ عام 2009، سجل العراق واحدة من أكبر الزيادات المستمرة في الشعور بالأمان عالميا، وهو إنجاز لافت بعد عقود من العنف الطائفي وظلال تنظيم "داعش".
ومع ذلك، يظل هذا الاستقرار "أعرج"؛ إذ تصدرت قضايا البطالة وتآكل الدخل الوعي الوطني في 2025، فالاعتماد الهيكلي على النفط، والنظرة المتجذرة للفساد، دفعتا آلاف الشباب إلى الشوارع في موجات احتجاجية متتالية، مؤكدين أن "الأمن وحده لا يكفي لبناء دولة".

سيادة تحت الاختبار
يرى المركز العربي بواشنطن أن العراق اليوم عالق في صراع الهوية السياسية، فمنذ عام 2003، سعى رؤساء الوزراء العراقيين، أو تواطؤوا، مع النفوذ السياسي والاقتصادي الإيراني، متجاهلين اعتراضات الولايات المتحدة.
وأشار المركز إلى أن بغداد لطالما ارتبطت ارتباطا وثيقا بإيران في صنع القرار السياسي، والسياسة الخارجية، والاقتصاد.
وبحسب المركز، أدت هذه الروابط إلى توتر العلاقات مع الولايات المتحدة، لا سيما في عهد إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ولتجنب الإجراءات العقابية المحتملة من واشنطن، واحتمالية العزلة الإقليمية، يرى المركز أن على بغداد إنهاء اعتماد الحكومة السياسي والاقتصادي على إيران.
يقول محللو المركز العربي: "إن بناء سيادة حقيقية يتطلب من رئيس الوزراء المقبل إرادة سياسية لإنهاء التجارة غير المشروعة وتوفير بيئة أعمال شفافة تجذب الاستثمارات الأمريكية، بعيدا عن ضغوط الوكلاء الإيرانيين".
العراق كساحة تصفية حسابات
في أثناء ذلك، ترى منصة "مودرن دبلوماسي" المتخصصة في تحليل القضايا السياسية، أن العراق يجد نفسه اليوم عالقا في ظل التوترات الحالية في المنطقة، فمنذ فبراير 2026 تحولت أراضي البلاد إلى ساحة لهجمات متبادلة بين الفصائل الموالية لإيران والقوات الأمريكية والإسرائيلية، مما يهدد بجرف "التقدم الذي تحقق بشق الأنفس" إلى دوامة جديدة من الفوضى.
ويشير التحليل إلى أن المعضلة الحقيقية تكمن في أن تريليون دولار من عائدات النفط لم تنجح في خلق تنمية مستدامة، فالنظام المالي العراقي لا يزال مرتبطا بـ"الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي"، مما يمنح واشنطن نفوذا هائلا على "حوكمة" البلاد، بينما يظل الاقتصاد رهينة لتقلبات الأسعار والاضطرابات الإقليمية التي تلت اغتيال المرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي وتداعياته الطائفية.

شهادة الأمم المتحدة.. "عراقٌ مذهل وغير قابل للتعرف عليه"
رغم السوداوية التي ترسمها التجاذبات السياسية يقدم غلام إسحاقزي منسق الأمم المتحدة، بارقة أمل؛ حيث يصف العراق في 2026 بأنه أصبح "غير قابل للتعرف عليه" من فرط التغيير الإيجابي.
وأشار إسحاقزي إلى أن البلاد التي دمرتها الحرب في أعقاب غزو عام 2003 قد زادت ثقتها الآن في مؤسساتها وتتجه نحو مزيد من الاستقرار، لافتا إلى أن العراق شهد انخفاضا في نسبة الفقر من 20% في عام 2018 إلى 17.5% في الفترة 2024-2025، وأن التقارير الأولية تشير إلى أن البلاد تحتل الآن مرتبة عالية في مؤشر التنمية البشرية، الذي يقيس متوسط العمر المتوقع والتعليم ومستوى المعيشة.
إضافة إلى ذلك، فقد مكّن تحسن البيئة الأمنية 5 ملايين نازحا داخليا من العودة إلى ديارهم، بينما يعود أولئك الذين بقوا في المخيمات في الغالب بسبب مشاكل السكن أو الهوية المدنية.
بين الأمس واليوم.. العراق يكتب فصله الجديد
في ظل ذلك، وبعد مرور 89 عاما على ميلاد مهيب الركن صدام حسين، وعقدين على رحيله، يظل العراق الدولة الأكثر تعقيدا في قراءة حاضرها؛ فبينما تُظهر الأرقام الأممية في 2026 "عراقا مذهلا" نجح في خفض معدلات الفقر وإعادة ملايين النازحين، لا تزال التقارير الاستراتيجية تحذر من "هشاشة" هذا المنجز أمام عواصف الإقليم ومطامع القوى الخارجية.
لقد غادر صدام حسين المشهد، لكن الأسئلة التي تركها خلفه حول السيادة والهوية، والعدالة الاجتماعية لا تزال هي المحرك الأساسي للشارع العراقي. إن التحدي الحقيقي أمام بغداد اليوم لم يعد يكمن في التحرر من قبضة "الرجل الواحد"، بل في التحرر من قيود الفساد المؤسسي، والتبعية الاقتصادية، والتحول من ساحة لتصفية حسابات الآخرين إلى دولة تفرض سيادتها على كامل ترابها ومواردها.
وبين ذكرى ميلاد حاكم لا زال إرثه يثير الجدل، وواقع بلد يحاول صياغة مستقبله بشق الأنفس، يبقى العراق عاملا مؤثرا في استقرار الشرق الأوسط؛ فإما أن يمضي قدما نحو ترسيخ مؤسساته الوطنية، أو يظل عالقا في "إرث الجمر" الذي لم تنطفئ نيرانه بعد.