حرب إيران والنووي وهرمز (AI)
كيف يمكن لأزمة امتدت من التخصيب إلى حرب فهدنة ممدودة غير واضحةً المآلات، ومن غلق مضيق إلى حصار فانهيار اقتصادي وشيك، أن تبقى معلقة رغم سيل المقترحات والوساطات؟ السؤال يبدو أكثر إلحاحًا الآن مع اتساع الفجوة بين ما تعتبره واشنطن "تسوية ضامنة" وما تنظر إليه طهران على أنه "تجريد سياسي من حق سيادي"، في وقت تتشابك فيه ثلاثة مسارات دفعة واحدة: مصير البنية النووية الإيرانية، وأمن الملاحة في مضيق هرمز، وشكل الترتيب الأمني الإقليمي بعد حرب إيران، في وقت تتوقف فيه الأزمة عن كونها مواجهة عسكرية أو تفاوضًا تقنيًا محدودًا، لتتحول إلى صراع على تعريف الحل نفسه:
هل المطلوب ضبط البرنامج الإيراني، أم اقتلاع قدرته من الجذور، أم إدارة وسطية تضمن الرقابة وتُبقي الحد الأدنى من السيادة؟
ومن هنا، يمكن فهم لماذا تبدو الهدنة الحالية هشة، ولماذا لا يعني تمديدها اقتراب الاتفاق بقدر ما يكشف عن عمق المأزق الذي يحكمه.
اشتباك التخصيب في حرب إيران
يتأسس الموقف الإيراني في جوهره على رواية قانونية وسيادية متماسكة، يلخصها د. مصدق بور، مدير مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية العربية المقرب من دوائر صنع القرار في طهران، عندما يؤكد في حديثه الخاص لـ"مصراوي"، أن إيران لن توافق على مقترحات تنتزع منها أصل الحق في التخصيب، لأنها تنطلق من كونها عضوًا في الوكالة الدولية للطاقة الذرية وموقعة على معاهدة حظر الانتشار النووي، وهو ما يمنحها، من منظورها، حق التخصيب تحت الإشراف الدولي.
لا يقف هذا الخطاب عند حدود الدفاع القانوني، إذ يضيف بور عنصرًا شديد الحساسية في السردية الإيرانية حين يقارن بين برنامج تقول طهران إنه خاضع للتفتيش، وبين إسرائيل التي لم توقّع على المعاهدة أصلًا.
وضمن هذا السياق يلفت إلى أن النقاش العملي في الكواليس قد يتركز على تسليم مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60% إلى دولة ثالثة مثل الصين أو باكستان، في محاولة لتخفيف المخاوف الدولية من بقاء البنية التحتية النووية داخل إيران، وهي صيغة تكشف أن طهران تناور حول المخزون ومستوى التخصيب، لكنها تتحسس بشدة من أي مسار يمس الأصل البنيوي لبرنامجها.
الفجوة الزمنية للتخصيب
تزداد قيمة هذا الطرح حين يوضع في مواجهة ما تكشفه مراكز الدراسات الغربية عن طبيعة المطالب الأمريكية الفعلية. فالتقارير الصادرة في أبريل الجاري لا تتحدث عن خلاف هامشي على نسب التخصيب أو توقيتات فنية عابرة، وإنما عن خلاف بنيوي على فلسفة الاتفاق ذاته.
ويشير تقرير معهد دراسة الحرب إلى أن إحدى نقاط التباين الرئيسية تمثلت في مطالبة واشنطن بتجميد تخصيب اليورانيوم لفترة طويلة قد تصل إلى 20 عامًا، مقابل مقترح إيراني يقترب من تعليق أقصر يمتد من ثلاث إلى خمس سنوات.
هذه الفجوة الزمنية ليست رقمًا تفاوضيًا فقط، لأن معناها السياسي يتصل بسؤال أكبر:
هل تريد الولايات المتحدة تحويل البرنامج الإيراني إلى ملف مُعطل طويل الأمد فاقدٍ لقدرة الاستعادة السريعة، أم تريد إيران الحفاظ على قابلية العودة بعد فترة قصيرة تحفظ لها صورة الدولة التي لم تتراجع عن حقها التاريخي؟
في هذه المسافة بالتحديد، يمكن قراءة ما ترصده مراكز أمريكية أخرى من وجود تيارين داخل طهران: تيار أكثر تشددًا يرى أن الحرب أثبتت ضرورة الإبقاء على عناصر الردع، وآخر دبلوماسي أكثر مرونة يحاول شراء الوقت وتخفيف العقوبات دون تسليم أوراق القوة الرئيسية دفعة واحدة.

حرب إيران.. ماذا عن "كونسورتيوم" مثل "يورينكو"؟
ضمن هذا الاشتباك، تكمن الشهادة الأهم في تصريحات الدكتور يسري أبو شادي، كبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سابقًا، لأنها تضع إطارًا زمنيًا محددًا لفرصة دبلوماسية نادرة.
يعود هذا المقترح بجذوره إلى الفترة التي سبقت إطلاق واشنطن لسياسة "الضغوط القصوى" في ولاية ترامب الأولى عام 2018، حيث كان هذا المسار الحقيقي قاب قوسين أو أدنى من التنفيذ لإنهاء الأزمة من جذورها.
ووفق ما يكشفه أبو شادي، لـ"مصراوي"، طُرح في تلك المرحلة نموذج يقوم على تحويل منشآت التخصيب الإيرانية إلى إطار إدارة وملكية دولية مشتركة، على غرار تجربة "يورينكو" الأوروبية، بحيث تشارك أطراف خليجية ودولية في تشغيل المنظومة من داخل إيران لإنتاج يورانيوم منخفض التخصيب مخصص للأغراض السلمية.
وتكتسب هذه الشهادة أهميتها من تقديمها حلًا وسطًا بين مطلبين متصادمين: مطلب إيراني يريد الإبقاء على البنية داخل الأرض الإيرانية، ومطلب دولي يسعى إلى نقل الملف من حيز الثقة السياسية إلى حيز الإدارة الفنية الجماعية.
وعلى هذا الأساس، مثّلت مرونة طهران المبدئية تجاه هذا التصور، كما يروي أبو شادي، قبولًا بصيغة تجعل الرقابة جزءًا من الملكية والإدارة، بما يبدد المخاوف دون إسقاط السيادة.
شرط ترامب التعجيزي
غير أن انهيار هذا المسار يفسر بصورة أكثر حدة أين يقع جوهر الانسداد الممتد حتى مفاوضات 2026.
فبحسب رواية أبو شادي، تعثر المقترح وقتها عندما أصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن يكون تأسيس الكونسورتيوم مشروطًا بنقل جميع منشآت التخصيب إلى خارج الأراضي الإيرانية.
وتتقاطع هذه النقطة التاريخية بالذات بقوة مع ما يطرحه معهد واشنطن اليوم في قراءته لمتطلبات "الاتفاق الجيد".
يذهب المعهد إلى أن أي صيغة قابلة للحياة من وجهة النظر الأمريكية يجب أن تمنع إيران من امتلاك قدرة عودة سريعة إلى الاختراق النووي، عبر قيود هيكلية على التخصيب، وأجهزة الطرد المتقدمة، والبحث والتطوير، والتفتيش المفاجئ، وربما عبر ربط النووي بالمنظومة الصاروخية أيضًا.
مخاوف الاتفاق السريع
المعنى العملي لذلك أن الخلاف يتجاوز مسألة الثقة بإيران، ويتركز حول بقاء القدرة الكامنة نفسها داخل حدودها.
هنا تكتسب تحذيرات رويترز، وزنًا مضاعفًا، لأنها تُظهر أن القلق الأوروبي والخليجي يتجاوز احتمالات فشل الاتفاق الحالي، ويشمل الخوف من نجاح اتفاق سياسي سريع يترك التفاصيل النووية الحرجة معلقة:
ماذا سيحدث لمخزون الـ60% الراهن؟ ومن سيتولى نقله أو تخفيفه أو مراقبته؟ وكيف ستُرتب أولويات رفع العقوبات والالتزامات الفنية؟
هذه الأسئلة تشرح لماذا بدا "كونسورتيوم يورينكو" حلًا ناضجًا تقنيًا في الماضي، ولماذا يصطدم باستمرار برؤية أمريكية تعتبر الإدارة المشتركة غير كافية ما دامت البنية الأصلية باقية داخل إيران.

ورقة هرمز.. سلاح إيران الأقوى في الحرب
من هنا تحديدًا، يمكن فهم سبب انتقال الضغط الإيراني من مائدة التخصيب إلى مياه الخليج. فحين تتعقد التسوية في أصلها النووي، يصبح مضيق هرمز أداة موازية لإعادة صياغة الكلفة على الطرف المقابل.
في هذا الإطار، يربط وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بين الحصار البحري المفروض على الموانئ الإيرانية وبين اضطراب أمن المضيق، معتبرًا أن واشنطن تتحمل مسؤولية دفع المنطقة إلى هذه الحافة.
هذه اللغة ليست مجرد رد دعائي، لأنها تتسق مع الفكرة التي عبّر عنها مصدق بور في أحاديثه السابقة لـ"مصراوي" بشأن استنزاف واشنطن إقليميًا واستخدام كل أوراق الضغط المتاحة.
اقرأ أيضًا: مصدق بور لـ"مصراوي": إيران ترفض وقف الحرب.. استنزفنا واشنطن إقليميًا ومصر "استثناء"
وبهذا المعنى، لا يظهر هرمز هنا كمسرح منفصل عن التفاوض النووي، وإنما كامتداد له بلغة أخرى: إذا كان الغرب يريد خفض قدرة إيران على إنتاج عنصر الردع النووي، فإن طهران تملك في المقابل قدرة على رفع كلفة الطاقة والشحن والتأمين والاقتصاد العالمي كله.
الأدوات غير المتماثلة
وتُظهر التحليلات العسكرية أن قيمة هرمز بالنسبة إلى إيران لا ترتبط بحجم بحري تقليدي ضخم، وإنما بطبيعة الأدوات غير المتماثلة التي تستطيع تشغيلها في جغرافيا ضيقة وحساسة.
توضح "سي إن إن" أن إيران تمتلك قدرة على تهديد الملاحة عبر زوارق سريعة، وغواصات صغيرة، وألغام بحرية، ومسيرات، وهي منظومة منخفضة الكلفة مقارنةً بالقوى البحرية الغربية، لكنها مرتفعة الفاعلية في بيئة مثل هرمز. كما يشير تقرير منظمة أكليد إلى أن أمن الملاحة وعودة تدفق الطاقة يشكلان أولوية حاسمة لدول الخليج، ما يعني أن أي تعقيد في المضيق لا يُقرأ بوصفه ورقة عسكرية فقط، وإنما كأداة ضغط على العواصم التي تحتاج إلى استقرار السوق قبل أي شيء آخر.
وحين توضع هذه القراءة إلى جانب تقديرات مراكز إسرائيلية مثل "ألما" التي تتوقع استمرار إيران في إعادة بناء قدراتها الصاروخية والدفاعية بالتوازي مع إبداء قدر من الاستعداد الدبلوماسي، يصبح المشهد أوضح:
طهران تتفاوض وهي تعيد ترميم أدوات الردع، وتحاول أن تمنع خصومها من تحويل الهدنة إلى لحظة استسلام استراتيجي.

العقدة السعودية في الأزمة الإيرانية
لا تكتمل الصورة من دون التوقف عند البعد الخليجي كما يشرحه الدكتور إبراهيم عوض، أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، في حديثه الخاص لـ"مصراوي".
الرجل ينبه إلى خطأ شائع في قراءة الإقليم، وهو التعامل مع الخليج بوصفه كتلة سياسية واحدة لها المصلحة نفسها والحسابات نفسها. والحال أن مسارات الوساطة والتخوف والرهان تختلف من عاصمة إلى أخرى، بين أطراف ترى أولوية التهدئة العاجلة، وأخرى تنشغل بموازين الردع طويلة الأمد.
ومن هذا المدخل يطرح عوض ما يسميه "العقدة السعودية"، وهي نقطة شديدة الأهمية في تفسير صعوبة تسويق أي كونسورتيوم نووي داخل إيران تشارك فيه أطراف خليجية.
فالسعودية تسعى منذ سنوات إلى برنامج نووي سلمي أكثر استقلالًا، لكنها تصطدم بالشروط الأمريكية المقيدة التي تمنعها من تخصيب اليورانيوم محليًا.
وبالتالي، فإن أي ترتيبات تسمح لإيران بالاحتفاظ بالتخصيب داخل حدودها، حتى لو كان ذلك تحت إدارة أو ملكية مشتركة، ستبدو في نظر الرياض وكأنها تمنح طهران ما لم يُمنح لحلفاء واشنطن أنفسهم. وفي هذه النقطة تخرج المسألة من كونها تقنية أو نووية فقط، وتتحول إلى سؤال عن ميزان الشرعية النووية في الإقليم:
من يحق له أن يحتفظ بدورة الوقود، ومن يُطلب منه التخلي عنها؟
المنظور الإسرائيلي للأزمة
يتعزز هذا التعقيد أكثر حين يدخل المنظور الإسرائيلي على الخط. فبينما يرى عوض أن كلفة الحرب الشاملة تدفع واشنطن إلى الحذر، تكشف تحليلات إسرائيلية عن قلق موازٍ من أن تجد تل أبيب نفسها خارج الغرفة التي يُعاد فيها تصميم التفاهمات الأساسية.
ويشير موقع "تايمز أوف إسرائيل" إلى أن النظام الإيراني يواجه تحديات داخلية في مقاربة الهدنة والتفاوض، في حين تذهب قراءات إسرائيلية أخرى إلى أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيكًا حقيقيًا للقدرات الصاروخية والنووية وشبكة الوكلاء سيبقي الخطر قائمًا.
ومن هنا، يمكن فهم مضمون تقييم "ألما" الذي لا يكتفي بالنظر إلى التخصيب، وإنما يربط بين إعادة بناء القدرات الصاروخية، وتحسين الدفاع الجوي، وتسريع تحصين المنشآت، بالتوازي مع إدارة تفاوضية تسعى إلى حصر المحادثات في الملف النووي فقط.
هذه الزاوية تفسر أيضًا لماذا يصبح الموقف الأمريكي مضغوطًا بين رؤيتين: رؤية تريد صفقة توقف التدهور وتمنع الحرب المفتوحة، ورؤية إسرائيلية ترى أن أي صفقة تترك لإيران قدرة كامنة على الاستعادة ما هي إلا تأجيل لجولة أخطر.

تصادم الرؤى المتنافرة
تكشف تصريحات الخبراء، حين توضع فوق خرائط التحليل الدولي، أن أزمة إيران الحالية لا تتعثر بسبب غياب الصيغ أو نقص الوسطاء، وإنما بسبب تصادم ثلاث رؤى متنافرة للحل:
طهران، كما يظهر في طرح مصدق بور، تريد الحفاظ على أصل الحق والسيادة حتى لو قبلت بمناورات على المخزون أو الرقابة. وخبرة أبو شادي تكشف أن الحلول التقنية الوسط كانت موجودة فعلًا، وأنها امتلكت قدرًا من القابلية السياسية قبل أن تصطدم بسقف أمريكي مرتفع. أما عوض فيكشف أن الإقليم نفسه ليس جاهزًا لتقبّل تسوية تمنح إيران ما لا يُمنح لغيرها، وأن الحذر الأمريكي لا يلغي أثر الضغوط الإسرائيلية والخليجية.
ولذلك، فإن الهدنة الراهنة تبدو أقرب إلى استراحة فوق صدع مفتوح منها إلى مقدمة لاتفاق ناضج؛ لأن السؤال الحقيقي لم يُحسم بعد:
هل يُسمح لإيران ببرنامج مُدار ومراقب، أم يُفرض عليها نموذج تجريد طويل الأمد، أم يُترك النزاع ليفرض منطقه بالقوة كلما فشلت السياسة في تعريف تسوية قابلة للحياة؟